د. حسين قاسم العزيز
المؤثرات الاساسية: يرى الناظر من خلال نظرته، الى المسيرة التطورية للحضارة العالمية وتراثهـا الفني، بمنظور علمي يعتمد التحليل وفق الموضوعة الجدلية، بأن الشعوب، لـدى ممارستها لعملية الانتاج بأنماط مختلفة محددة متمايزة، (ومختلطة عند الانتقال من نظام لآخر)، قد ساهمت في بناء صرح الحضارة العالمية بأشكال متفاوتة من التفاعل، بين أخذ وعطاء (بما فيها الاصالة) ورفض ومقاومة، عبر سلسلة من علاقات الاتصال والتعاون والتداخــل والسيطرة. لان الحضارة العالمية، وان بدت للبعض من وجهة نظر شمولية تعميمية، واحدة في المظهر، لكنهـا، في الجوهر، كل عضوي لحضارات متطورة تناقضيا فـي مراحل متباينة. وينسق التطور الجدلي الامتداد العمودي للحضارة عبر التمايز المرحلي، غير ان اختلاف أنمـاط الانتاج في المراحل المتمايزة وان كان هو الاساس المحدد لتفريق الحضارات وتنوعهـا الا ان هناك عوامل أخرى تلعب دورها ايضا. فالحضارات تتنوع حسب الشروط المادية للحياة، والظروف المحلية والتاريخية وتأثيرات تفاعلات البنى التحتية والفوقية، التي أدت الى تنوعات افقيـة للحضارة في مرحلة واحدة.
اما التقارب، وأحيانا التشابه، فينسقهما التقـاء حضارتين لدى تداخـل وتمازج عناصر نظامين متناقضين عند التعايش السلمي للأنظمة في العصر الراهن، كمـا في بداية المباراة بين النظامين الاشتراكي والرأسمالي. غير ان تفوق الانتاج الاشتراكي وائتمته بوتائـر اســرع من نقيضه الرأسمالي ستبعد الشقة، ولا شك، بيـن النظاميـن. أن الامتداد العمودي للتطور الحضاري تتوضح علاقته العضوية في عمليـة ديالكتيكية متصلة من امتداد جسور للأفكار والفنون والآداب الثورية عبر مسار تأريخي لتطور العلاقات الاجتماعية: فمثلا لا تحتوي النظرية الثورية والافكار التقدمية المعاصرة، التي هي استمرار وتطوير لتحاليل اساطيـن الفلسفة الماركسية ـ اللينينية العلمية، على الافكار والفنون والآداب الثورية التقدمية الراهنـة فحسب، وانما تمتلـك بشكـل ديالكتيكي متصـل خلفية غنية من التراث الثوري. اي ان هذه النظرية، قد ضمت في ذاتها، بشكـل منقوض، كل ما هو مجيـد وايجابـي من التـراث. ويجري القول، على هذا المنوال، على روابط المحافظة المحاضرة بجذورها التاريخية، وغيرها. فالحضارة العالمية، اذن، ليسـت واحـدة، لوحدة الانسان، كما يذهب غالي شكري بقوله: (الحضارة في جوهرها (انسانية) لها دورات جدليـة تعتمـد الاخذ والعطـاء) (1). وقد تصدت يمنى العيـد لهذا الرأي ووضحت: (ان الماركسية لا تحـدد الانسان كجوهر، بل كمجموعـة معقدة من علاقات اجتماعية هي في اساسها علاقات انتاج. وبالتالي فالحضارة ليست وليدة – جوهر انساني بل وليدة نمط محدد من الانتاج له خصائصه التاريخية المميزة (2) ويمكن الاتفاق مع الباحثـة الفاضلة فـي هـذا الراي بصــــــورة اجمالية الا ان الحضـارة ليست محددة تماما على الصورة التي أوردتها حينمـا اعتبرت الحضارة: (وليدة نمط محدد من الانتاج له خصائصـه التاريخية المميزة. والاختلاف في الحضارات ناتج عن الاختلاف في انماط الانتاج التي تولدت فيها هـذه الحضارات ومن اشكال وجودها في مجتمعات معينة. فقد يكون نمط الانتاج الذي تنتمي اليـه هـذه المجتمعات واحدا، كنمط الانتاج الرأسمالي او العبودي، الا انه يوجـد بأشكـال تاريخية تختلف باختلاف التكوينات الاجتماعية الاقتصادية التي يسيطر فيهـا) (3). لان مع النظم الاجتماعيـة وشــروطها المادية الاساسية (البنى التحتية) تلعب العوامل الأخرى: من عقائد وافكار وشرائـع ونظـم سياسيـة (البني الفوقية)، التي هـي في الاصـل انعكاس للشروط المادية، تلعـب هـي الأخرى دورها في الحيـاة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وفي التركيب الحضاري. ان تطـور المجتمـع هو تأثيـر متبادل بيـن الاقتصاد وبين السياسة والايديولوجيـا، وجميع جوانب الحياة الاجتماعيـة. ومن الخرق انكار دورها. ولكن يجب ان نرى في هـذا التأثير المتبادل، الاساس الاقتصادي الذي يتخلله بوضوح والذي يسمح بفهـم المنطق القانوني للتطور الاجتماعـي(4).
وكان بليخانوف الذي يسعى هنا الى توضيح ما لدي ماديّي القرن الثامن عشر الفرنسيين من افكار خاطئة في اعتبارهم البيئة وليس المجتمع ذات تأثير وحاسم في الانسان ـ بأرائه ومشاعره – كان مصيبا في توجيـه العنايـة لدراسة قوانين التطور الاجتماعي دراسة تاريخ تطور العلاقات الاجتماعيـة لتفهم مجمل التقـدم الإنساني. لقد ذكر بليخانوف: (إذا كانت أفكار انسان ما تتحدد بيبئته، فان أفكار الإنسانية في تطورها التاريخي تتحدد البيئة الاجتماعيـة، بتاريخ العلاقات الاجتماعية) (5). لقد مرت الحضارة العالميـة، التي وصلتنا بشكلها الحاضر، عبر مسيرتها التاريخية الطويلة، بتطورات عديدة، من جـراء التغيرات الاقتصادية والاجتماعيـة، التي حلت بالشعوب عبر الانظمة الاجتماعيـة في مراحلها المختلفة. وهذا ما عبرت عنـه صواب يمنـى فـي مقالها المذكور آنفـا حيـث اشارت الـى: (الى ان (الحضارة) (الانسانية) ليست كما يقـول غالي شكري واحدة في جوهرها الواحد الذي هو (الانسان)، بـل أن لكـل نمط من الانتـاج الذي تمـر بـه المجتمعات البشرية حضارته الخاصة. والانتقال من حضارة الى حضارة، من الحضارة العربيـة الاسلاميـة مثلا الى الحضارة الى، الحضارة الاوربيـة، ليس، كما يظـن، انتقالا من مكان جغرافي الى مكـان جغرافي آخـر لهـذا الجوهر الانساني الواحد الذي هـو مصدر الحضارات، وليس ايضا، انتقالا للحضارة (الانسانيـة) مـن مرحلتها الاسلامية الى مرحلتها الاوربيـة، ثم الى مرحلتها العربيـة، ثم الافريقية ثم الأسترالية الخ.. انه على العكس انتقال هـذه المجتمعات، في شروط تاريخية محددة، من نمط انتاج الى نمط انتاج اخر عبر ثورات هي عمليات تاريخية معقدة مـن الصراع الطبقي) (6). لكـن النظرة البرجوازية الخاطئة تصور التطور الذي يحصل في الحضارات بشكـل اضافات آلية وتعزو التغيير الى عوامل داخلية.
يقول هنري فرانكفورت (ما هو ذلك الشيء الذي يكون ذاتية الحضارة وطابعها المميز وماهيتها التي تستمر خلال مراحل وجودها المتتالية؟ وماهي، من ناحية ثانية، التطورات التي تميـز مرحلة من الأخرى؟ اننا بالطبع لا نبحث عن معادلة او عن قاعدة عامـة اذ ان طابع الحضارة ابعد من ان يليـن لمعادلة او تخضع لقاعدة. فن نتعرف اليها في وجود تماسك او ترابط معين بيـن مظاهرها المختلفة وفي انسجام اكيـد في اتجاهها، وفي (أسلوب) ثقافي معيـن يعطى مؤسساتها السياسية والقضائيـة شكلا خاصا، وفي فنها وادبها ايضا، وفي دينها وقوانينهـا الخلقية. وانا اقترح ان ندعو هذه الماهية المبهمة في الحضارة (شكلها). ان هـذا (الشكل) هـو الذي لا يمحى ابدا مع انـه يتغيـر بمرور الزمن. وإذا تغير فان ذلـك نتيجة عوامل داخليـة – كالتطور – تسمية مجموعة هذه التطورات بديناميكية الحضارة. ان تفاعـل الشكـل والديناميكيـة يكون تاريخ الحضارة ويثير سؤالا – وهو سؤال يقع خارج بحثنـا الحالي ـ عن مدى إثر (شكـل) الحضارة في تحديد مصيرها (٧). وهكذا بعد ان نسف فرانكفورت قوانيــن التطـور الطبيعي للمجتمعات وقع في حلقة مفرغـة ودوامة مبهمة من المتاهات التي اوصلته الى استنتاجات خاطئة.
مستلزمات التفاعل الحضاري:
ان تفاعل الامم والشعوب مع الحضارة، السلبي والايجـابي، يتوقف على عوامل موضوعيـة وذاتية معقدة من اجتماعية واقتصادية، تتأثر، ولا سيمـا لدى الشعوب المتأخرة، قديما، بالظــروف الجغرافية (8): من تضاريسية وجيولوجية ومناخيـة وموقعية (سوقية)، وبالنشاط الاقتصادي، وبالاتصال البشري، عن طريق الهجرات والحروب والتجارة. وعليه فان النظرة الصائبـة الـى مساهمات الشعوب ومن ثم تقييم دورها في الحضارة يجـب أن تنطلـق ، من دون ريب ، من دراسـة هـذه الشروط مجتمعة ، لكي يتم استخلاص احكام دقيقة وبعيدة عن التعصـب الشوفيني وعن التعالي والازدراء بحـق الشعوب ، ولاسيما المحرومة مـن توفر الشروط الموضوعية للتفاعـل الحضاري ، لئلا يحصـل تسرع في وصف تلك الشعوب المحرومة بالتخلف والعجز والقصـور الابدي واعتبار ذلك نتيجة لأسباب ذاتيـة محضة يرجعونها الى تركيب الشعوب المحرومة الجسماني لعامل الوراثة والاختلاف البيئـي كما دأب على ذلك اغلب المنظرين البرجوازيين في تحليلاتهم وتقييماتهم . بيد ان النظرة العلمية الدقيقة لا تبخس حـق الشعوب ولا تزدري بالضعيف منها وذلك لأنها تنظر الى التراث الانساني على أنه نتــاج ـكما اسلفنا ـبدرجات متفاوتة وبأشكال مساهمـات منوعة للشعوب مختلفـة حسب امكانياتها المادية المرتبطة بنمط انتاجها وبظروف كل منها في النظـام الاجتماعـي المتواجدة فيـه ومن جراء تأثيرات تفاعلات الحياة الاقتصادية بمختلف أشكال العلاقات الفوقية ، اخلاقية ودينية وفلسفية وقانونية وسياسية وفنيـة (9) .ويلاحظ ف. كونستانتينوف ، في معرض انتقاده لمبسطي الماركسية ،من انصار المادية الاقتصادية ، بأن هؤلاء : كانوا لا يحسبون حسـاب التفاعلات المتبادلة بين مختلف اشكال الادراك الاجتماعي وتأثير الدولة وسياستها على جميع أشكال هـذا الادراك . وكانوا، في محاولتهم استنتاج العقليـة استنتاجا مباشرا من مستوى القوى المنتجة غير قادرين على تفسيـر حـوادث مثل ازدهار الفن اليوناني القديم وفن عصر النهضـة والادب والفـن الروسيين في الأول من القرن التاسع عشر فان مجتمـع عهـد الرق في اليونان القديمة، مثلا، كـان، من حيث مستوى تطـور القوى المنتجة أدنى بكثير من المجتمع الاقطاعي، ومع ذلك فقد كان تطور الفن في اليونان القديمـة أرقى بكثير من تطـور الفنـون في المجتمع الاقطاعي في القرون الوسطى (10).
ماهية المساهمـة:
لكي نلم بمستلزمات المساهمة الحضارية بصورة أوضح، يتوجب علينـا ان نتعرف على اصناف مساهمات الشعوب المتقدمـة وضعيفة التطـور على حد سواء. وسنعتمد في تحقيـق ذلك من خـلال تفهمنا للواقع الاجتماعـي المتواجدة فيه هذه الشعوب ولشـروط الحيـاة المادية المتحكمـة في ذلك الواقع. فأننا نجـد ان الشعوب التي عانت من تدهور اقتصادها وتفكك مجتمعاتها أو التي افتقرت الى عوامل تطـور اقتصادها وتعقد مجتمعاتها قد تقلصت امامهـا فرص المساهمة النشيطة في العملية الحضارية. هذا في حين الشعوب المتقدمة بلغت أعلى درجات التطور الحضاري اليوم بفضل العلاقات الانتاجية المتطـورة. ولا شـك ان تطـور الشعوب الحضاري يقترن بالإمكانيات المادية والاستعدادات وبدرجـة الوعـي، التـي تهيؤها الظروف الموضوعية والذاتية وتفاعلهمـا لخلـق شروط ظهـور نمط معيـن مـن الإنتاج. ولا ريب في ان العوامل التي أثرت في عدم تكافؤ الفرص امام الشعوب في مساهمتها وتأثيرها في الحضارة العالمية، هـي العوامل التي تؤثر فـي مقدار تأثـر الشعوب بالحضارات العالمية وبالتالي في درجـة رقيها. فقد تقدمت شعوب نحو الصفوف الأولى في درجات السلم الحضاري ، بينما تلكأت سواها وظلت تتعثر في خطوها او تراوح مكانها ، من جراء عوامل موضوعيـة وذاتيـة ، في مقدمتها ضعـف انتاجها الاقتصادي ، الذي يؤخر تقـدم مجتمعاتها ويضعف كياناتها السياسية ( بناؤها الفوقـي ) ، ومنها تحكـم الظروف الجغرافية – خاصة لدى الشعوب المتخلفـة(11), كما اسلفنا – في الانتـاج وفي الاتصالات البشرية ، العزلة -كالصحاري مثلا – وانعدام مكانية توفر ظروف تحسين شروط الانتاج ، نتيجـة الحـروب المدمرة والاوبئـة التـي تجلـب الكوارث ، فتفرق القوى المنتجـة وتطيـح بالحكومات المحليـة وتشـل النشاط الاقتصادي وتخـرب المنشآت الاروائيـة ، ذات الاثر الفعال في ادامة خصوبة تربة الاراضي الزراعيـة ، المعتمـدة فـي زراعتها كليـا على السقـي .
مدى تأثر المراكز الحضارية المتقدمة بالعلاقات الاجتماعيـة المتطـورة:
ليس بعسير، على متتبـع المسيرة التطورية للحضارة العالميـة، ولدى ملاحظته للمساهمات المتنوعـة لشعوب بقـاع العالم، ان يلاحظ العلاقـة العضوية بيـن تقـدم المراكز الحضارية وتطـور العلاقـات الاجتماعيـة. حيث كانت شمس الحضارة المتقدمة تنتقل من مكان الى اخـر ، ( نتيجة انتقال مجتمعات هذه الامكنة ، في شروط تاريخية نمط انتاج الى نمط انتاج آخر ، عبر ثورات هي عمليا محددة من تاريخية معقدة من الصراع الطبقي ) ، وبتأثيرات تفاعلات الابنية الفوقية والتحتية ، ونتيجة الكوارث المدمرة للنشاط الاقتصادي ، فشمس الحضارة المتقدمـة تبزغ في امكنة ثم تسطع بناء على ازدهار اقتصاديان تلك الاماكن ، حيث يساعد الاقتصاد المزدهر على تقـدم المجتمع وتقوية كيانه السياسي عندما تتلاءم العلاقات الانتاجية مـع أسلوب تطـور وسائل الانتاج . وحالما يضعف اقتصاد بعض الامكنة مـن جراء تعقـد التناقضات الاساسية التي تؤدي الى حدوث الازمات وبسبب الحروب المدمرة الفتاكة، تتفكك مجتمعاتها وتتخلخل وتنهد كياناتهـا السياسية وتنهار مما يسهل على الاجنبي الاطاحـة بها، وعند ذلك تأخذ شمس الحضارة المتقدمة بالأفول وتنتقل المراكز الحضارية منها الى اماكـن أخرى، الى التي اقتصادها آخذ بالنمـو والازدهـار فهـي اكثـر متانة وقوة ومجتمعاتها تغدو أكثر استعدادا للتفاعـل الحضاري. ولهذا نجد ان أودية الانهار الصالحة للزراعـة، التي كانت تتوفر فيهـا (قديما) الظروف الملائمة لنمو اقتصاد منتج قوي، بفضـل تجمع القوى المنتجة في رقعة معينة بدلا مـن الانتشار والتنقل والارتحال في بقاع شاسعة، كانت تساعد – اودية الانهـار هـذه – أكثر مـن غيرهـا، في ذلك الزمان، على ظهور مجتمعات متقدمة، لان الزراعـة كانت أكثر الحرف تطورا والعلاقات الاجتماعية فيهـا أكثر تعقدا أو تقدما مــن الصيد والرعي، مما تهيئ شروطا أفضـل للانتقال الـي نظام متطور. فقامت الحضارة في وادي الرافدين، النيل، السـند، أودية انهـار جنوبي شرقي آسيا وفي الصين، وفي غيرهـا مبكرة حيث توفرت فيها شروط أفضـل لقيام الزراعـة. وقد اتخذ التركيب الفوقي السياسي لأسلوب الانتاج القائم على ملكية الدولة للأراضي شكل (الاستبداد الشرقي) حيث كانت وظيفتـه الاجتماعية الادارة المركزية للمشاريع الجماعية المرتبطة بالري الاصطناعي، (13) ثم حدثـت ازمات نتيجة تعقد العلاقات وتفككت المجتمعات وضعـفت الكيانـات السياسية وأطاحت بها حروب مدمرة قضت على ما فيها مـن حضارة. وكان ماركس قد اوضـح، ببراعـة، السبـب الجوهري للدمـار الحضاري لتلك المجتمعات بقوله: – يفسر تخصيب التربة الاصطناعي، الذي ينتفي بانحطاط نظام الري مباشرة الحقيقة التي تبقى مستغربة من دون ذلك، وهي ان مساحات برمتهـا كانـت يوما تزرع زراعـة رائعة استحالت الى اراض قاحلة جرداء الان (تدمر، البطراء، وأطلال اليمن، ومناطق في مصر، وإيران وهندستان): وهـي تفسـر حقيقة ان حربا مدمرة واحدة يمكن ان تخلي البلاد من سكانها لقرون وتجردهـا مـن حضارتهـا كلهـا) (14). ولهـذا تمكـن العالـم الاقتصادي البولندي اوسكار لأنكه ان يستنتج، بالاعتماد عـلى هـذه المقولة، وعلى دراسات اخرى لماركس ولرفيقه انكلز عن أهمية المشاريع الاروائية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومـن ثـم الحضارية لبلدان الشرق، ان يستنتج بانه قد نتج عـن سـقوط الملكيـات الشرقيـة خراب انظمـة الـري وهبوط الانتاج، وانحطـاط الحضارات المتطورة تطورا عاليا والقائمة على هذا الاسلوب مـن الانتاج (15). وكـان مـن جراء تدهور وانحطاط الحضـارات الشرقية في النظام العبودي ان انتقلت مراكز الحضارة المتطورة الـى أوربا ، الـى اليونان والرومـان ( الحضارتين العبوديتين الاغريقية والرومانية ) ، لتعود منهـا لتتمركز في الشرق ، في الوقت الذي اخذت عناصر النظام العبودي فيـه بالضعف والوهن لتسمح لعلاقات الانتـاج الاقطاعية بالبروز ، فأخذت المراكز الحضارية تتمركز ثانية في الشرق بعد ان تمازجت وتصادمت عناصر الحضارتين الغربية بالشرقيـة بان ذات الجذور القديمة في الشرق الادنى ، في العراق وسوريا وفلسطين وآسيا الصغرى وايران ومصر ، في عهـد الساسانيين والبيزنطيين – الحضارة الهيلينية . بينما في اوربا الغربية رافـق سقوط الامبراطورية الرومانية وظهور الاقطاعيـة تحطيم تام للقوى المنتجـة وتدهور كامل في التجارة واقفرت المدن وتدهورت الثقافة (16).
الهوامش
1.التراث والثورة، ط 1، بيروت، 1973، ص 19 – 2* .
2.التراث، الاصالة، المعاصرة بيـن التعريف ونقضـه في ضـوء المنهجيـة العلميـة، مجلة الطريق، لسنة 1973، 9/79.
3.مجلة الطريق، 79/9. علما بانـه لا توجد حدود فاصلـة تجريدية بيـن الانظمـة المختلفة لوجود مراحل انتقاليـة تعايشية بين الانظمـة.
4.الناس والعلم والمجتمع، لمجموعة من العلماء السوفيـيت (بالعربية)، دار التقدم موسكو، ص 66-
5.تطور النظـرة الواحدية الى التاريخ، ترجمة محمـد مستجير مصطفى، القاهرة، 1969، ص 12 – 3 *
6.مجلة الطريق، 8*/9.
7.فجر الحضارة في الشرق الادنى، ترجمة ميخائيـل خـوري منشورات مؤسسة فرانكليـن ودار مكتبة الحيـاة)، ط٢، بيروت ـ نيويورك، 1965، ص ١٤ – ٥.
8.انظر، بليخانوف، القضايا الاساسيـة فـي الماركسية، ترجمة حنا عبـود: دمشـق، 1973، ص ٤١ – ٥١.
9.يذكر ف. كونستانتينوف: (ان تحليـل ولادة الوعي الاجتماعي وتطوره، ودراسـة علاقاتـه بالنظام الاقتصـادي للمجتمـع يتطلبان حسبان الحساب ايضا للتفاعـل المتبادل بيـن مختلف اشكال العقليـة: بيـن الاخلاق والدين، والاخلاق والقانون، والاخلاق والفن، والفن والفلسفة، الخ فهكذا مثلا أثــر الدين والفلسفة في تطور الاخلاق، واثـر الدين في الفـن تطور الفلسفة المثاليـة واثـر الفلسفة والدين في الفن . ومن الضروري على الخصوص حسبان الحساب للتأثير الشديد الذي مارسته المفاهيم السياسية والحقوقية والأوضاع المطابقة لها في الفلسفة والعلم والفـن والاخلاق والدين. اننا لا نستطيع ان نفهم فهما صحيحا الحركة المعقدة لتطور الوعي الاجتماعـي وتطور الحيـاة الفكرية لدى كل طبقة ولـدى المجتمع كله، مالم نحسب حساب كل هذه التأثيـرات والتفاعلات). دور الافكار التقدمية في تطوير المجتمـع (بالعربية)
، دمشـق، ط 2، 1971، ص43.
1- ن. م.، ص٤٤. ويضيـف كونستانتينوف: (ولقد اثبـت ماركس وانكلز في البيان الشيوعي ان الرأسمالية قد قفزت بتطور القوى المنتجـة قفزة رائعـة ومع ذلك يلاحظ ماركس (ان الانتاج الرأسمالي يعادي بعض فروع الانتاج الفكري مثل الفـن والشعر، ص٤٤.
11- انظر، فردريك انكلز، اصـل العائلـة والملكية الخاصة والدولة (بالعربيـة)، دار التقدم موسكو، ص127، انظر ايضـا بليخانوف، القضايا الاساسيـة، ص ٥٠ -1.
12- يمنى العيد، مجلة الطريق , 9/ 80.
13- أوسكار لأنه، الاقتصاد السياسي، ترجمة محمد سلمان حسن، بيروت، ١٩٦٧، ص88.
- ك ارل ماركس، السيطرة البريطانية في الهند، المؤلفات ط 2، 9/132 انظر أيضا: كارل ماركس، المؤلفات المختـارة (بالروسية)، موسكو، ١٩٣٤، 2/509 , انظر لانكه، وينسب القول الى انكلز في رسالته الى ماركس، الاقتصاد السياسـي، ص 384.
5ا. الاقتصاد السياسي، ص88 ويقصد اسلوب الانتاج القائم على ملكيـة الدولة للأرض.
الثقافة الجديدة العدد 60 نيسان 1974م.