عبد الرزاق حرز الدين
في سنة 1330 هـ ) 1912 ) في العهد العثماني بالعراق ألّفت شركة تجارية في النجف الأشرف محاولة شراء آله بخارية رافعة من شركة ألمانية في برلين توضع على فرات الكوفة لتدفع الماء إلى النجف، و استحضر لذلك أنابيب ضخمة الحجم، و وصل إلى الكوفة أكثر الأنابيب و طرحت جنبي محجّة الحديد بين الكوفة و النجف، و الباقي بقي في البصرة مع مكائنها و لوازمها. ثمّ جاءت الحرب العالمية الأولى فاهمل هذا المشروع، و عادت النجف إلى حالتها السابقة تكابد الظمأ و لواقح الهجير في الصيف.
و في أيام الثورة العراقية تلفت جملة من هذه الأنابيب و بقي الكثير منها مكدّسا في الطريق الواصل بين الكوفة و النجف.
و يروى أنّ محاولة إيجاد آلة ضخ الماء و تأليف الشركة النجفيّة كانت بإدارة الخازن السيّد جواد الرفيعي كليدار الروضة الحيدريّة، و يعزى سبب إهماله إلى اندلاع الحرب العالميّة الأولى و موت مؤسّسها الكليدار السيّد جواد بن السيّد رضا. و بقيت الأنابيب الضخمة مطروحة بين الكوفة و النجف جنبي محجّة الحديد (الترامواي) سنين عديدة و قد نسفت عليها الرمال، و بعد استقلال العراق و تحرّره من الإحتلال استولت على هذه الأنابيب الحكومة العراقية و استعملتها في عهد إحدى وزارت نوري السعيد في العهد الملكي. و أسّس ماء النجف من قبل الحكومة العراقية. [1]
و تأسيس ماء النجف هذا من قبل الحكومة العراقية متأخّر عن ثلاث محاولات، كانت الثالثة منهنّ ناجحة، و إلى القارئ الكريم بيانها برقم 23، 24، 25.
بعد احتلال الإنگليز للعراق سنة 1333 هـ-1914 م نصبت السلطة الحاكمة ماكنة رافعة على نهر الفرات في قضاء”أبو صخير»لتدفعه إلى النجف عبر الجدول الثاني المعروف بنهر الحميديّة في موضع يعرف بالبركة أسفل مدينة النجف جنوبا في فسح بحر النجف، و ينقل السقّاؤن الماء العذب من البركة بالروايا على دوابهم لبيعه لسكّان مدينة النجف الأشرف، و استمرّ الحال على ذلك خمسة عشر عاما حتى سنة 1347 هـ فشرب أهالي النجف من ماء مضخّة الحاج معين التجّار، كما سيأتي تحت رقم 24.
و آخر من بذل جهدا لإرواء ساكني مدينة النجف الأشرف بالماء العذب من الفرات بمحاولة إعادة إحياء مشروع”كري سعد”في زمن الملك فيصل الأول، هو
الحاج محمد علي الشوشتري الملقّب برئيس تجّار عربستان، و هو والد الحاج مشير نزيل دمشق الشام، حيث تبرّع لهذا المشروع في سنة 1342 هـ-1923 م بمبلغ 300 ألف روبية، على أن تصرف في حفر جدول من محلّ يعرف بالمزيديّات متّصل بجدول بني حسن، و ينتهي مصبّه إلى بحيرة النجف القديمة غربي المدينة.
و تقرّر رسميّا مع الحكومة العراقية بأنّ ما يحدث على ضفة النهر من زروع و بساتين يصرف ريعه-بعد أخذ العشر منه للدولة-على إصلاح الجدول و على مستشفيات و مدارس النجف، و إن زاد ففي كربلاء. و أعطيت الرخصة بذلك من الدولة العراقية بتوقيع الملك فيصل الأوّل في غرّة رمضان سنة 1342 هـ و عند أوّل يوم من الشروع في هذا العمل الخيري حضر الملك فيصل و أخذ المسحاة بيده و حفر شيئا من الأرض و حفر معه الحاج رئيس تجّار عربستان و جماعة من وجهاء النجف كالسيّد محمد علي آل بحر العلوم، و السيد مهدي آل السيّد سلمان، و الحاج محسن شلاش، و الحاج عبد الرزّاق شمسة رئيس بلدية النجف، و علوان الحاج سعدون رئيس قبيلة بني حسن، و غيرهم. و استمر عمل الحفريات بنشاط على أحسن ما يرام مدّة. إلاّ أنّ هذه المحاولة لم تتم حيث أنّ الحاج رئيس سحب ذلك المال الذي تعهّد به، و كان قد وضعه في البنك، لأمور يظن أنّ أهمّها معارضة كثيرين له في ذلك و طلبهم إليه العدول عنه لأنّه يضر بأهل النجف بزعمهم و لا ينفعهم.
قال الحجّة السيّد محسن الأمين: و قد أطلعني الحاج رئيس التجّار و هو في دمشق على نحو من أربعين صحيفة جاءته في دفعتين من أناس يلومونه و يقولون له: أنت بعملك هذا تعمل شرّا لا خيرا، و ذلك لأنّه بلغهم أنّ الدولة تريد أن تكلّفهم بتكاليف لهذا الأمر و اللّه أعلم. [1]
و لمّا سحب الحاج رئيس ما رصده لهذا المشروع الخيري، كانت مصروفات
الحفريّات الأولى البالغة 35 ألف روبية من مخصّصات الملك فيصل الأول، و بعد فشل هذه المحاولة آل الأمر إلى الإلتجاء إلى نقل الماء من فرات الكوفة بطريقة الضخّ و هي الطريقة المتّبعة اليوم في تجهيز مدينة النجف بالماء.
25-ضخّ ماء الفرات من الكوفة إلى النجف
و بعد أن قاست النجف أنواع المحن من قلّة الماء العذب خلال قرون متمادية، جاء العلم فحلّ تلك المعضلة بايجاد المضخّات فغدت النجف تشرب ماء هنيئا فراتا.
ففي أوائل عام 1346 هـ-1927 م تقدّم المحسن الموفّق الحاج معين التجّار محمد البوشهري بطلبه إجازة امتياز من الحكومة العراقية لشراء مضخّة تنصب على الفرات في شريعة الكوفة تدفع الماء بأنابيب إلى النجف الأشرف، فأجازته سريعا و نصبت المضخّة على متن الفرات بمحلّة السراي من جسر الكوفة، و أخذ المهندسون و العمّال يجدّون في مدّ الأنابيب الرئيسية بين الكوفة و النجف.
و في اليوم 22 من جمادى الثانية سنة 1347 هـ-1928 م نودي في النجف أن سيقام احتفال بوصول ماء الفرات خلف سور المدينة الشرقي منها لتجربة ضخّ الأنابيب، و قد حضر هذا الإحتفال أعيان و وجوه النجف و موظفوها، و كان بإشراف المتولي لهذا المجهود الخيري الحاج ميرزا أحمد بن ملاّ زكي، ابن اخت رجل الخير و الإحسان الباذل لمعظم نفقات المشروع الحاج معين التجّار و شريكه في الأجر و الثواب عمدة التجّار الحاج محمد علي رئيس التجّار في عربستان.
و كنت ممّن خرج مع الجمهور لأرى المهرجان و الفرحة الكبرى للنجفيين بجميع طبقاتهم، و كان أهل النجف بعوائلهم و شيوخهم و شبابهم ينظرون إلى تدفّق ماء الفرات العذب بقوّة و غزارة من الأنبوب الضخم على رمال صحراء النجف حتى صارت منه بحيرة صغيرة، و قد أخذ الشباب يعومون فيها من فرحتهم. هذا كلّه و الأهازيج تدوّي و تعلو مسامع المحتفلين.
و ممّن أرّخ وصول الماء إلى النجف الشاعر الأديب السيّد مهدي الأعرجي بقوله:
أجرى المعين مع الرئيس عليهما # كلّ الثنا ماء الفرات إلى الغري
فأقام طير البشر فيه مؤرّخا # (إنّ المعين له المعين الكوثر)
و قال الشيخ كاظم بن عبد الجواد المعروف بالخطّاط:
و في أنابيب الحديد قد جرى # كاللؤلؤ المكنون في جوف الصدف
قل للرئيس و المعين ذكركم # مؤرّخ (كالماء في أرض النجف)
عن كتاب ( تاريخ النجف الاشرف )
اقرأ ايضا
زيارة للشاعر الزهاوي في الثلاثينيات
أحمد حسن الزياتمن حق الزهاوي على (الرسالة) وهي ديوان العرب وسجل الأدب أن تقف على …