صبحي موسى
هو واحد من الشخصيات التي يصعب عدم الانتباه لحضورها الفكري والثقافي، ليس لأنه صاحب الخصومة الطويلة مع تيارات الإسلام السياسي، ولا لأنه يرى أن العلمانية هي الحل لخلاص الشرق الأوسط من صراع الأصوليات الذي يجتاحه، ولا حتى لأنه التلميذ الأوفى في زماننا لابن رشد، والداعي لإحياء الرشدية العربية في إطار نظرية فلسفية جديدة، ولا لأنه من كبار المثقفين الذين دعوا للحوار مع إسرائيل، وتغيير مناهج التعليم في المنطقة لتكون على أساس علماني لا أصولي، ولكن لأنه نموذج الفلَّاح المصري القادم من قراه البعيدة ليكون ممثلها الأمثل في ردهات المركز النابض بكل أنواع الثقافات والعلوم.
لا يمكنك أن ترى البروفيسور مراد وهبة لا يتحدث عن الصراع الدائر بين الأصوليات، ومفارقات الذهنية المصرية والعربية في الزمن الحديث، وعلاقته الملتبسة بعبدالناصر والسادات، والفاترة حد الجمود في زمن مبارك، لا يمكنك أن تتحدث ولا تجده ينصت باهتمام بالغ، ليسألك عما يجري وما يدور من أحداث في العالم، وهو المفكر الكبير الذي احتفل في الرابع عشر من أكتوبر الماضي بإتمامه العام الحادي والتسعين، وصاحب الكتب الإشكالية، بدءًا من «المذهب في فلسفة برجسون» (1960م)، و«محاورات فلسفية في موسكو» (1977م)، و«فلسفة الإبداع» (1996م)، و«مستقبل الأخلاق» (1997م)، و«جرثومة التخلف» (1998م)، و«ملاك الحقيقة المطلقة» (1998م)، و«الأصولية والعلمانية» (2005م)، فضلًا عن مقالاته في كثير من الجرائد المصرية والعربية، وسعيه الدائم لإحياء فلسفة ابن رشد، بوصفها الجسر الذي نقل أوربا في القرن السادس عشر من غياهب الظلام إلى آفاق التنوير، وهي الحل الأمثل الآن ليس للمنطقة العربية فحسب، لكن للحضارة الإنسانية عامة، وبخاصة بعدما طغى عليها صراع الأصوليات المتناحرة في كل مكان.
في هذا الحوار مع «الفيصل» يتيح لنا الدكتور مراد وهبة أن نتأمل معه ما جرى له مع كثير من الأنظمة، بدءًا من الملكية التي استشرى فيها الفساد فسقطت، مرورًا بعبدالناصر الذي عيَّنه سرًّا مستشارًا خاصًّا له في شؤون التعليم، والسادات الذي كتبت له أجهزته السرية أن وهبة هو أخطر أستاذ جامعة على النظام، فكان أستاذ الجامعة الوحيد الذي عزله السادات من وظيفته، في حين حاصره مبارك، وفي النهاية جاء الإخوان الذين لم يلبثوا كثيرًا في الحكم. يتحدث أستاذ الفلسفة في جامعة عين شمس عن زيارته لإسرائيل، وكيف راوغت السلطات في السماح له بالذهاب إلى تل أبيب، يحكي عن ذهابه إلى باكستان وكيف رأى تخليها عن أفكار محمد إقبال لصالح «أبي الأعلى المودودي»، متهمًا المثقف بالخيانة، والمجتمعات العربية بعشق التراث وكراهية الحداثة، هنا يرصد كيف يعيش العالم حضارة واحدة، يجتاحها صراع المطلقات:
- أمضيت جانبًا كبيرًا من جهدك العلمي في الدعوة لإحياء فلسفة ابن رشد، على الرغم من أن زمن ابن رشد نفسه، كان زمنًا أكثر قوة وتنويرًا مما نحن فيه، إذ لم يُقبَل بفلسفته وأُحرقت كتبه وجُرِّمت أفكاره، ألا ترى أن ذلك مفارقة تحتاج إلى تفسير؟
■ المفارقة تعني أنه يوجد تناقض، وكان في زمن ابن رشد تناقض، وفي زماننا أيضًا تناقض، وحين دعيت لإحياء فلسفة ابن رشد في إطار فلسفة جديدة أطلقت عليها «الرشدية العربية» كنت أدرك تمامًا هذا الفارق، أين يكمن الفارق بين زمن ابن رشد وزماننا؟ في زمن ابن رشد السلطة السياسية هي التي استدعت ابن رشد؛ لماذا؟ لكي يشرح ما هو غامض في فلسفة أرسطو؛ لماذا؟ لأن أرسطو هو الملقَّب بالمعلم الأول، وكان فيلسوفًا في القرن الرابع قبل الميلاد، وأرسطو كان له منطق يعتمد على مفهوم البرهان، ومن هنا أمكن لإقليدس أن يؤسس علمًا هندسيًّا نظريًّا على أساس مفهوم البرهان، كما ورد في فلسفة أرسطو.
إذًا استعانت السلطة السياسية بأرسطو، وتركت ابن رشد يقوم بتأسيس تيار أرسطوطالي ولكن بنكهة إسلامية، وكانت تعني أن العالم الإسلامي عليه أن يكون منفتحًا على الحضارة اليونانية، وبالأدق على الفلسفة اليونانية، والدافع إلى ذلك هو رؤية السلطة السياسية في حينها مع مستشارها ابن رشد أن الغزالي، وهو فيلسوف إسلامي في القرن الحادي عشر الميلادي، كان مهيمنًا على الشرق العربي، والثغرة الموجودة في فلسفة الغزالي أنه ضد الانفتاح على الفلسفة اليونانية، ولذا كفر الفلاسفة المسلمين عندما استعانوا بفلاسفة اليونان، واتهمهم بالكفر على نحو ما جاء في الفقرة الأولى من كتابه «تهافت الفلاسفة»، وكان على ابن رشد ومعه السلطة السياسية أن يمنعوا هذا التيار اللاعقلاني للغزالي من الانتشار في المغرب العربي، ولكنه واجه صعوبات أدت في النهاية إلى اتهامه بالكفر وحرق كتبه ونفيه إلى قرية «أليوسانا»، وهي قرية كانت تتميز بأن أغلبية سكانها من اليهود، ولذلك أطلقت إشاعة بأن ابن رشد من أصول يهودية.
وبذلك انتهت العقلانية في المغرب العربي الذي انضم بعد ذلك إلى المشرق العربي، فأصبح العالم الإسلامي محاصرًا في إطار فلسفة لا عقلانية يتزعمها الغزالي، وفي القرن الثالث عشر، وهو القرن التالي لاضطهاد ابن رشد سيطر ابن تيمية في اتجاه الغزالي على توليد قوة مانعة من أي رغبة للانفتاح على الفلسفة اليونانية، وهذا واضح في رفض ابن تيمية لإعمال العقل في النص الديني؛ لأن آيات القرآن كلها -في رأيه- واضحة المعنى، وليست في حاجة إلى أي إعمال للعقل، وبالتالي هبط بالعقل إلى مستوى الحس، وكفَّر من يستعين بالتأويل في فهم النص الديني، ومن هنا أصبح الفارق الجوهري لابن تيمية في فهم أو قبول التأويل. ابن رشد يقول عن التأويل: إنه يكشف عن المعنى الباطني للنص، وهو الأمر الذي يستلزم الاستعانة بالمجاز، من دون الاستعانة بالمعنى الحسي، أما ابن تيمية فيرفض التأويل تمامًا، وهذه هي حقيقة المعركة في العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر. - ماذا حدث بعد ذلك؟
■ ما حدث هو أن العالم الإسلامي وقف عند ابن تيمية، وبالتالي يمكن القول: إن العالم الإسلامي يقف الآن عند القرن الثالث عشر. والآن عندما فطنت إلى أن ابن رشد هو الحل لإخراج العالم الإسلامي من الذائقة الموجودة فيه وجدت أمامي ظاهرة مكتسحة بدأت مع منتصف السبعينيات، وهي ظاهرة الأصولية الدينية، وهي لا تخص العالم الإسلامي وحده، إنما تخص أيضًا العالم الغربي، فماذا تعني ظاهرة الأصولية؟ تعني أن المعتقد الديني في أي دين هو مطلق، فإذا تعددت العقائد الدينية المطلقة فمعنى ذلك تعدُّد المطلقات، وإذا تعددت المطلقات سندخل بالتالي فيما أسميه صراع المطلقات؛ لأن المطلق بحكم تعريفه هو واحد لا يقبل التعدد، وبالتالي إذا تعددت المطلقات فلا بد من مطلق واحد يمارس إقصاء المطلقات الأخرى، يقصيها بتكفيرها في الحد الأدنى وقتل أتباعها في الحد الأقصى، والظاهرة القريبة ما يحدث في ميانمار أن الأصولية البوذية تذبح أتباع الأصولية الإسلامية، والأصولية الهندوسية تقف وراء الأصولية البوذية في إقصاء واضطهاد الأصولية الإسلامية في ميانمار. «الرشدية العربية» الآن تأخذ معنى أوسع مما حدث في القرن الثالث عشر، بالرغم من أن مصطلح الرشدية يوحي إليك بأنها مسألة عربية، لكنها ليست كذلك، بمعنى أنه يتحدث باللغة العربية، لكنه مطلوب للعالم بأسره، وذلك لأنه في القرن الثالث عشر في أوربا، عندما أرادت أوربا أن تخرج من العصور الوسطى كان هناك الإمبراطور فريدريك الثاني يقف ضد الأصولية المسيحية المدعمة بالنظام الإقطاعي، وكان فريدريك يقف إلى جانب الطبقة التجارية الصاعدة، فقيل له: لكي تنتصر لا بد أن تستعين بفلسفة ابن رشدن، فوافق وأصدر قرارًا سياسيًّا بترجمة مؤلفات ابن رشد، وبدأ ينشأ تيار في جامعة باريس ثم في إيطاليا اسمه تيار الرشدية اللاتينية، وسُمي كذلك لأن مؤلفات ابن رشد في أوربا كانت باللاتينية، إضافة إلى العبرية، ودخل تيار الرشدية اللاتينية في مواجهة مع السلطة الدينية المدعمة بالإقطاع، وفي النهاية انتصرت الرشدية اللاتينية، فتأسس عصر الإصلاح الديني في القرن السادس عشر، ثم التنوير في القرن الثامن عشر. هنا يوجد فارق بين الاستعانة في أوربا بابن رشد خلال أوقات مختلفة، وحاليًّا في العالم الإسلامي يُستعان بابن تيمية، إذًا فالرشدية العربية تتجاوز الآن العالم الإسلامي إلى العالم الغربي؛ لأن العالم الغربي يعاني الأصولية الدينية كما يعانيها العالم الإسلامي، معنى ذلك أن العالم الإسلامي الآن لا ينفرد بالأصولية الدينية، لأنها شائعة في جميع الأديان، وأنا الآن أريد لابن رشد أن يكون معينًا للحضارة الإنسانية من تدهورها وانزلاقها نحو الأصولية الدينية، وكي تخرج من مأزق الإرهاب، وقد سعدت حين علمت أنه في الجامعة الألمانية يوجد كرسي لابن رشد، وهذا معناه أن الغرب في حاجة لابن رشد. - في كتابك «جرثومة التخلف» ترى أن العقل العربي هو عقل ديني في مجال التقدم، وعقل علماني في مجال التخلف.. فكيف ذلك؟
■ لدينا في مجال الدين الشيخ محمد عبده وقاسم أمين وغيرهما يطالبون بتحرير المرأة، ولكنه تحرير في إطار الدين، ومن هنا نحن نقول: إذا كنا نتقدم فنحن نتقدم في هذا الإطار الديني، ولكن عندما نريد أن نوسع دائرة الإصلاح الديني إلى إصلاح سياسي في إطار العلمانية فهذا أمر مرفوض، ورفض العلمانية يعني التخلف، وبالتالي أقول هذه العبارة الملتبسة: «العقل العربي هو عقل ديني في مجال التقدم، وعقل علماني في مجال التخلف»؛ لأنه يقبل الأول ويرفض الثاني.
خيانة المثقف - في الكتاب نفسه تذهب إلى أن مشكلة المجتمعات العربية ليست في صدام المثقف مع السلطة، ولكن في صدامه مع المجتمع ذاته؛ لأن المجتمع متخلف، ووظيفة المثقف هي الكشف عن جذور التخلف… فهل هذا هو السبب الذي جعلك فيما بعد تتّهم المثقف بالخيانة؟
■ نعم هو خائن وما زال، لماذا؟ اليوم نعاني تيار الإخوان المسلمين وما نتج عنه من تيارات أخرى، ونحن نتّهم هذا التيار بأنه تيار إرهابي تكفيري في الحد الأدنى، ويقتل في الحد الأقصى، ماذا أنتجنا من تيار ضد هذا التيار؟ لا شيء، والمثقف يكتفي فقط بإدانة الإرهاب، ويمتنع عن إزالة هذا الإرهاب، كيف يمتنع؟ هنا تكمن الخيانة، فهو يريد أن يبعدك من التفكير في ظاهرة الإرهاب، ويجرف عقلك في قضايا أخرى لا علاقة لها بالإرهاب، مثل الفقر والجهل وغيرهما، هنا الخديعة والخيانة؛ لأن هذه الأمراض موجودة قبل الإرهاب وبعده، ولها حلول أخرى لا علاقة لها بالإرهاب، فالمثقف يقول دائمًا: إنه يوجد إرهاب، لكن ما سببه؟ سببه الفقر. هذه خديعة، لأن «بن لادن» و«الظواهري» وأغلب قيادات الإخوان مليونيرات ومليارديرات، فعلى المثقف ألا يكون خائنًا، وأن يعمل على تأسيس تيار فكري مناقض لتيار الأصولية الدينية، وهو لن يفعل، وأذكرك بما حدث لنجيب محفوظ، من شاب جاهل طعنه بسكين، ومحفوظ سأله: إنْ كان قرأ أولاد حارتنا؟ فقال لا. فمن الذي قرأها؟ الذي قرأها مثقف قال للشاب: أن يقتل نجيب لأنه كافر، نجيب أدى دوره التنويري بكتابة رواية «أولاد حارتنا»، وأنا أول من كتب عنها في جريدة «وطني» حين انتهى من نشرها مسلسلة في الأهرام؛ لأني لمحت الدور التنويري في هذه الرواية، لأنه جعل من عرفة رمز العلم، وجعله لقيطًا، ولا أحد يعرف من أين جاء ولا أين ذهب، وهذا يعني أننا ضد العقل والعلم، ولعل السؤال هو: أين دور المثقف الذي عاصر نجيب محفوظ، لقد أمضى المثقفون وقتهم في الالتفاف حول نجيب محفوظ والتسامر معه، من دون أن ينجزوا ما عليهم، وحين لمح نجيب الدور المتخاذل للمثقف من حوله، أدرك أنه لن يكون سندًا له، وبالتالي لا نطالب نجيبًا بأكثر من أنه كتب الرواية ونشرها. فهل يقتل نجيب محفوظ نفسه من أجل مثقف كلُّ دوره أنه يتباهى بصداقته بنجيب، أم أن المسألة هي الالتفاف معًا لتغيير الذهنية المصرية؟ - في الوقت الذي يُتهم فيه المثقف بالتعقيد والتقعُّر، فإنك ترى أن مهمة المثقفين في الأحزاب هي تبسيط الأفكار للجماهير وجعلها أكثر شعبية، وأن مشكلة الأحزاب أنها بلا فلاسفة. أليست هذه مفارقة للواقع؟
■ نعم مفارقة، أحزاب بلا فلاسفة هي أحزاب بلا دور، لا بد أن يكون للأحزاب فلاسفة، وإلا فإنها تنتهي، ومن هنا ينتصر الحزب بمعارضة السلطة فقط، متخليًا عن دوره في تنوير الجماهير، ويلزم التنويه إلى أننا نعيش في عصر الجماهير بسبب الثورة العلمية والتكنولوجية، المفارقة أن هذه الثورة ليست من إنتاج الجماهير، ومع ذلك وجدت لخدمتهم، ونحن أبعدناها عنهم، ونوضح أن الثورة العلمية والتكنولوجية أفرزت مصطلح mass، وهو له معنيان: أحدهما كتلة، والآخر جمهور، وأنا اخترت معنى الجمهور؛ لماذا لأنه نشأت ألفاظ بها لفظ mass مضاف إليه لفظ آخر، كأن نقول:mass- media (وسائل إعلام جماهيرية)، mass- communication (وسائل اتصال جماهيرية)، mass-socity (مجتمع جماهيري)، mass- man (رجل الشارع).
نحن نقول: تنمية، ولا يمكن وجود تنمية من دون رجل تاريخ مستنير، ومن يقوم بتنوير رجل الشارع؟ المثقف الذي تركه، وذلك كي يتفرغ للاصطدام بالسلطة، وهذا ما أسميه: وهم الصدام، فحقيقة الأمر أن المثقف والسلطة في مركب واحد، والسخرية أن المثقف منشغل بأسئلة وهمية مثل: هل السيسي فقد شعبيته؟ ونسي المثقف أن دوره هو تنوير الجماهير كي تساند السيسي في إصلاحاته السياسية والاقتصادية، فالسيسي منشغل بتغيير العادات الذهنية المتخلفة، فهو يقول: إن المشكلة هي الإرهاب والانفجار السكاني، وتعني كلمة انفجار سكاني وجود عادات ذهنية متخلفة، مثل القول بأن كل ولد يأتي ومعه رزقه، ومن المفروض تغيير هذه العادات الذهنية، وهذه مهمة المثقف وليست السلطة السياسية. - كيف جعل الاستعمار العقل العربي الذي حمل مشعل الحضارة لأكثر من خمسمئة عام مصابًا بالعجز عن ممارسة العقلانية؟
■ هذا سؤال جيد، لكن معناه أننا نُرجِع التخلف إلى الاستعمار، وهذا خطأ، فالاستعمار في حقيقته استثمار، عندما يجد إنسانا متخلفًا ينجذب نحوه؛ لأن من الممكن استثماره، فهو جاهز ومستعد لذلك؛ إذ إنه ليس لديه مقاومة، ولذا من المفروض القول بأن التخلف ليس سببه الاستعمار، ولكن عوامل داخلية مرتبطة بخيانة المثقف، المفكر الجزائري مالك بن نبي له عبارة ملهمة تقول: إن العالم الإسلامي لديه القابلية للاستعمار، وهذا معناه أن العالم الإسلامي جاذب للاستعمار، وذلك لأنه سلبي، فإذا أردت ألا تتخلف فلا بد من تفجير الطاقات الإبداعية، ولكن تفجير هذه الطاقات ممتنع بسبب وجود محرمات ثقافية، والمحرمات الثقافية ليست من صنع الاستعمار، ولكن من صنع الشعب والجمهور وخيانة المثقف. ومن ثم فربط التخلف بالاستعمار هو من بين الأوهام التي يعيش عليها المثقف لتبرير خيانته، فعلى سبيل المثال ستجد من يقول: إن الشعب المصري أو العربي متدين بطبعه، فهل الشعب الألماني أو الإنجليزي أو الياباني ليس متدينًا؟ للأسف هذه أوهام عظيمة كاذبة لتبرير خيانة المثقف لدوره في مجتمعه. - طالبت باقتحام المحرمات الثقافية كما حدث في أوربا، بينما كانت أوربا الناهضة في ذلك الوقت تحتل الأميركتين وثلاثة أرباع المعمورة، بينما المجتمعات الشرقية تعيش حالة من التقزم والتضاؤل بسب الاحتلال الأوربي الممنهج منذ نحو خمس مئة عام حتى الآن، فكيف يمكن اقتحام هذه المحرمات الثقافية؟
■ لديك محرمات ثقافية تخصك، فإنك ممنوع من تأويل وفهم النص الديني، وممنوع من قبول أي نظرية علمية تقف ضد ظاهر النص الديني، ومن ثم أنت تقف ضد نظرية التطور، بينما تقبلها أوربا بفضل الإصلاح الديني والتنوير، حين تحدث تيارًا تنويريًّا تستطيع أن تحدث تطورًا، وعدم اقتحام المحرمات الثقافية يجعل الباب مفتوحًا لاستثمارك في كل ما يتصل بالاستثمار، بعد ذلك تتوهم أن سبب تخلفك مردود إلى ما نسميه الاستعمار، وهو في حقيقته استثمار. - وصفت في كتاب «مستقبل الأخلاق» أو «الميتافيزيقا والأخلاق» الخير بأنه وهم.. فكيف ذلك؟
■ الخير وهم، حين تبحث في معنى الخير فأنت تبحث عن الجذور، فأنت تحدد هذا خير وهذا شر، ومع الوقت والتطور تجد أن ما كنت تقول عنه: إنه خير أصبح شرًّا، وما كنت تصفه بالشر أصبح خيرًا، ومن ثم فجذور التفرقة ليست في الخير والشر، ولكن في الأسباب التي تدفعك للقول بأن هذا خير وهذا شر. مثلًا حين يكون الناس في جلسة ويأتيهم خبر مفرح يقولون: «خير اللهم اجعله خير»، أي أنك تصنع معنى الخير، أي أنه لا يوجد خير في حد ذاته، ولكننا الذين نحدد هذا الخير، فالخير من ثم وهم، فحين أعطي مساعدة لشخص فإننا نقول: إن ذلك عمل خير، أما الأوربي فيقول: إن هذا ليس عمل خير؛ لأننا نساعده على التقاعس. - في كتابك «الأصولية والعلمانية» عرَّفت الأصولية بأنها نظرية في المعرفة وليس السياسة، ثم ذهبت إلى أن المودودي هو المنظِّر الأول للأصولية، ومن بعده سيد قطب والخميني صاحب «الحكومة الإسلامية»، فكيف ذلك؟
■ هل أنشأ حسن البنا حزبًا سياسيًّا؟ وهل فعل ذلك أبو الأعلى المودودي أو سيد قطب؟ بالطبع لا، ومن ثم فالسلطة تستثمر هذا الاتجاه لصالح أغراض تخصها هي، وأذكر أنني جاءتني دعوة إلى باكستان عام 1975م، للمشاركة في مؤتمر فلسفي هناك، لكنني لم أستجب، وقلت: إن هذه دولة دينية وأنا علماني، فطلب السفير الباكستاني في القاهرة مقابلتي، وحين سألني عن سبب رفضي قلت له ذلك، فقال: إن باكستان دولة دستورها ينص على الدين لكن أسلوبها علماني، في حين أن الهند دولة دستورها علماني، في حين أن أسلوبها ديني، فوافقت وذهبت متحدثًا عن الإصلاح الديني، فلاحظت أن كبار الأساتذة صاروا ضدي، بينما الشباب صاروا معي. وبدأت وسائل الإعلام تحكي عن الصراع الذي حدث، وطلبوا مني أن أبقى لما بعد المؤتمر كي أرى باكستان على مهل، وبعد مناقشات ورحلة طويلة خرجت بنتيجة واحدة، وهي أن أبا الأعلى المودودي وكان لا يزال على قيد الحياة وقتها، كان يدعو لأصولية دينية، وأن تعاليمه تدخل البيوت بدلًا من تعاليم محمد إقبال، لأن إقبالًا لديه انفتاح على الغرب، في حين المودودي يرفض الغرب، وكان ذو الفقار علي بوتو وقتها هو الحاكم في باكستان، وقد استقبلنا في حفل خاص بالأساتذة، كان النظام علمانيًّا، فحدث انقلاب ضياء الحق على «ذو الفقار بوتو»، وأصبح مستشار ضياء الحق هو أبو الأعلى المودودي، في حين قتل بوتو. - في رأيك، ما أبرز مفارقات الواقع الثقافي العربي؟
■ المفارقات الشهيرة التي أؤكد دائمًا أنها موجودة في الثقافة المصرية، ورأيت أهمية مناقشتها في الاحتفالية التي أعدَّتها وزارة الثقافة لتكريمي، هي: مفارقة ابن رشد، وتعني أن ابن رشد ميت في الشرق وحي في الغرب، ومن ثم فليس لدى العالم العربي تيار رشدي. ومفارقة الديمقراطية وهي تعني ألا ديمقراطية بلا علمانية. ومفارقة التنوير وتعني أننا نزهو بأن لدينا تيارًا تنويريًّا في حين أنه منعدم بحكم سيادة الأصولية الدينية التي تعارض التنوير بلا تيار مضاد يمنع سيادتها. وأخيرًا مفارقة الإرهاب، التي تعني أن الإرهاب ديني في حين أننا نتعامل معه على أنه ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية، الإرهاب أصبح ظاهرة كوكبية ولا بد من مواجهته كونيًّا.
عن مجلة الفيصل تشرين الثاني 2017