سالي روني تتحدى قانون الإرهاب دفاعاً عن فلسطين

ربيع عيد
بإعلانها دعم حركة بالستاين أكشن المحظورة بموجب قانون الإرهاب البريطاني، تتخذ الكاتبة الأيرلندية سالي روني موقفاً لافتاً في المشهد الثقافي في المملكة المتحدة وأيرلندا، إذ خصّصت جزءاً من أرباح أعمالها لتمويل نشاطات الحركة. خطوة روني، صاحبة رواية “أيها العالم الجميل، أين أنت؟” الأكثر مبيعاً في المملكة المتحدة عام 2021، تتجاوز حدود التضامن الرمزي لتدخل في مواجهة مباشرة مع التشريعات البريطانية، وتضع المؤسّسات الثقافية أمام أسئلة صعبة حول علاقتها بالسلطة والسياسة والمواقف الأخلاقية.
في مقال نشرته السبت الماضي، كتبت روني بوضوح: “إذا كان دعمي يجعلني داعمة للإرهاب وفق القانون البريطاني، فليكن”، وأضافت أنّها ستواصل دعم أشكال أخرى من العمل المباشر ضدّ شركات السلاح الإسرائيلية في بريطانيا، في ظلّ ما وصفته بالإبادة الجماعية في غزة.
هذا الموقف الجريء يضع روني أمام احتمالية خسارة عقود نشر وتعاون مع مؤسّسات إعلامية وثقافية كبرى، إلّا أنها لم تتردّد في تأكيد أنّ القضية ليست بالستاين أكشن فحسب، بل فلسطين التي “ندين لشعبها بأكثر من مجرد كلمات”، على حدّ قولها. وهي تراها قضية ضمير إنساني في مواجهة الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
إعلان روني يضع مؤسّسات كبرى على المحك، إذ إنّ استمرار التعاون مع كاتبة تعلن تمويلها لحركة محظورة قد يثير شبهات قانونية وسياسية، في حين أن التخلّي عنها قد يُفسَّر خضوعاً لضغوط السلطة وقمعاً لحرية التعبير. وأكدت صاحبة “محادثات مع الأصدقاء” أنها امتنعت عن نشر مقالها في صحيفة بريطانية لأن ذلك سيكون مخالفاً للقانون، مضيفة أنه إذا اعتبرت الدولة البريطانية تصريحها هذا “إرهاباً”، فالأجدر بها التحقيق في المنظمات التي تروّج لأعمالها وتموّل أنشطتها مثل متاجر دبليو إتش سميث وهيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي.
وتتجه الأنظار خصوصاً إلى بي بي سي التي أنتجت مسلسلاً ناجحاً عن رواية روني “أناس عاديون”. وتواجه القناة اليوم انتقادات إضافية بعدما سحبت قبل أشهر فيلماً وثائقياً عن الطفولة في غزة بعد يومين فقط من عرضه، بدعوى وجود ضغوط سياسية وإعلامية. وقد دار الجدل وقتها حول مشاركة طفل من عائلة مرتبطة بحكومة غزّة السابقة، فضلاً عن حصول عائلته على مقابل مادي، وهو ما اعتُبر تمويلاً غير مباشر لحركة مصنفة إرهابيةً بموجب القانون البريطاني، ما دفع القناة إلى السحب والاعتذار بعد مساءلات برلمانية وانتقادات واسعة.
ويكتسب هذا البعد أهمية إضافية مع بدء منصة نتفليكس عرض المسلسل “أناس عاديون” المكوّن من 12 حلقة، قبل أسبوعَين، إذ دخل قائمة الأعمال العشرة الأكثر مشاهدة في المملكة المتحدة.
وليست هذه المرة الأولى التي تُدخل فيها روني موقعها الأدبي والثقافي في قلب السياسة دعماً للقضية الفلسطينية. ففي عام 2021، وقبل حرب غزّة وموجة التضامن العالمية غير المسبوقة، رفضت بيع حقوق ترجمة روايتها “أيها العالم الجميل، أين أنت؟” لناشر إسرائيلي، دعماً لحملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS). وأثار القرار حينها نقاشات حادة داخل الأوساط الأدبية والسياسية.
لم يقتصر خطاب روني على تحدي بريطانيا، بل شمل أيضاً حكومة بلادها في أيرلندا. فقد تساءلت عن صمت دبلن إزاء اعتقال مواطنين أيرلنديين في بريطانيا لمجرد احتجاجهم على إبادة غزة، قائلة: “عندما يُعتقل مواطنونا في ظل أنظمة استبدادية في أماكن أخرى، تميل الدولة وأجهزتها القنصلية إلى التحرك أو على الأقل الادّعاء بذلك. أما الآن، وقد أصبحت السلطة القضائية المعنية أقرب إلينا، يبدو قادتنا، على نحوٍ غريب، غير راغبين في التحرّك. إذا كانت حكومة دبلن تعتقد فعلاً أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية، فكيف يمكنها أن تنظر إلى مكان آخر بينما يمول جارها الأقرب (بريطانيا) هذه الإبادة ويدعمها، ويُعتقل مواطنوها لمجرد التعبير عن آرائهم؟”.
تعكس خطوة روني الأخيرة تنامي تيار المثقفين في الغرب المستعدين للانخراط في تقاطع الثقافة والسياسة في لحظة تاريخية يشهد فيها العالم إبادة غزة. فهي لا تكتفي بالكتابة عن قضايا العدالة، بل تسعى إلى توظيف موقعها الأدبي والرمزي في مواجهة مباشرة مع السياسات الحكومية.
· العربي الجديد

اقرأ ايضا

سالي روني: كيف تبدو الحياة في بداية الثلاثين

أمل السعيديلم أتخيل أن تعجبني رواية لسالي روني. حاولتُ قراءة عملها الأشهر “ناس عاديون” بعد …