ياسين طه حافظ
العربات محّملةً تصل
جناح ضرب نافذتي
وحطّ يلهث, اضطربت عيناه اكثر
وازداد لهاثا حين رأى وجهي.
“كم تخطؤن الرؤية,
وكم قساة انتم!”
اصابني الدوار, فهبطت أتكيء وليس
ما أتكيء عليه.
دوار ولاحبة تجهض الظل,
تدفعه عن وجهي.
“أنتَ مهووس بريشي وبحركة جنحي
وبلوني, لون التراب المتّسخ,
لون العشب الذي ايبسه الدخان.
كم قساة انتم!”
“أنت هنا, معزول في غرفتك,
في الطابق الثالث,
منقطع لا تصل.
لم تفهم المصير مُذْ قُذِف الكوكب في المتاه
ظل الفراغ وطنك
والفراغ حبَّك
والفراغ شارعك المُصان بجدران زائفة
توهمك بالوصول
وتقتلك ان صدَّقتَ..
نحن الطيور لم نخدع,
فقد ادركنا ان عالمنا هو الفراغ..”
لكي ابعد عن رؤية هذا الطائر,
لكي اهرب من نظرات الازدراء والغضب في عينيه
ادرت وجهي,
رحت انظر للجهة الأخرى:
رأيت العربة القديمة تختفي,
لم أر حمولتها
ولكن الغبار الذي خلفته,
واتجاه القدر المضبب الذي يجري بها,
يجعلاني اعرف
انها محملة بأمثالي, ممن لم يعودوا
يحتملون الدوار.
قال الطائر الغريب: “استمر على النظر في ذلك الاتجاه.
حسنا انك بدأت ترى.
فاستمع لي اذن:
المدينة تكره الطيور, تكرهك وتكرهني.
لا تريد ان تُرى من فوق,
وتخاف من صرخات الطيور في الأعالي.”
“انظر انظر, تلك هي العربات تنتظر,
تريد مكانا تُلقي به هذا الكوم من البشر
الذين قطعوا الصحراء وقطعوا البحر
حتى اذا وصلوا
لا يعرف احد منهم مكانا يتجه إليه..
لست أول من وصل طبرق. ولست اول
من ظل حائرا بعد وصوله.
القمح
كان القطارُ هناكَ ينتظر الحمولةَ،
كانت العربات من صدأ وشمسٍ
تسفح الرَهَجَ الذي يأتي به القمحُ المرُحّلُ،
كانت الاكياس تغفو حالما تُلقى كأنْ
أنهَتْ حكايتَها.
ظل الشذى قلِقاً يحوّمُ بانتظار الريحِ
تحملهُ وتمضي.
وأنا أمرُ هناك, جارتُنا بخطوتها العزومِ
ولونها القمحيّ تختصر الطريقَ, “تقولُ:
هذا الدربُ أسلمُ, هل تشمُّ شذى الجذورِ
ونفحةَ القشِ المبلّلِ؟
في الحقول ترى العجائبْ.
كانت فسائلََ هذه النْخلاتُ اذْ كنا صغاراً,
هل ترى؟
كبُرتْ ويسقطُ تمرُها في الصيف نَلْقطُهُ
إذا جعنا …توقّ الدربَ! ” جارتُنا
مالتْ الى يَبَس وترفع ثوبها تجتازُ شوكاً،
لمْعةٌ في الساق باهرةٌ،
سرعانَ ما غطىّ الحريرُ اللمْعَ، غيَّبَ
ذلك العجَبْ العُجاب /
تشعُّ ساقيةٌ
لاءلاءةً دخلت تشقُّ طريقها المكتظّ أدغالاً
كما فجر يسيل على الظلام
هذي شِعابٌ لفّها النِسيانُ توقظُها ملامَسَةٌ
والدغل قد خجلَتْ زهورٌ فيه من شيء يُلامسُها.
القمْحُ حُمّلَ كلُّه، بقيَتْ هنا وهناك سنبلةٌ
تهزّ برأسها للريحِ /
لا حقلٌ،
هنا قصَبٌ وحلْفاءٌ ولمْعُ الماء يولجُ
في عروق الأرض رِعْشَتَهُ.
والزعفرانُ يشبَّ والأسَلَ استشاطت روحُهُ
غرثانَ منفرجَ الشفاه.
قالت “عطِشتُ، الصيفُ لم تبرَحْ حرارتُه، تَقَرَّبْ
وابترِدْ، رقّتْ شفاهُك ايها الولدُ اقتربْ
هذي مرايا الله رائقةٌ وصافيةُ. ألا تدنو وتشربْ؟
شمّرَتْ للماء تكشف في الفضاء ذراعَها “الريّانَ”،
شعّتْ بضّةً تلك الذراعْ،
الماءُ يركض فوقها،
الماءُ جُنّ من الفرَحْ!
غرفَتْ تبلّل صدرَها وتُبرّدْ الثديين، هذا عالمٌ
ما كنتُ أعرفهُ. رأت عينَيّ تائهتين منبهراً
أرى الدنيا الخفيّةَ، أومأتْ للماء: لو تدنو
فهذي الريحُ لافحةٌ ووجُهكَ يافعٌ، والدربُ
مازالت، ولكنا وصلنا، والقطارُ يسير بحمل قمحَهُ.. ،
كم صارَ عمرُك؟ قد كبُرتَ، شذاك هذا
أم شذى القمح المسافر جاء يتبعُنا؟
مُحْمرّةٌ مسمرّةُ الخدين، ضاحكةٌ، يدٌ في الماءِ
تأخذ غرفة ويدٌ تشيرُ “تعالَ، لو تدنو
ثناياك العِذابُ ترُيدُ ماءً، انه عطشٌ
تعالَ هنا!
شعاع مرَّ أو صوتٌ لصادحةٍ؟
فأنهَتْ ضَمَّةً طرأتْ على عَجَلٍ،
وقبرّةٌ رأتْ أمراً فصاحت في فضاء الله،
لكنا اقتربنا، ما تزال ذراعُها مكشوفةً
قالتْ “وصلنا” ثم جَسَّتْ صدرها تتفقّدُ
الأزرارَ … مغلقةُ.
كان الصبيُّ مرافقاً او حارساً /
شاخَ الصبيُّ وضاع حقلُ اللهِ، أذكر قولَها
“رقّتْ شفاهُكَ ايها الولدُ اقتربْ،
كم صارَ عمرَكََ؟ صوتُها الريانُ خيط الماء
في صحراء أيامي ….
وكان الماء يرشق صدرََها
ويبلّل الثديين” كنتُ اراهما
خلف الثياب مبلّلَينِ، أراهما!
الشيخُ مبتسماً، يهزُّ الرأسَ مصباحٌ
قديمٌ سوف يُطفَأُ “لمعةٌ في الساقِ” اذكر، قولها
“كانت فسائلََ هذه النخلاتُ قد كبُرَتْ
ويسقط تمرُها في الصيفِ نلقطهُ إذا جعنا..”
وكانت ضُحكةٌ.
محمرّة مسمرّة الخدين تطفح رغبةً …،
الشيخُ محنيٌّ، يهزّ الرأسَ: قد غربَ النهارْ!
اقرأ ايضا
ياسين طه حافظ اضافة نوعیة للقصیدة الحداثیة
فاضل ثامرسعید انا بمشاركتي في هذه الاحتفالیة الثقافیة المتمیزة التي یحتفي فیها الحزب الشیوعي العراقي، …