د. سعيد توفيق
بقى مراد وهبة بيننا منارةً تُضىء ظُلمات الفكر فى عالمنا، سواء فى عالمنا الواسع الذى نُوجد فيه، أو عالمنا الخاص الذى نعايشه. هذا حدث مهم من دون شك. غير أن هذا الحدث المهم- كما أفهمه- ليس مجرد احتفاء أو لا ينبغى أن يكون كذلك؛ فالأهمية الحقيقية لهذا الاحتفاء تكمن فى التنبيه على فكر هذا المفكر التنويرى الحقيقى الذى ينبغى علينا إشاعة فكره بين الناس، خاصةً لدى أجيال الشباب.
أنا أنتمى إلى الجيل التالى على مراد وهبه فى مجال الفلسفة. وربما يحق لى أن أدلى بدلوى فى هذا الصدد باعتبارى من الشاهدين على فكره وشخصه، وإن لم أتتلمذ عليه فى الجامعة. ولقد عرفت مراد وهبه منذ أن اطلعت على بعض من كتاباته فى شبابى، وبمرور السنين تعرفت بشكل أعمق على فكر هذا الرجل وعلى شخصه النبيل. وفيما يتعلق بشخصه، أود أن أذكر هنا واقعة لم أصرح بها من قبل على الملأ: فحينما تقدمت للترقية إلى درجة أستاذ فى أواخر سنة ١٩٩٨، تعرضت لخدعة من جانب لجنة الترقيات التى أصابها العطن الذى أصاب سائر الجامعات وأساتذتها؛ إذ إن هذه اللجنة قد أرسلت إنتاجى العلمى إلى محكمين مختصين بتحكيم إنتاج صديقى العالم المرحوم مصطفى لبيب، وأرسلوا فى الوقت ذاته إنتاج مصطفى لبيب إلى المحكمين المختصين والمنصوص عليهم لتحكيم إنتاجى العلمى فى الفلسفة. تلك خطة شيطانية كان الهدف منها هو تعطيل ترقيتى، وتلك هى عقلية كثير من الأساتذة فى عصرنا الذين تحولوا إلى موظفين ينظرون إلى الأمور العلمية بمنطق الترقيات الوظيفية. يحدث هذا دومًا فى حياتنا، وذاك أمر لا يهمنى الآن، فما يهمنى هو موقف مراد وهبه فى هذا الشأن: فعندما تأخر إصدار قرار اللجنة لمدة نصف عام، اتصلت بأستاذنا مراد وهبه، وقلت له لقد تأخر ردكم كثيرًا، فلعل المانع خيرًا، فاندهش أستاذنا من سؤالى، وتساءل: هل أنت متأكد من أننى محكم لإنتاجك العلمى؟ قلت: نعم. قال: لقد أرسلوا لى إنتاج الدكتور مصطفى لبيب!! قلت: هذا خطأ متعمد. قال: تعالى إلى بيتى بحى شبرا ومعك الإنتاج، أنا أعرفك وقرأت بعض كتاباتك. ثم أردف: لا تبتئس، فلقد عانيت أنا شخصيًّا من هؤلاء! كتب أستاذنا تقريرًا منحنى فيه أعلى الدرجات التى تُمنح للأساتذة، وأرسله إلى اللجنة العلمية التى انكشفت حيلتها بذلك. لا يهم تفاصيل الحدث، وإنما يهمنى دلالته، وهى أننا إزاء مفكر حقيقى مستقل يتحلى بالعدالة، أعنى بالضمير والنزاهة؛ فلا عدالة من دون ضمير حى يتميز بالنزاهة ويُعلن عن موقفه هذا بشجاعة، وتلك هى خصيصة مراد وهبه فى فكره وشخصه. وحينما ترأست تحرير سلسلة الفلسفة التابعة لهيئة فصور الثقافة أسعدنى إصدار كتابين لأستاذنا الجليل، وهما: «أفول العقل» و«رؤيتى للقرن الحادى والعشرين». كما شاركته فى تحكيم ترقيات الأساتذة ومنح رسائل الدكتوراه.
وحينما ننتقل إلى تناول فكر مراد وهبه، فإننا ينبغى أن نعى دائمًا أن مراد وهبه ليس مجرد أستاذ للفلسفة عارف بأصولها ومباحثها، وعلى علم دقيق بالمصطلح الفلسفى (حتى إن المعجم الفلسفى قد عُرف به، ولا يزال المتخصصون يرجعون إليه)؛ وإنما هو أيضًا مفكر سياسى واجتماعى. كما أن اهتمامه بالسياسة لم يكن على مستوى التنظير وحسب، وإنما قد امتد فى المقام الأول إلى الاهتمام بتفسير الأحداث السياسية كما تجرى على أرض الواقع. والحقيقة أننا لا نجد فى هذا الصدد نظيرًا لمراد وهبه من بين أساتذة الفلسفة فى مصر.
السؤال الآن هو: ما مناط فكر مراد وهبه وروحه العامة؟
روح فكره فى كلمة واحدة هى «التنوير». والحقيقة أن هذه الكلمة قد أصبحت عندى مستهجنة؛ لأنها أصبحت متداولة فى نوع من الابتذال على ألسنة المفكرين والمثقفين فى واقعنا العربى من خلال ترديد مقولات أيديولوجية مرتبطة بعصر التنوير الأوروبى. ولكننا مع مراد وهبه نجد رؤى تنويرية تستوعب رؤى عصر الحداثة التنويرى وعصر ما بعد الحداثة معًا. كما أن رؤيته تنشغل فى المقام الأول بتطبيق مقولات الفكر المستنير على الواقع. ويمكننا إجمال مناط اهتمام هذا الفكر فى النقاط التالية:
العَلمانية: فالدعوة إلى العَلمانية هى السمة الغالبة على فكر مراد وهبه. وهو يفهم العلمانية كما يحق لها أن تُفهم: فالعَلمانية لا تعنى الإلحاد كما هو الحال فى أذهان العوام، ولا هى تعنى الفصل بين الدين والدولة. والحقيقة أننى لم أجد تعريفًا للعلمانية أفضل من تعريف مراد وهبه لها، وهو: «التفكير فى النسبى بما هو نسبى وليس بما هو مطلق». والحقيقة أن هذا التعريف المقتضب لمعنى العلمانية يستوعب سائر التعريفات المتباينة لها: فالعلمانية عنده تعنى أن الأمور النسبية المتغيرة فى عالمنا لا ينبغى التفكير فيها كما لو كانت أمورًا مطلقة؛ فالإنسان لم يعد مركزًا الكون، ولا مالكًا للحقيقة المطلقة. ومن ثم فإن تفكيره نسبى. المطلق هو الله، أما العالم ذاته فشؤونه نسبية متغيرة، أى تتعلق بما هو دنيوى، كما يوحى بذلك الأصل اللغوى لكلمة العلمانية ذاتها secularism المستمد من كلمة saeculum التى تعنى الجيل أو العصر، أى شؤون العالم المتغيرة من عصر إلى عصر ومن جيل إلى آخر. وهناك أنواع من العلمانية لا محل للخوض فيها فى هذا السياق. ولكن من المهم التأكيد على أن العلمانية لا تعنى الإلحاد ولا تعنى تهميش الدين أو الإيمان فى حياة الناس، وإنما تعنى التحرر من توقيف شؤون الدنيا على الإيمان بحقائق مطلقة بما فى ذلك الإيمان بوجود الله؛ لأن الإيمان نفسه يظل خيارًا من الخيارات الإنسانية. وهذا يعنى أنه يمكن للمرء الانخراط فى الشؤون السياسية وفى شؤون العلم والفكر والفن دون إقحام الله. وهذا يعنى فى النهاية أن العلمانية هى نسق ثقافى لا مجرد نسق سياسى تتبناه الدولة.
التحرر من الأصولية: تفشى الأصولية مرتبط عند مراد وهبه بغياب العلمانية والتفكير العقلانى. ذلك أن الأصولية تعنى الإيمان بحقيقة واحدة مطلقة باعتبارها الأصل الذى يُقاس عليه. أبرز وأخطر أشكال الأصولية هى الأصولية الدينية التى تأخذ بظاهر النصوص وترفض تأويلها أو إعمال العقل فيها. ويرى مراد وهبه أن الأصولية فى القرن العشرين هى التى أفضت إلى الإرهاب فى القرن الحادى والعشرين. ولقد بلغت هذه الأصولية حد التحريض على القتل باسم الدين، وإمام هذه الأصولية هو ابن تيمية الذى هو مرجعية السلفيين وجماعة الإخوان المسلمين ومن اتبع ملتهم. التحرر من الأصولية يمكن تحقيقه من خلال تأسيس ثقافة تنوير حقيقية، يساهم فى تشكيلها نظام تعليمى، ثقافة تعلم الناس مبادئ مثل: الديموقراطية والليبرالية والعلمانية فى مواجهة مفاهيم أخرى مثل: الشمولية والاستبداد والفاشية بكل صورها، التى أخطرها الفاشية الدينية.
هذا كلام قد يبدو حميلًا ومهمًا، لكن تحقيقه مرهون بالنوايا المخلصة لدى القائمين على شؤون الثقافة والتعليم، وليس لدينا سوى التنبيه والأمانى.
عن المصري اليوم
اقرأ ايضا
مراد وهبة.. (فيلسوف) الأجيال
د. أنور مغيثأراد المفكر الكبير الدكتور مراد وهبة أن يشتبك فى غماره مع كل القضايا …