لويس ماسينيون في زيارته الاولى الى بغداد عام 1907 وبدء الصلات الأدبية مع علمائها..

كامل داود
ليس من الغريب ان يقترن اسم المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون بالصوفية والمتصوفين، وتحديدا باسم الحسين بن منصور الحلاج، فهو الذي عرف العالم به، وكان في ذلك مثل الشاعر البريطاني ادوارد فتزجيرالد( الذي لفت الانظار الى عمر الخيام، وحمل العالم كله على التعّرف الى الخيام والاستمتاع برباعياته.
ان هذه المقارنة تكاد ان لا تجانب الحقيقة على معظم المستويات، ويكفي النظر في حجم المجهود العلمي الذي بُذِل في انجاز هذه المهمة المعرفية دليلاً، فقد كتب الأب انستانس الكرملي أن ماسينيون خلال ثماني سنوات، قد راجع الفا وسبعمائة وستة وثلاثين مصنفا، كتبت بأكثر من ثماني لغات، تتصل كلها بالحلاج واخباره وأفكاره ظهرت في كتابه (آلام الحلاج) بأكثر من ثلاثة الاف صفحة.
وما كان لهذا السفر الكبير (آلام الحلاج) ان يولد، من دون مؤازرة مثقفي بغداد في بداية القرن العشرين.
وبدءًا لا بد من الإشارة الى إن علاقة ماسينيون ببغداد تعود الى شتاء عام 1907، وصلها وهو في الخامسة والعشرين من عمره مكلفا بمهمة آثارية عن قصر الاخيضر قرب كربلاء، تخفّى بزي ضابط تركي وعاش متقشفا، شكّ فيه الحاكم التركي واتهمه بالضلوع في مؤامرة ماسونية للإطاحة بالسلطان عبد الحميد، تعرض للتعذيب قبل ان يحكَم بالإعدام، ولكن المركب الذي كان ينقله في طريقه لتلقي حكمه، مّر من قرب طاق كسرى في المدائن حيث قبر سلمان الفارسي، كان ماسينيون مقيدا بالأغلال ومرميا في قمرة المركب، وقفت حمامة على نافذة القمرة واخذت تهدل بصوت عذب، فسّرها ماسينيون على انها اشارة “الهية” للإفراج عنه، في هذا الوقت كان (محمود شكري الالوسي) و(علي الالوسي) يتشفعان له عند الحاكم التركي الذي قبل شفاعتهما وكفالتهما، بعدها اطلق سراحه، قضى فترة في ضيافتهما حتى برء من آثار التعذيب، وغادر العراق برفقة الاب انستاس ماري الكرملي بعد ان تختم بخاتم اهداه له الالوسيان، كتب عليه (عبده محمد ماسينيون).
و لم يتكشّف لنا كيف تعرف ماسينيون على الآلوسيين المذكورين، حتى وجدنا ذلك عند الباحث العراقي عبد الحميد العلوجي في بحثه الذي يحمل عنوان (ماسينيون وعامية بغداد) اذ كتب ان ماسينيون كان قد قدم بغداد عام 1907، بعد ان أرسل عميد اسرته رسالة الى الاب انستاس الكرملي، يطلب منه رعاية الشاب الباحث ماسينيون، الذي عكف على دراسة اللغة العربية في فرنسا 1906 واستهوته العقائد الشرقية، واطلع على مجموعة شعرية للشاعر الفارسي فريد الدين العطار يذكر فيها شيئا عن الحلاج، ان العلوجي يصوّب ما كتبه عبد الرحمن بدوي الذي نشر في بحث له عام 1962 حول حياة ماسينيون، يقول فيه: ان ماسينيون قد نزل ضيفا على اسرة الالوسي، وذلك ما يراه العلوجي مجانبا للصواب، فأن اهل ماسينيون قد أخبروا الأب الكرملي بعزم ابنهم على القدوم الى بغداد، وأوصوه به خيرا قبل ان يردها، وكان الكرملي وفيا لتعهده، وهنا ايضا لم يخبرنا العلوجي بجذور العلاقة بين اسرة ماسينيون الفرنسية وبين الكرملي!! فالعلوجي يقفز الى القول بأن الكرملي تبنى توثيق عرى العلاقة بين محمود شكري الالوسي وماسينون، وان ماسينيون لم يسكن مع احد منهما، وانما استأجر لنفسه دارا في الحيدر خانة في رصافة بغداد(11). وبقاؤه فيها لم يستمر الا شتاءً واحدا، هو شتاء 1907 / 1908.
لم ينقطع الاتصال بين ماسينيون والكرملي، بعد ان غادرا العراق سوية وافترقا في بيروت، وظل الكرملي يحتل مكانة سامية في وجدان ماسينيون، ويكن له اعظم التقدير، ويظهر ذلك في استهلال اكثر من مائتين وثمانين رسالة مكتوبة بخط ماسينيون وباللغة الفرنسية، ارسلها الى الكرملي على مدى الثلث الاول من القرن العشرين، تبين علاقة النخب العراقية المثقفة بما يدور في الثقافة الغربية ومواجهة تشكيلها وتصويب ما يتعلق بالفكر الاسلامي، ابان الحكم العثماني. هذه الرسائل محفوظة في دار المخطوطات ببغداد، تبنى ترجمتها الكاتب العراقي علي بدر واصدرها بكتاب تحت عنوان (ماسينيون في بغداد، من الاهتداء الصوفي الى الهداية الكولونيالية) ضم الكتاب مدخلاً تعريفيا ومقدمة توضيحية لمنهجه في الدراسة، وتنظير سايكولوجي حول الاهتداء الصوفي عبر التأثر بالحلاج، ثم الهداية الكولنيالية، قبل ان يأتي موضوع الكتاب الرئيسي، وهو الرسائل التي أرسلها ماسينيون إلى الكرملي، وكانت اولاها مؤرخة في 14 تموز 1908، أي بعد اشهر من تركه بغداد. ويقول بدر عنها: “ان اهمية تلك الرسائل تكمن في كشفها بشكل واضح وصريح عن العلاقات الثقافية والفكرية والمعرفية بين المثقفين العرب والمستشرقين في الثلث الاول من القرن العشرين”.
تبين تلك الرسائل ما يحظى به الكرملي من مكانة سامية في وجدان ماسينيون، اذ انه اعتاد ان يستهل رسائله بعبارات مثقلة بالوفاء والتبجيل، وشاعت عنده في ذلك العبارات: (ابتي المبجل وصديقي) (ابتي العزيز وصديقي) (ابتي العزيز جدا وصديقي) وهكذا في كل رسائله، ثم يبدأ بذكر ما يريد. وكانت الرسائل تتناول شتى المواضيع الثقافية، ومنها ما يطلب فيها من الكرملي شراء كتب او ارسالها اليه لاتمام بحوثه عن الحلاج ومناقشة نتائجها، كما في الرسالة المؤرخة في 15 / 8 / 1908 التي يبين فيها ما توصل اليه بشأن الحلاج (لا تنسى كتابي عن الحلاج، سوف ارسل لك نسخة من ادلتي على مسيحيته)(.
لم ينقطع الاتصال بين ماسينيون والكرملي، بعد ان غادرا العراق سوية وافترقا في بيروت، وظل الكرملي يحتل مكانة سامية في وجدان ماسينيون، ويكن له اعظم التقدير، ويظهر ذلك في استهلال اكثر من مائتين وثمانين رسالة مكتوبة بخط ماسينيون وباللغة الفرنسية، ارسلها الى الكرملي على مدى الثلث الاول من القرن العشرين، تبين علاقة النخب العراقية المثقفة بما يدور في الثقافة الغربية ومواجهة تشكيلها وتصويب ما يتعلق بالفكر الاسلامي، ابان الحكم العثماني. هذه الرسائل محفوظة في دار المخطوطات ببغداد، تبنى ترجمتها الكاتب العراقي علي بدر واصدرها بكتاب تحت عنوان (ماسينيون في بغداد، من الاهتداء الصوفي الى الهداية الكولونيالية) ضم الكتاب مدخلاً تعريفيا ومقدمة توضيحية لمنهجه في الدراسة، وتنظير سايكولوجي حول الاهتداء الصوفي عبر التأثر بالحلاج، ثم الهداية الكولنيالية، قبل ان يأتي موضوع الكتاب الرئيسي، وهو الرسائل التي أرسلها ماسينيون إلى الكرملي، وكانت اولاها مؤرخة في 14 تموز 1908، أي بعد اشهر من تركه بغداد. ويقول بدر عنها: “ان اهمية تلك الرسائل تكمن في كشفها بشكل واضح وصريح عن العلاقات الثقافية والفكرية والمعرفية بين المثقفين العرب والمستشرقين في الثلث الاول من القرن العشرين”.
تبين تلك الرسائل ما يحظى به الكرملي من مكانة سامية في وجدان ماسينيون، اذ انه اعتاد ان يستهل رسائله بعبارات مثقلة بالوفاء والتبجيل، وشاعت عنده في ذلك العبارات: (ابتي المبجل وصديقي) (ابتي العزيز وصديقي) (ابتي العزيز جدا وصديقي) وهكذا في كل رسائله، ثم يبدأ بذكر ما يريد. وكانت الرسائل تتناول شتى المواضيع الثقافية، ومنها ما يطلب فيها من الكرملي شراء كتب او ارسالها اليه لاتمام بحوثه عن الحلاج ومناقشة نتائجها، كما في الرسالة المؤرخة في 15 / 8 / 1908 التي يبين فيها ما توصل اليه بشأن الحلاج (لا تنسى كتابي عن الحلاج، سوف ارسل لك نسخة من ادلتي على مسيحيته).
وفي الرسالة المؤرخة 25 / 2 / 1913 رد على مقالة للكرملي، وكان الكرملي قد نشر مقالة في مجلته (لغة العرب) العدد السادس من 1912 ك1، انتقد فيها ما كتبه ماسينيون عن مقولة الحلاج (انا الحق) وقدم عددا من التصويبات لما طُرِح في البحث، وفي الرسالة نفسها، ردّ على طلب كاظم الدجيلي بالقول (انه يعتمد علي) ويظنني مليارديرا قادرا على كل شيء.
وبقدر تعلق الأمر بالحلاج، نجد في الرسالة المؤرخة في 18 تموز 1908 المرسلة الى الكرملي يقول فيها ماسينيون انه قد كتب “هذا الصباح الى الآلوسيين في بغداد، فهما اللذان جعلاني افكر في الحلاج”.
وليس هذا فحسب، وانما كان ماسينيون يراسلهما مباشرة وهنالك عدد من رسائل ماسينيون الى محمود شكري الالوسي والقاضي علي الالوسي موجودة في دار المخطوطات في بغداد(.
ويعضّد ذلك قول الشيبي ان ماسينيون قد كتب من المغرب في 25 / 7 / 1923 رسالة الى محمود شكري الالوسي، يطلب فيها معلومات عن الحلاج(.
ويذكر محمد بهجت الاثري(19) قائلا: كنت يوما في مجلس من مجالس الاستاذ “الالوسي”، جرى فيه ذكر الحلاج، فذكرت قول الامير صديق خان فقال: “هل لك ان تأتيني به لأبعث به الى لويز ماسينيون عاشق الحلاج!”.
وان ماسينيون يقر بفضل الآلوسيين على ما تفضلا به عليه من الافادات الجلية والنصائح الكبرى والوثائق التي كانا يحولانه عليها؛ للوقوف على ما جاء في كتب القوم عن الحلاج، ذلك الصوفي البغدادي الشهير، على حد وصفه.
وقد نشر فاضل عباس العزاوي، نجل المؤرخ العراقي عباس العزاوي، في مجلة المورد التي تصدرها وزارة الثقافة والاعلام العراقية، رسالة ارسلها ماسينيون الى ابيه، وقد استعان بمن يجيد الفرنسية لترجمتها، يطلب فيها ماسينيون من العزاوي بحثا، ويعده بالإشارة اليه اذا نشره في كتابه، وقد انهى رسالته بالتحية الأخوية (للزميل المحترم والاستاذ العزيز)، وكباقي رسائله ختمها بختمه المعروف (عبده لويس ماسينيون).
عن بحث ( المستشرق ماسينيون ومصادره البغدادية في كتابة سِفْر الحلاج). مجلة الثقافة الجديدة. اب 2023.

اقرأ ايضا

زوجة الملك فيصل الأول، الملكة حزيمـه

نهلة نعيم عبد العاليتزوجت حزيمه إبنة الشريف ناصر بن علي من إبن عمها الأمير فيصل …