مراد وهبة.. الإحتفاء بالعقل

د. أحمد زايد
عندما يكون الاحتفاء بالفيلسوف الكبير مراد وهبة يكون الاحتفاء بالعقل حاضرًا بقوة. لقد اكتشف مراد وهبة بحسه الفلسفى الخصب أن حياتنا المعاصرة هى حياة تفتقد إلى التفكير العقلانى الرشيد، وأن التاريخ قد أحبط الفكر العقلانى، بل إنه قتله عنما أحرق كتب ابن رشد؛ كما أكتشف أيضًا أن ظهور بذور التطرف والغلو والميول الأصولية فى مجتمعاتنا ناتج عن غياب العقل، حيث يميل الإنسان إلى التفكير العاطفى أو الوجدانى أو الخرافى، فيتجه إلى الماضى ويعتبره أفضل من الحاضر، ويؤسس للأصولية التى تأخذ المجتمعات إلى آفاق الضلال والفوضى.
ويحق لنا أن نحتفى مع مراد وهبة بالعقل، وأن نُثمن هذا الفكر الذى يهدف إلى بناء نهضة يكون العقل مركزها، ومجتمع يسيطر عليه التفكير الذى يبعده عن النزعات الأصولية والميول والاتجاهات الخرافية. لقد كان العقل محركًا للتاريخ الحديث منذ أن طرح ديكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) عبارته الشهيرة «أنا أفكر أنا إذن موجود». لقد جعلت هذه العبارة الإنسان القادر على الفكر هو مركز الكون، وجعلت من العقل إطارًا للتقدم ولهزيمة كل الأفكار التى تدفع الإنسان إلى الوراء. ولا شك أن هذه العبارة كانت نابعة من رؤية لتاريخ الحضارة. فالعقل هو الذى يقف خلف صناعة الحضارة؛ وهو الذى يُمكن الإنسان من أن يسيطر على الطبيعة وأن يسخرها لخدمة أهدافه الإنسانية.
وأحسب أننا فى أمس الحاجة لكى نعيد قراءة الفكر العقلى، بدءًا من الحضارات القديمة، ومرورًا بابن رشد، وانتهاءً بالحضارة الحديثة. ونحن بحاجة أيضًا إلى أن نستمد من مراد وهبة درسا يتمثل فى قدرته الفائقة على الدفاع عن فكرته والصمود عليها، والعمل على نشرها. فإذا كنا نؤمن معه بأن التفكير العقلى ضرورى لحياتنا المعاصرة، ولإنقاذ مجتمعاتنا مما يحاصرها من أفكار سلفية متطرفة، فإننا بحاجة إلى أن نتعلم هذا الدرس بأن نشدد على موقفنا العقلى، وأن ندافع عنه ما شاء لنا الدفاع.
وثمة بُعد آخر يجعل الدفاع عن الفكر العقلانى ضرورة ملحة فى حياتنا. إن مجتمعاتنا العربية مجتمعات شابة، وأن أجيالها الصغيرة كبيرة العدد يجب أن تحصل على أفضل أنواع التعليم، ويجب ألا تترك لغواية مخاطر الاستهلاك ووسائل التواصل الاجتماعى، ولا سبيل إلى تحقيق الحماية من هذه المخاطر إلا بدفعهم إلى القراءة وإلى التعرف الحقيقى على الأصل فى بناء الحضارة، الذى هو العقل وما ينتجه من فكر وعلم، وألا سبيل إلى بناء مستقبل مزدهر إلا بالتحيز إلى الفكر العقلانى، والسير فى نور العقل، والتخلص من ظلمات الجهل والتطرف والأصولية. وهذا هو الطريق الذى يدعو إليه فيلسوفنا الكبير
مدير مكتبة الإسكندرية

اقرأ ايضا

مراد وهبة.. (فيلسوف) الأجيال

د. أنور مغيثأراد المفكر الكبير الدكتور مراد وهبة أن يشتبك فى غماره مع كل القضايا …