كمال القاضي
يُعد داود عبد السيد أشهر مخرجي الواقعية الجديدة في السينما المصرية، وهو التيار الذي مثلته نُخبة من المخرجين البارزين، الذين تمردوا على السينما التقليدية فآثروا أن يبتكروا شكلاً جديداً ولغة مُختلفة تُعبر عن هموم البسطاء، من دون مُباشرة وبلا ثرثرة، وجعلوا من الصورة بطلاً حقيقياً في كل أفلامهم، فالصورة هي الأغنى بمكوناتها ودلالاتها ومعانيها.
بموجب هذه القناعة اتفق داود مع المُخرجين محمد خان وخيري بشارة وآخرين، فتأسست المدرسة السينمائية الجديدة، على بساطة اللغة وعُمق الفكرة، وربما لهذا السبب لُقب داود عبد السيد بفيلسوف السينما المصرية، حيث انحاز انحيازاً كاملاً لقضايا البسطاء ولغتهم الخاصة، وصار مهموماً بهم إلى حد الاستغراق الكامل في تفاصيل حياتهم.
كانت البداية في مشوار المخرج الراحل من السينما التسجيلية، حيث أبدع أول أفلامه «وصية رجل حكيم في شؤون القرية والتعليم»، مُعبراً عن خطورة الأمية الفادحة وتأثيرها الهدام على المجتمع، كونها بذرة الجهل والرجعية والحاجز المنيع الذي يحول دون التقدم وتحقيق النهضة، مثل الفيلم حينئذ صرخة مدوية في وجه الفقر، الذي يؤدي لاستشراء الجهل والخوف فيعوق مسيرة الرُقي والتحضر، لاسيما في المجتمع الريفي الذي كان محروماً من أبجديات الحياة الاجتماعية السليمة، وأولها العلم.
من تلك المحطة انتقل عبد السيد إلى ميدان العمل بالسينما الروائية الطويلة، كمساعد مخرج ليوسف شاهين في فيلم «الأرض»، ثم مساعداً أول لكمال الشيخ في واحد من أفلامه المهمة «الرجل الذي فقد ظله»، ليبدأ رحلته بعد ذلك كمخرج مستقل له أفكاره الإبداعية الخاصة، فتتجلى أولى رؤاه في تجربته الأولى «الصعاليك» عام 1985 مع نور الشريف ومحمود عبد العزيز، فيتأكد انتماؤه لطبقة الهامشيين أو المهمشين على وجه الدقة، ثم سرعان ما يرتقي بأدواته الفنية ليذهب إلى مدار آخر مُختلف تتلاقى فيه النزعة الفلسفية والرؤية الخيالية مع القناعة الإنسانية الغالبة عليه، بأن الإنسان هو الكائن الأكثر حيرة وتشتتاً، في دنيا يغيب عنها معيار العدالة، فيمضي في طريق البحث عن اللاشيء كأنه فاقد للذاكرة أو مجنون أو قادم من عالم آخر.
وحين لا تُصادف التجربة الفلسفية نجاحاً جماهيرياً يُذكر يعود المخرج أدراجه ليُقدم حالة واقعية بامتياز، مأخوذة عن رواية «مالك الحزين» للكاتب إبراهيم أصلان، فيضع لها عنواناً ملائماً للأحداث لتُصبح «الكيت كات»، وهو الفيلم الأشهر لداود عبد السيد ككاتب سيناريو ومخرج. ينجح الفيلم نجاحاً مدوياً ويصيُر علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية، فيُحدث تحولاً جذرياً في مسار التجربة الواقعية بمواصفاتها الجديدة لدى الرواد الثلاثة، داود وخان وبشارة وتتلاشي الفكرة النمطية المُتصلة بالبكائيات الأولى في الأفلام التراجيدية المعروفة. وعبر الرؤى المُركبة في «أرض الأحلام» و»أرض الخوف» و»مواطن ومُخبر وحرامي» و»رسائل البحر»، التي تستدعي وعياً خاصاً في تلقيها وفهمها والتعامل معها، باعتبارها نوعا من التجريب أو الطرح الفلسفي القائم على الذهنية، بالتقاطع النسبي مع الحالات الواقعية المتوارية خلف الأحداث والشخصيات. تتجدد نزعات داود عبد السيد ورغبته القوية في الاشتباك مع الأفكار، فنرى مستويات أخرى لإبداع مواز تتحدد فيه المفاهيم وفق مُعطيات الجدل الصحي للبحث عن حلول لمُشكلات الثقافة والفكر ومُحاولات تغييب الوعي، والممارسات السُلطوية في كل مرحلة، كما في فيلم «أرض الخوف» بدوائره الدرامية المُعقدة ما بين التأمل الكوني في أصل الحياة والتيه في عوالم مادية غائرة وعميقة.
ظل المخرج الراحل مشغولاً طوال مشواره الفني والإبداعي المهم بثنائية الفكر والمادة، مُحاولاً الإمساك بالخيط الرفيع الواصل بينهما، ففي فيلم «أرض الأحلام» الذي قام ببطولته كل من فاتن حمامة ويحيى الفخراني، أخذ عبد السيد يبحث عن المعنى الأصلي للحياة ويفتش عن سر السعادة والاستقرار.. هل هو السفر والهجرة؟ أم أنه الاكتفاء بالحُلم كدافع يُبقي الإنسان حياً ويُشعره بوجوده وأهميته، ومن دون إجابة شافية ينتهي الفيلم بنهاية مفتوحة شبه واقعية مفادها أن الفيصل هو الاختيار.. اختيار الإنسان ذاته وبمحض إرادته لما يُناسبه. وكذا في فيلمه «رسائل البحر» لم يقطع بشيء ما كحقيقة مُسلم بها في ما يخص الأسلوب الأمثل في الحياة وإنما ترك السؤال مطروحاً بكل الصيغ.. ماذا؟ وكيف؟ ومتى؟
إنه العُمق الفلسفي في الصور الدرامية الخاصة عند المخرج والكاتب داود عبد السيد، الذي حاول النُقاد الاقتراب منه للتعرف على المزيد من مضامين أفلامه، التي انحاز فيها بشكل حقيقي لمجتمع الفقراء والعشوائيات. ولعل فيلم «سارق الفرح» الذي قدمه في عام 1994 كان وثيقة أكدت صدق إحساس الرجل تجاه من رآهم في حاجه للدعم والسند والمؤازرة. نعم كان داود عبد السيد حقاً مُخرجاً مُتعاطفاً بضميره وإنسانيته مع أولئك الذين يوصفون بأنهم ملح الأرض.
عن القدس العربي
اقرأ ايضا
بديع خيري.. الريحاني اكتشف حقيقة ديانته في عزاء.. ونجله فنان كوميدي شهير
مصطفى طاهرولد بديع عمر خيري في 17 أغسطس 1893م، بحي المغربلين في وسط القاهرة، وبدأ …