عبد الوهاب المسيري.. ناقدا ادبيا

عبد الوهاب المسيري.. ناقدا ادبيا

ممدوح الشيخ
سئل الدكتور عبد الوهاب المسيري عن مغزى اتجاهه في بداية حياته الفكرية إلى الدراسة الأدبية وتحوله فيما بعد إلى مجال الدراسات الفكرية والسياسية، وما إذا كان هذا يأئسا من الأدب بوصفه "قضية خاسرة"، فقال: "التخصص الأدبي لا يزال هو أكثـر التخصصات في العلوم الإنسانية

اقترابا من الظاهرة الإنسانية، كما أن الأدب لا يزال يؤثر في حياة الناس. ألا تزال الملايين تقرأ أعمال نجيب محفوظ ومحمود درويش؟ وعلى كلٍّ، أنا لم أهجر الأدب تماماً، إذ أسميه حبي الأول فلي دراسات متفرقة في الأدب، فكتابي عن الحضارة الأمريكية يضم دراسات أدبية. كما أنني قمت بترجمة بعض الأعمال الأدبية الفلسطينية - القصص القصيرة والأشعار – الى الإنجليزية، كما نقلت القصائد الرومانتيكية الإنجليزية الأساسية الى العربية وكتبت تعليقا على كل نص(1)".
وهو يشير بالتحديد إلى كتابيه: "دراسات في الشعر(2)" و"في الأدب والفكر(3)" بوصفهما أهم كتاباته النقدية، ويضمان عددا كبيرا من دراساته الأدبية التي نشرها بشكل متفرق عبر الثلاثين عاما الماضية، كما أنه كان ينوي كتابة تاريخ للشعر الإنجليزي استنادا الى المحاضرات التي كان يلقيها عبر ثلاثين عاما، كان يدرّس فيها الأدب الإنجليزي.
وقد سلطت الأضواء دائما على العطاء الفكري للدكتور عبد الوهاب المسيري في حقل دراسات الظاهرة الصهيونية وكان صدور موسوعته: "اليهود واليهودية والصهيونية" تكريسا لهذا الملمح الذي طغى على بقية ملامح شخصية عبد الوهاب المسيري.
ويذهب الناقد مصطفى عبد الغني إلى أن العامل الإنساني أو "المشترك الإنساني" هو مفتاح العالم النقدي للمسيري، وهو عامل تشكَّل مبكرا جدا منذ كان طالبا بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، فقد استطاع الشعر الرومانسي الإنجليزي الوصول إلى معانٍ إنسانية عميقة عبر لغة بسيطة. وفي مرحلة تالية نجحت أعمال كتاب مثل: وليم شكسبير وت. إس. اليوت وغيرهما أن تعينه على بلورة رؤية نقدية أكثر نضجا وتركيبا، وكان جملة ما توصل اليه عبد الوهاب المسيري وبعد التعمق في أعمال الكتاب القدماء مثل: إيسخلوس وسوفوكليس وفيرجيل وهوراس، أن أدرك وجود ما يمكن تسميته "الثوابت الإنسانية"، أي المطلق الإنساني الذي يشترك فيه بنو البشر جميعا، وشكلت هذه الفكرة نقطة مرجعية مطلقة(4).
وفي العام 1964 كتب المسيري رسالته للماجستير عن "أهمية ترجمة الشعر الرومانتيكي الإنجليزي للعربية" ثم ما لبث أن حصل على درجة أكاديمية ثانية من جامعة كولومبيا بعنوان: "أثر التقاليد الرومانتيكية في شعر إبراهيم ناجي"، ثم حصل عام 1969 على درجة الدكتوراه من جامعة رتجرز، وكان عنوان أطروحته: "الأعمال النقدية لويليام وردزورث وولت ويتمان: دراسة في الوجدان التاريخي والوجدان المعادي للتاريخ". وينقل الناقد مصطفى عبد الغني عن كتاب للدكتور المسيري لم ينشر حتى الآن عنوانه: "من المذهب الإنساني إلى ما بعد الحداثة: رؤية من خلال السيرة الذاتية" يروي فيه جوانب من حياته في الولايات المتحدة الأمريكية، يقول فيه المسيري عن نفسه: "وتمضي بنا رحلة الشاب من دمنهور إلى جامعة كولومبيا للحصول على درجة الماجستير في الآداب ثم إلى جامعة رتجرز للحصول على درجة الدكتوراه. وفي جامعة كولومبيا قام بالتدريس له أساتذة أمثال: ليونيل تيرلنج وبازل ويلي ومارتن دوبي وكارل وودرنج، وقد كان لكل منهم خطابه ولغته النقدية ونظرته الخاصة، إلا أنه في وسط هذا الخضم من النقاش والاختلاف كان الجميع يلتقون في نقطة مرجعية مشتركة هي "الثوابت الإنسانية". ولم تكن الحال في جامعة رتجرز تختلف كثيرا عن ذلك فقد كانت هناك شبه معركة بين الحرس القديم الداعي إلى المذهب التاريخي لتناول الأدب وبين الحرس الجديد أو "أولاد هارفارد" كما كان يطلق عليهم الداعين إلى تبني "المذهب الشكلاني.. .. .. وقد كنت أفتخر بأن الأدب هو المجال الوحيد الذي لم يفقد الاتصال أبدا بـ "الثوابت الإنسانية" فالمجالات الأخرى قد تعبر عن الوجود الإنساني من خلال أشكال توضيحية مجردة أو منحنيات بيانية أو معادلات رياضية، إلا أنه لا يمكن إدراك الصورة المتعينة للإنسان في أفراحه وأتراحه من خلال هذه الأشكال أو المنحنيات أو المعادلات، ولعل ذلك هو سر تميز الأدب، فصورة الإنسان المتعينة هي عموده الفقري(5)"
وتتسم كتابات المسيري النقدية بدرجة مدهشة من التنوع والثراء إذ كتب عن شعر المقاومة الفلسطينية وكتب نقدا لعدد من الروايات مثل: "السيد من حقل السبانخ" لصبري موسى وهي رواية تنتمي إلى أدب الخيال العلمي، وكتب كذلك عن شعر بدر توفيق وغازي القصيبي وعن قصص قصيرة للطيب صالح وعبد السلام العجيلي وتوما الخوري، وآخرين. وعلى الجانب الآخر قدم عبد الوهاب المسيري للقارئ العربي عددا من الشعراء الإنجليز من تشوسر إلى هاردي مرورا بالشعراء الرومانتيكيين والفيكتوريين أمثال: وليم بليك وودذورث وكيتس وشيلي، ثم ألفريد لورد تنيسون وماتيو أرنولد وروبرت براوننج ووالت ويتمان. وكتب عن الحداثة وما بعد الحداثة، وعن التشيؤ وعن الأنثوية، وكتب عن شعر الهايكو والمسرح الياباني، كما ترجم مسرحيات وقصائد(6).
ومن النتاج النقدي للمسيري بالإنجليزية كتابات عن: "التشيؤ والحداثة وما بعد الحداثة"، و"ديالكتيك الإنسان والطبيعة" والبنى الأخلاقية في أعمال الروائيين الأمريكيين: ملفيل وثورو، كما كتب عن البنيوية والتفكيكية، وكتب عن "شعر المقاومة الفلسطيني" وعن أبي حيان التوحيدي وعن صلاح جاهين(7).
ويرى عبد الوهاب المسيري أن الناقد الأدبي يواجه ثنائية أساسية هي ثنائية الواقع الموضوعي في مقابل الواقع الأدبي (الذاتي)، أي الواقع كما يصوره الأديب. فأي نص أدبي له حدوده المستقلة عن الواقع، فهو ينتمي إلى عالم الأدب قدر انتمائه لعالم الواقع. فرؤية الأديب لا تخضع لقوانين الواقع وحسب، وإنما تخضع، وبالدرجة الأولى، لقوانين الأدب وتقاليده. بل إن الأديب يضطر أحيانا إلى أن يحوّر تفاصيل الواقع الخارجي التي ترد في عمله. ولذا حين ندرس أي نص أدبي لابد من أن نفترض انفصاله عن الواقع، وننظر اليه باعتباره مجموعة من العلاقات المتداخلة داخل حدوده الأدبية. وهذا ما عمّق إحساس المسيري بالثنائية في العالم، وقد أصبحت من المفاهيم التحليلية الأساسية في منهجه البحثي. ويضيف المسيري أننا في الدراسة الأدبية نحاول البحث عن الموضوع الأساسي الكامن الذي يضفي على العمل الوحدة ويشكّل معناه الأساسي. وقد قاده هذا لاكتشاف النموذج كالية أساسية لتحليل النصوص والظواهر(8).
ومثل هذه النظرة – والكلام للمسيري – رغم أهميتها وضرورتها ليست كافية. فالنص الأدبي، في نهاية الأمر تعبير عن واقع إنساني، ورغم أنه تعبير غير مباشر، إلا أنه ليس نصاً مجردا مغلقا، معلقا في الهواء، وإنما هو نص متعين، جذوره في الواقع، يوجد في عدة سياقات. فهو أولاً يوجد داخل سياق أدبي يتكون من كل أعمال الأديب ومن كل النصوص الأدبية السابقة واللاحقة التي كُتبت باللغة نفسها. وفهمنا لنص أدبي ما لا يمكن أن يكتمل دون معرفة وإدراك كاملين لهذا السياق، فمن خلاله يمكننا تحديد توقعاتنا بالنسبة للنص، ومعرفة بعض التقاليد الأدبية التي تتحكم فيه. كما أن النص الأدبي يوجد داخل سياق حضاري وتاريخي واجتماعي أيضاً، وكلها سياقات متداخلة تؤثر على العمل الأدبي وتترجم نفسها إلى عناصر أدبية. ويمكننا أن ندرس نصاً أدبيًّا ما داخل هذه السياقات، أو ندرسه داخل إحداها وحسب، حسبما تمليه طبيعة الدراسة والهدف منها. كما أن حياة الأديب من ناحية انتمائه الطبقي والاجتماعي، والبيئة الجغرافية التي يعيش فيها، وتركيبته النفسية لابد وأنها تؤثر، وأحيانا بشكل عميق، على مضمون العمل الأدبي وبنيته. ولكن العمل الأدبي مع هذا ليس مجرد وثيقة فكرية أو اجتماعية ذات مضمون فكري أو اجتماعي عام ومجرد، وإنما هو بناء له حدوده المستقلة ومنطقه الخاص وقوانينه المحددة وشكله وبنيته ولغته. وهو بناء يوجد في السياق الفكري أو الاجتماعي يتأثر به، ويؤثر فيه في الوقت ذاته، ولكنه يتخطاه ويستقل عنه(9).
ويرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن الناقد حينما يعود إلى الدراسات الاجتماعية والتاريخية للفترة التي يعالجها النص وإلى المعلومات الخاصة بحياة المؤلف فإنه يمكنه أن يفسر بعض التفاصيل التي قد يكون من العسير تفسيرها إذا ما بقي الناقد داخل العمل وحسب. كل هذا يعني أننا نرى أن ثنائية الواقع الأدبي في مقابل الواقع الموضوعي، ثنائية فضفاضة تفاعلية إذ يمكننا أن نعمق رؤيتنا للواقع الموضوعي من خلال دراستنا للواقع كما صوره الأديب، كما أنه يمكننا أن نعمق رؤيتنا للعمل الأدبي من خلال دراسة سياقه الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي(10).
وعن العلاقة بين الشكل والمضمون في الدراسات النقدية يقول المسيري إن استخدام الصورة المجازية العضوية لوصف عمليتي الإدراك والتفسير غير مفيد بالمرة من الناحية التحليلية. وعادة ما يقال إن الوحدة الفنية وحدة عضوية ولا يمكن فصل الشكل عن المضمون. ولكن هذا بالضبط ما يفعله معظم النقاد (على الأقل حتى أواخر الستينيات) حين يقومون بالعملية النقدية ذاتها. ونحن حين نستجيب للعمل الأدبي أو العمل الفني، وضمن ذلك الموسيقى، كشكل منفصل عن المضمون، وحتى حينما نمارس الشكل باعتباره مضمونا، والمضمون باعتباره شكلا، فإننا في المرحلة التحليلية نفصل الواحد عن الآخر. ونحن حين نقرأ العمل الفني أو نسمعه أو نشاهده، فنحن لا نفعل ذلك في لحظة واحدة، وإنما في لحظات متتالية، إذ إنه يتحرك في الزمان، فكل ما هو إنساني يوجد داخل الزمان. ومع هذا بعد أن نقرأ العمل الفني أو نشاهده نحاول أن نتخيله في كليته، ونراه كلحظة واحدة خارج الزمان، بدلا من لحظات متعاقبة داخل الزمان. ثمة توتر بين التزامن والتعاقب، لهذا أرى أن من المفيد للغاية استعادة مقولتي الشكل والمضمون كمقولتين تحليليتين، إن لم يكن أيضا، كمقولات أنطولوجية وجودية. وهما مقولتان متصلتان منفصلتان، تربطهما وحدة فضفاضة تفاعلية، فالشكل لا يمكن أن يوجد إلا داخل مضمون، والمضمون لا يتبدى إلا داخل شكل. وكما أشير دائما أفضل دائما التعامل مع النقطة التي يتقاطعان فيها(11).
ولا يمكن تجاوز ثنائية الواقع الإنساني في مقابل الواقع الأدبي إلا من خلال ما يسمى في الخطاب النقدي "شرح النص" أو "القراءة النقدية المتمعنة" والتي يشار لها بالفرنسية explication detext وبالإنجليزية explication كما يشار لها بعبارة closereading الإنجليزية، ولكني أفضل استخدام العبارة العربية "استنطاق النص" للإشارة إلى المنهج نفسه. والعبارة مأخوذة من كلمة "نطق" والتي تعني حرفياً "وضح مخارج الحروف" كما تعني "تحدث وتكلم"، وكلمتا "منطق" و"نطاق" مستمدتان من الفعل نفسه. ويلاحظ وجود بعدين متناقضين: واحد موضوعي (حدود – منطق)، والآخر ذاتي (نطق – تحدَّث). وكلمة "استنطق" التي تعني حرفيا "يجعله يلفظ وينطق بوضوح" تحوي البعدين الموضوعي والذاتي. فنحن إذا قلنا "استنطق الناقد النص" فإننا نقول في واقع الأمر "إن الناقد قد جعل النص يبوح بمعناه وشكله". فالنص بدون الناقد لا يمكنه أن يقول (أو ينطق) بشيء. ولكن العكس أيضاً صحيح، فالناقد لا يمكنه أن ينطق أو يقول أي شيء بدون النص. إن الناقد الأدبي لا يمكنه أن يقول ما يود أن يقول دون عودة للنص، والنص لا يمكنه أن يبوح بمعناه بدون الناقد الأدبي. فكلمة "استنطق" تحل إشكالية الذات والموضوع والنص والواقع، فهي تقع في المنطقة التي تلتقي فيها الذات (الناقد) بالموضوع (النص)، (كل هذا يقف على طرف النقيض من المقولات الما بعد حداثية التي تتحدث عن موت المؤلف وموت النص، بحيث لا يبقى سوى الناقد وكأنه الذات المطلقة، أو سوبرمان نيتشه الذي يفرض رؤيته على النص). وعملية استنطاق النص ومحاولة تجاوز ثنائية الواقع الفني والواقع الموضوعي عادة ما تأخذ شكل محاولة الوصول إلى النمط المتكرر أو الموضوع الأساسي المتواتر الكامن الذي يضفي الوحدة على العمل، ويربط عناصره بعضها بالبعض، دون أن يكون موجودًا بشكل مباشر، وهو مفهوم وثيق الصلة بمصطلح "نموذج" (النموذج الإدراكي والنموذج التحليلي) والذي أرى أنه يحل كثيرا من المشكلات التي تواجه الناقد الأدبي ودارس الظواهر الإنسانية والاجتماعية الذي يود اكتشاف المضمون الاجتماعي أو الفكري أو الإنساني للنص، دون أن يتجاهل خصوصيته(12).
ويمكن تصور العلاقة بين النموذج الإدراكي الذي تم تجريده من النص موضع الدراسة على أنها علاقة حلزونية، إذ إن الباحث يولد هذا النموذج الإدراكي، لا من بنات أفكاره، وإنما عن طريق تعايشه وتفحصه للنص. وحينما يجرد الناقد النموذج الإداركي يجب ألا يكون النموذج على مستوى عال من التجريد بحيث يفقد الصلة مع خصوصية النص وتعيُّنه أو مع سياقه الإنساني والفكري والإنساني. حينئذ يمكن للناقد أن يقف على أرض صلبة نوعاً، ويتحرك داخل إطار بلغ قدراً معقولاً من التجريد والتحدُّد، فيحوِّل النموذج الإدراكي الذي قام بتجريده إلى نموذج تحليلي، وذلك بأن يقوم بتكثيفه وصقله وتنسيقه من خلال عمليات عقلية. ثم يعود إلى النص الذي قد يتحدى النموذج ويبين ضعف مقدرته التفسيرية، فيضطر الناقد إلى تعديله ويزيد صقله وتكثيفه. فالعملية النقدية هي حركة من النص إلى النموذج ومن النموذج إلى النص. وأثناء هذه العملية يزداد النموذج التحليلى كثافة ومقدرة على التفسير. ثم يحاول الناقد تفسير مضمون النص وشكله وبنيته ونبرته وكل عناصره، فإن استطاع النموذج تفسير عدد كبير من التفاصيل والعناصر والعلاقات وشكل النص وبنيته فإنه أثبت أن مقدرته التفسيرية عالية، وإن عجز فلابد من تغييره أو تعديله(13).
وبعد أن يجرِّد الناقد النموذج الكامن في النص ويتفهم قوانينه الخاصة يكون بذلك قد توصل أيضاً إلى رؤية الكاتب ذاته التي تشف عن خلفيته الفكرية، وربما عن تركيبيته النفسية، وعن الواقع الذي يحاول النص محاكاته. ولكنه حينما يصل إلى هذا الواقع لا يصل إلى واقع إحصائي مجرد، وإنما يصل إلى واقع اجتماعي عبَّر عن نفسه من خلال لحظة أدبية خاصة، وهي العمل الأدبي نفسه. وفي دراستي المقارنة بين روايتي زينب لمحمد حسين هيكل والأرض لعبد الرحمن الشرقاوي جردت النموذج الكامن كما يتبدى في موقف كلٍّ من الكاتبين من الطبيعة، ثم انطلقت من هذا النموذج لدراسة أفكارهما السياسية والاقتصادية ونشأتهما الاجتماعية وعلاقة هذه الأفكار بالتاريخ المصري. فالعملية التحليلية هنا تتجه من العمل إلى السيرة، ومن البنية الفنية إلى الواقع الاجتماعي(14).
ورغم الطبيعة الإنسانية لمنهج المسيري النقدي فإن مدرسة "النقد الجديد" لفتت نظره، وهي من مدارس التوجه الموضوعي في النظر للعمل الأدبي وهي شأن مثيلاتها لا تحيل القارئ إلى شيء خارج النص، فنقاد هذه المدرسة لا يلتفتون إلى الاعتبارات التاريخية أو الاجتماعية أو النفسية الخاصة بالمؤلف أو الحقبة التي يعيش فيها، بل يركزون، بالدرجة الأولى، على شبكة العلاقات المتداخلة بين الصورة الفنية والأفكار التي تكون العمل الفني. وتعتبر "المفارقة" و"التورية الساخرة" من الأدوات التحليلية الرئيسة لهذا الاتجاه، ويرى نقاده أن معنى القصيدة لا يوجد بشكل مستقل، وإنما داخل شبكة العلاقات المتداخلة في العمل الأدبي، ويعلق المسيري على هذه الرؤية النقدية قائلا: "برغم ادعاء أقطاب مدرسة النقد الجديد أن العمل الأدبي مكتف بذاته إلا أنه يمكننا رؤية الثوابت الإنسانية تؤكد نفسها. فشبكة العلاقات في القصيدة يفترض فيها أنها تماثل (تحاكي) بعض العلاقات الإنسانية في العالم الخارجي. أما "المفارقة" و"التورية الساخرة" فهما لم يأتيا من فراغ مجرد إنما من الموقف الإنساني، فهما تعبير عن الطبيعة الإنسانية المركبة التي لا يمكن اختزالها أو ردها إلى ما هو دونها"(15).
ويشير المسيري إلى أن عددا من نقاد هذه المدرسة النقدية يرون أن جذور "المفارقة" الأدبية ترجع إلى المفارقة المسيحية الخاصة بتجسد اللاهوت في الناسوت ثم صلب المسيح وقيامه، ويضبف المسيري متحدثا عن نفسه: "ولم يكن صعبا على طالب الدكتوراه المسلم العربي المصري القادم من دمنهور أن يتفاعل مع مثل هذه الرؤية، فقد رأى الثوابت الإنسانية العالمية في قلب الرؤية المسيحية، فهو ينتمي إلى كل ما هو إنساني"(16).
وبناء على هذا يؤكد المسيري أن النص لم يكن قط نظاما مغلقا على ذاته، فثمة انفتاح بين العمل الأدبي من ناحية ومن ناحية أخرى بين التنوع الثري للحياة الإنسانية. ولذا يرى المسيري أن على النظرية النقدية أن تتجاوز حدودها الجمالية الضيقة لتشمل "الثوابت الإنسانية" وهو يطلق على هذا التوجه النقدي الموضوعي: "النظريات الموضوعية المبكرة أو المنفتحة"(17).
وفي إطار قناعته الراسخة بوجود "الثوابت الإنسانية" كان يعيد قراءة النظريات النقدية بحثا عن هذه الثوابت في عمقها، فهو يكتب مثلا عن "البنيوية":
"كانت النظريات النقدية الموضوعية ترى العمل الفني باعتباره نسقا مكتفيا بذاته منغلقا عليها. وقد سمعت أول محاضرة عن البنيوية التي تنتمي لهذا الاتجاه الموضوعي المنغلق مع تصاعد حركة "الجنس العرضي" في الجامعات الأمريكية واتجاه الجيل الأمريكي الصاعد إلى الهروب إلى تدخين الماريجوانا والاستغراق في أحلامه بالفردوس الأرضي المكتفي بذاته ذي الصبغة الجنسية الواضحة. وفي هذه المحاضرة أطلق المحاضر العنان لمصطلحاته البنيوية مثل: "المقابلات الثنائية"، و"التخطيط"، و"العلاقات الرئيسة" و"الطاقة اللغوية" و"الكلام المنطوق" و"التزامن" أو "الآتية" و"التوالى الزمني" أو "التعاقب الزمني"، وما إلى ذلك من مصطلحات. وخلص في النهاية إلى الاستنتاج بأن الأعمال الأدبية تدور حول أعمال أدبية أخرى، وهو ما يعني أن كل النصوص المكتوبة تدور نصوص أخرى.. وهكذا. والإطار المرجعي لهذا المحاضر كان شكلا من أشكال وحدة الوجود النصوصية حيث جميع النصوص تؤول إلى نص واحد وبالعكس ... .. ..ورغم تفاخر البنيوية باتجاهها العلمي أو العلموي المعادي للمذهب الإنساني (الهيوماني) بنظامها المغلق الذي يتسم بالصرامة الرياضية فإن الثوابت الإنسانية قد أكدت نفسها في نهاية الأمر. فبالإضافة إلى الاتجاه البنيوي اللغوي الذي يحاول إذابة أي عمل أدبي وتحويله إلى تركيبات نحوية ومعادلات وأشكال هندسية والتي تذهب إلى أن اللغة تسبق الإنسان والفكر، يوجد أيضا الاتجاه الأنثروبولوجي الذي يحاول الوصول إلى أسطورة الأساطير (الأسطورة المطلقة) وإلى بنية كل البنى (البنية المطلقة) وهل يختلف هذا كثيرا عن عالم المثل الذي طرحه أفلاطون والذي يمثل عالمنا نحن مجرد ظل له؟ والغرض من البحث البنيوي هنا ليس مجرد التلاعب بالألفاظ والنماذج اللغوية، إذ أن المعنى المقصود ينبع من فكرة التماثل أو التجانس بين كل البنى التي تكوِّن المجتمع الإنساني. فثمة تماثل بين طريقة سرد الأسطورة وبناء العقل البشري، ولذا يمكن لأسطورة الأساطير وبنية البنى أن تقودنا إلى فهم بنية العقل الإنساني. وقد نتفق أو نحتلف مع هذه الفكرة الطموحة إلا أن الأهم في سياقنا الحالى هو وجود الثوابت الإنسانية العالمية في مركز كل هذا، فهي الركيزة الأساسية والمرجعية النهائية أو اللوجوس التي تمنح العمل الأدبي والنقدي بل العالم بأسره معناه وتماسكه الداخلي، أي أن البنيوية متمركزة حول اللوجوس (مرجعية نهائية ركيزة أساسية). ولعل البنيوية كانت آخر النظريات النقدية الموضوعية المبكرة أو المنفتحة. فنظريات ما بعد البنيوية، حاولت أن تفلت تماما من قبضة التمركز حول اللوجوس أو أية مرجعيات أو ثوابت، واللوجوس في حالة البنيوية هو العقل الإنساني. وبدلا من الكون المتمركز حول اللوجوس ووجود الثوابت الإنسانية كمرجعية مطلقة ظهرت مرجعيات مختلفة، منغلقة على نفسها مكتفية بها"(18).
وهذا النص يكشف عن سمة من أهم سمات المنهج النقدي للمسيري هي التعميق المعرفي والغوص في الثوابت التي تأسست عليها المذاهب الأدبية المختلفة وصلتها بعالم الأفكار بمعناه الواسع، فمثلا قاده هذا التعمق إلى أن الرومانسية تحاول تأسيس علاقة مباشرة بين الإنسان والطبيعة دون تدخل أو وساطة، وخارج إطار المجتمع الإنساني والتاريخي، أي أن جوهر الوجدان الرومانسي شكل من أشكال المباشرة الوثنية حيث يدرك الشاعر الطبيعة بحواسه مباشرة، ويضيف المسيري: "مثلما كان الإنسان الوثني الأول يفعل، بمعنى أنه يعيش بين في وحدة وجود مادية، ومن ثم لا توجد مسافة بين الذات والموضوع أو بين، الإنسان والطبيعة، أو بين العقل والمادة. فكأن الإنسان يعيش خارج الزمان والتاريخ".(19)
وقد شكلت الحداثة أحد أهم القضايا التي شغلت المسيري كناقد كما شغلته كمفكر، وهو يرى أن يجب التمييز بين تيارين أساسيين داخل الحداثة الأدبية، فمصطلح الحداثة مصطلح عام يفترض أن كل الأدباء الحداثيين يسبحون داخل التيار نفسه، وهو يعتقد أن هناك خللا في هذا الافتراض. ويضيف: "في دراستي للفلسفة الغربية لاحظت وجود تيارين أساسيين منذ بداية المشروع التحديثي الغربي، فهناك "الرؤية المتمركزة حول الإنسان" وهناك أيضا "الرؤية المتمركزة حول الطبيعة" (أي المادة). وما أراه أن الخطاب الفلسفي الغربي يمكن فهمه بشكل أعمق لو أحللنا كلمة "مادة" محل كلمة "طبيعة". ولذا حينما نتحدث عن الإنسان الطبيعي يجب أن نتحدث، في واقع الأمر، عن الإنسان المادي، أي الإنسان الذي يعيش في حيز مادي يدركه بحواسه الخمس ويدركه بعقله المادي دون أن يهيب بأي مقولات خارجة عن هذا الحيز. وقد ميزت بين "العلمانية الجزئية" و"العلمانية الشاملة"، وانطلاقا من هذه الرؤية، أذهب إلى أن العلمانية الجزئية متمركزة حول الإنسان، ولذا يمكن أن نطلق عليها العلمانية الإنسانية أو العلمانية الأخلاقية، أما العلمانية الشاملة فهي متمركزة حول المادة، لا تؤمن إلا بحركة المادة وقوانين الطبيعة. ولذا فالعالم يصبح مادة نسبية لا قداسة لها، ولا تسمح بوجود معايير جمالية ومطلقات إنسانية، نصدر عنها ونعود اليها. وحينما يقوم الفنان الحداثي المتمركز حول الإنسان بعملية التجريب فهو دائما تجريب مضبوط بمعايير جمالية وإنسانية وأخلاقية قد تكون حديثة وثورية وجذرية، لكنها تظل ملتزمة بفكرة المعايير وفكرة القيمة. وعلى مستوى الشكل ألاحظ أن هذا النوع من الحداثة الفنية يلتزم بحدود الشكل، لا يحطم الشكل تماما، ولا يسقط في عدمية جمالية، تدمر الدال والمدلول، وتمحو الشكل والمضمون. ويلاحظ أن من يدور في إطار هذه الحداثة المتمركزة حول الإنسان يحتفظ بما يمكن تسميته الغاية والهدف. ولذا يظل هناك في عمله الفني مضمون، قد لا يكون واضحا بالضرورة، لكن يظل هناك مضمون ما. ولأضرب مثلا على ذلك بأدب بهاء طاهر ورضوى عاشور، فكلاهما حداثي بلا شك، لكن ثمة حبكة في روايتهما ولغة مفهومة لم تتفكك لتتحول إلى صيحات ألم أو لذة جنسية أو غير جنسية، ولا يزال الإنسان هناك واقفا في مركز الكون، ولايزال هناك تاريخ وذاكرة وهدف.وهناك آخرون مثل إبراهيم عبد المجيد ومحمد البساطي وغيرهم وغيرهم ينتمون لهذا التيار الحداثي الإنساني. في مقابل ذلك أرى الحداثة المتمركزة حول الطبيعة/ المادة، وهي عكس ما سبق، فهي تقوم بعمليات تجريب لا متناهية تتسم بالعدمية الجمالية، وتحاول أن تفجر الشكل والمضمون معا، وعالمها يتضاءل فيه الإنسان إلى أن يختفي فندخل في عالم يسود فيه قانون الأشياء والطبيعة. وهناك الكثيرون ممن يمثلون هذا التيار في العالم العربي ممن يكتبون بلغة خاصة للغاية تصل "فرادتها" إلى درجة لا يمكن أن نسميها لغة على الإطلاق. وهؤلاء يقومون بتجارب لا نهاية لها تدل على غياب الهدف والمعنى. وللأسف هذا النوع من "الحداثة" هو الذين هيمن في الغرب إلى أن أفرز "ما بعد الحداثة" حيث تسقط المعيارية تماما، وتسود النسبية الأخلاقية والمعرفية والجمالية ولا يبقى إلا العدم. أو لا يبقى سوى "الأبوريا" وهي الهوة التي ما لها من قرار، والتي يرى دريدا وغيره من مفكري "ما بعد الحداثة" أنها الثابت الوحيد"(20).
وعلى هذه الخلفية يعتبر المسيري أن محمود درويش أهم شعراء الحداثة العرب، وواحد من أهم شعراء العالم. أنه ينتمي إلى تلك الحداثة المتمركزة حول الإنسان. ولذا يظل شعره يدور حول الإنسان. قد يبدأ بالإنسان الفلسطيني، وقد يعمم ليصل إلى الإنسان العربي، لكن يظل فضاء شعره الأساسي هو الإنسان. فنحن، في شعره، نطالع وجه الإنسان في أقصى لحظات وعيه بذاته. ويظهر هذا أيضا في لغة شعره، فهي لغة فريدة إلى أقصى حد، لكنك تسمع إيقاعات الشعر العربي القديم كما تسمع أصداء من الشعر الحديث عربياً كان أم غير عربي. ويتسم شعره عامة بالوضوح، ولكن ثمة نماذج عديدة من شعره تتسم بغموض محبب. إن صوت درويش صوت فريد، لكن يوجد داخل هذا الصوت نبرات عديدة، فدرويش عنده مقدرة غير عادية على هضم كل التجارب واستيعابها ثم التعبير عنها. وتتضح أيضا حداثته المتمركزة حول الإنسان في أن لغته مفهومة، وأن صوره الشعرية محددة المعالم، هذا لا يعني أنها بسيطة أو ساذجة، فهي مركبة إلى أقصى حد، لكنه تركيب ناجم عن عقل يؤمن بالمعنى وبالغاية وبإمكانية الجهاد الذي يمكن أن يحول واقعا غير عقلاني إلى واقع عقلاني، أي إنه يؤمن بإمكان إقامة العدل في الأرض. وهذا ما لا يمكن أن يشاركه فيه الحداثيون الذين يعيشون في قصصهم الصغيرة، كما يقولون، من دون إيمان بمعنى كلي شامل(21).
وفي إطار إنحياز عبد الوهاب المسيري إلى خيار القول بوجود صلات بين العمل الأدبي وعالم الإنسان بالمعنى الواسع كان من الطبيعي أن يطرح سؤال حرية الإبداع نفسه عليه، وهو ينتقد القول بأن حرية الإبداع مطلقة، فالإبداع ليس مطلقا يتجاوز الإنسان، وحرية الإبداع لابد من أن يقابلها حرية المجتمع في أن يدافع عن نفسه وعن قيمه. يقولون إن الفيديو كليب إبداع، ولكن نحن بوصفنا مجتمعا إنسانيا يحق لنا الدفاع عن أنفسنا، يحق لنا أن نقدم رؤيتنا: هل المرأة جسد يهتز؟ أم أنها غير ذلك؟ رؤيتنا للإنسان، باعتبارنا بشراً ومسلمين، مختلفة عن هذه الرؤية الاختزالية المادية. فمن حقنا أن نقف ضد هذا، ليس بالضرورة من خلال الحكومة، ولكن من خلال جمعيات مدنية. إن الإبداع حول نفسه إلى مطلق، وهذا نوع من أنواع العلمنة الشاملة الشرسة(22).
ويستطرد المسيري: "إن العلمانية شكل من أشكال الحلولية ووحدة الوجود المادية. وقد بدأت عملية الحلول في المجال الاقتصادي، فأصبح معيار الحكم على الاقتصاد معيارا اقتصاديا، مستمدا منه، وهو مدى النجاح الاقتصادي بغض النظر عن الثمن الإنساني، أي أن الاقتصاد أصبح مكتفيا بذاته، مرجعية ذاته، أي أنه أصبح مطلقا، ثم انتقل الأمر إلى السياسة، وإلى كل مجالات النشاط الإنساني الأخرى، بحيث أصبح كل مجال منفصلا عن أي مرجعية إنسانية عامة. وقد حدث هذا في مجال الفن، فالفن أصبح مرجعية ذاته ومكتفيا بذاته وأصبحت معايير الحكم عليه فنية، مستمدة منه، أي أن الفن أصبح مطلقا مؤلَّها. الفن الحداثي مثل جيد على ذلك، فلو عُرضت علىَّ قصيدة من هذا الفن – ورغم أني أستاذ شعر – فإنني أحتاج إلى أشهر حتى أفهمها، وكأن الشعراء كهنة، وكأن الشعر موضع حلول وتحفه الأسرار. أنا باعتباري إنساناً اجتماعياً أرى أن الفن ليس للفن، إنما للجميع، وحينما يفقد الفن علاقته بالواقع وبالإنسان، فمن حقي كإنسان وككائن اجتماعي أن أتصدى له، خاصة إذا كان هذا العمل الفني (الإبداع الفني) معاديا للإنسان وللقيم الإنسانية(23)".
بل إن المسيري يذهب إلى أبعد من ذلك معتبرا "حرية الإبداع" صيحة يطلقونها في وجه كل من يتجرأ ويحتج على رأى ما. ثمة رقابة على السلع وعلى جودتها وتاريخ إنتاجها، ورقابة على حركة المرور وعلى الجمارك. فهل يمكن أن نترك أمورا تؤثر في الأخلاق والأحلام والرؤية دون رصد أو مراقبة؟ يجب ألا تكون القضية هي حرية الإبداع كمطلق وإنما كيف يمكن أن يمارس المجتمع ككل الرقابة دون أن يخنق الإبداع، لأنه لو خنق الإبداع اختنق المجتمع. لكن لو أطلق العنان لحرية الإبداع فإن المجتمع سيتفكك. ويكشف المسيري عن اهتمام آخر وثيق الصلة بالإبداع الأدبي والفني هو الأزياء فيقول: "قد لا يعرف الكثيرون أن إحد اهتماماتي تطور الأزياء، وبالذات أزياء النساء، إذ أحاول رصد تطورها كتعبير عن تطور الرؤية الحضارية للإنسان. وقد لاحظت أن ملابس النساء تزداد في الغرب انكماشاً يوماً بعد يوم من الميني سكيرت إلى المايكرو إلى البلوزةالتي تكشف البطن إلى أن وصلنا إلى ما سمّاه أحد الصحفيين the well-undressed woman أي المرأة قليلة الهندام، في مقابل المرأة حسنة الهندامthe well-dressed woman . (ولعل أحسن ترجمة لهذه العبارة، هي عبارة عادل إمام الشهيرة" لابسة من غير هدوم"). ومؤخرا سمعت عن عرض أزياء لما يسمى "مايكرو ميني سكيرت" micro mini skirt وهي جونلة أو فستان قصير لدرجة أنه يكشف أكثر مما يغطي. أي أن الرداء فقد وظيفته الأساسية. ولا أدري ما شكل هذا الرداء لأنني سمعت عنه ولم أره. وحين أخبرت أحد مصممي الأزياء عن اعتراضي على الأزياء التي لا علاقة لها بأي دين أو ثقافة أو ذوق، قال إن هذه أعمال فنية، وأن اعتراضي هذا يعد شكلاً من أشكال الرقابة على حرية الفكر والإبداع، هذا المطلق العلماني الجديد. وهنا سألته: اليس من حق المجتمع أن يدافع عن نفسه ضد أي اتجاهات تفكيكية عدمية؟ وقد صُدم صاحبنا من هذا الطرح الذي لم يطرأ له على بال، لأنه لا يدرك (شأنه شأن المثقفين الذين يدافعون عن الحرية المطلقة للإبداع) أنها رؤية بورجوازية تجعل الفرد مرجعية ذاته (تماماً مثل رأس المال الذي يتحرك في السوق بكامل حريته، لا يخضع إلا لقوانين مادية الية غير إنسانية غير اجتماعية هي قوانين العرض والطلب والربح والخسارة). ولكن المجتمع ليس هو السوق، فالمجتمع كيان مركب متماسك يتسم بقدر من الوعي، وله أسبقيته على الفرد مهما بلغت درجة إبداع هذا الفرد، فالفرد ينتمي إلى المجتمع وليس المجتمع هو الذي ينتمي إلى الفرد، إلا إذا كان مجتمعاً شمولياً. إن بعض المثقفين الثوريين انساقوا وراء هذه الدعوة للحرية المطلقة للإبداع والمبدعين، دون أن يدركوا تضميناتها الفلسفية المعادية للإنسان وللمجتمع. عندئذ لزم مصمم الأزياء الصمت، خاصة وأنه كان يعرف أن خمسة من كبار مصممي الأزياء ماتوا منذ عدة أعوام، من مرض الإيدز، وكانوا جميعهم من الشذاذ جنسياً، فسارعت مصانع الأزياء بالتعمية على الخبر حتى لا تتأثر أرباحهم سلباً، أى أنهم أدركوا البعد غير الاجتماعي غير الأخلاقي غير الإنساني لإبداع مصممي الأزياء، باعتباره إبداعاً لاينتمي إلى المجتمع"(24).
وهو يتهم من يدافعون عن حرية التعبير بلا حدود بأنهم جعلوا الفن مطلقاً، سحبوا الإطلاق من أي قيم مطلقة (أخلاقية كانت أم إنسانية أم دينية) وجعلوها شأناً خاصاً، وأمرا من أمور الضمير، وتصوروا أن القيم الأخلاقية توجد في قسم خاص في وجدان الإنسان منفصل تماما عن عالم السياسة وعالم الاقتصاد وعالم الاجتماع الإنساني، (وكأن الضمير الفردي لا علاقة له برقعة الحياة العامة). ولذا حين يتم تناول ظاهرة ما فهي إما أن تكون ظاهرة خاصة خاضعة لقيم أخلاقية ما، أو ظاهرة في رقعة الحياة العامة ومن ثم فهي منفصلة عن القيمة. ولكن هذه – والكلام للدكتور عبد الوهاب المسيري – رؤية سوقية للعالم وللنفس البشرية، فالإنسان كائن مركب، وكذا الفعل الإنساني. فالأبعاد الأخلاقية تتداخل مع الأبعاد السياسية والاقتصادية والنفسية والفردية تتداخل مع الأبعاد الاجتماعية. ويرى هؤلاء الذين يفصلون الأخلاق عن بقية مجالات الحياة أنه لو ظهرت الأخلاق في الحياة العامة فإن هذا مظهر من مظاهر التخلف، وفي ذهنهم بطبيعة الحال المشروع العلماني الغربي. إن مشروع النهضة العربي في بداياته جعل شعاره اللحاق بأوروبا، بحلوها ومرها، وخيرها وشرها، وكأننا ببغاءات عقلها في أذنيها(25).
وهذه الهرولة للحاق لأوروبا كانت لها في رأي المسيري بصمات على الفكر النقدي العربي المعاصر حيث تركت هزيمتنا أمام الغرب بصماتها الواضحة على مسار هذا الفكر، فبعد هزيمتنا على يد العالم الغربي في مطلع القرن التاسع عشر، يعني أصابتنا حالة انشغال مرضي بكل الحركات الفكرية والأدبية في الغرب، وهو انشغال لا يؤدي بالضرورة الى الإبداع. فمثلا، فكرة "الوحدة العضوية"، فكرة أصيلة في التراث الغربي، دخيلة على النظرية النقدية العربية، ومحاولة نقلها، ثم تطبيقها على تراثنا، فيه ظلم للفكرة ولتراثنا معا. ويضيف المسيري: الوحدة الفنية السائدة في تراثنا أسميها "الوحدة التكاملية غير العضوية" (فلا هي بالعضوية، ولا بالالية) أو "الوحدة الفضفاضة". انظر أيضا ماذا فعلت "البنيوية"ثم "التفكيكية" بنا، وكيف نبدِّد طاقتنا في محاولة فهمهما وإدراكهما وترجمة نصوصهما الأساسية، بل كيف نجهد أنفسنا غاية الإجهاد لتطبيق مفاهيمهما والياتهما التحليلية على كل من التراث وحاضرنا العربي. وحين نوشك على الانتهاء من هذه العملية تكون قد ظهرت عدة حركات أخرى في العالم الغربي!(26)
وهو يرسم صورة للمأزق الذي أدى اليه منطق "اللحاق بالغرب" قائلا: "لقد كانت تظهر في العالم الغربي مدرسة فكرية أو نقدية واحدة كل قرن: الكلاسيكية في القرن الثامن عشر، والرومانسية في القرن التاسع عشر. ثم مع نهاية القرن الماضي بدأ المعدل يتصاعد، إذ بدأت تظهر حركة نقدية كل عقدين أو ثلاثة. والآن ظهر ما لا يقل عن عشر حركات نقدية في العقدين الماضيين، بمعدل حركة كل عامين! وهذا تعبير عن أزمة حضارية حقيقية وعميقة في الغرب تأخذ شكل هذا التضخم العقائدي. ولكن ما يهمني تأكيده الآن هو أننا نظرا لانشغالنا الزائد بما يحدث في الغرب، ننصرف عن فهم إنجازات بقية العالم الحضارية".

هوامش وإحالات
(1) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(2) صدر عن مكتبة الشروق الدولية – مصر – يناير 2007.
(3) في الأدب والفكر: دراسات في الشعر والنثر – الناشر: مكتبة الشروق الدولية – القاهرة – 2007.
(4) د. المسيري..مفكر بدرجة ناقد أدبي – مصطفى عبد الغني – دراسة – مجلة أوراق فلسفية – مجلة غير دورية علمية محكمة – مصر – العدد 19 – 2008 – عدد خاص عن الدكتور المسيري – ص 417 – 418.
(5) د. المسيري..مفكر بدرجة ناقد أدبي – مصطفى عبد الغني – دراسة – مجلة أوراق فلسفية – مجلة غير دورية علمية محكمة – مصر – العدد 19 – 2008 – عدد خاص عن الدكتور المسيري – ص 419 – 420.
(6) رحلة المسيري: من نقد الأدب الأنجلوسكسوني إلى نقد الحضارة الغربية – صلاح حزين – دراسة – منشورة في: في عالم عبد الوهاب المسيري: حوار نقدي حضاري – تحرير: الدكتور أحمد عبد الحليم عطية – تقديم: محمد حسنين هيكل – المجلد الثاني: دراسات وشهادات – دار الشروق – مصر – الطبعة الاولى 2004 – ص 183 – 184.
(7) رحلة المسيري: من نقد الأدب الأنجلوسكسوني إلى نقد الحضارة الغربية – صلاح حزين – دراسة – منشورة في: في عالم عبد الوهاب المسيري: حوار نقدي حضاري – تحرير: الدكتور أحمد عبد الحليم عطية – تقديم: محمد حسنين هيكل – المجلد الثاني: دراسات وشهادات – دار الشروق – مصر – الطبعة الاولى 2004 – ص 183 – 184 بتصرف.
(8)حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(9) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(10) المصدر السابق.
(11) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(12)حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(13)حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا علىه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري – بتصرف واختصار.
(14) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري. والدراسة المقارنة المشار اليها منشورة في: في الأدب والفكر: دراسات في الشعر والنثر – د كتور عبد الوهاب المسيري – مكتبة الشروق الدولية – مصر – 2006 – ص 89 – 101.
(15) د. المسيري..مفكر بدرجة ناقد أدبي – مصطفى عبد الغني – دراسة – مجلة أوراق فلسفية – مجلة غير دورية علمية محكمة – مصر – العدد 19 – 2008 – عدد خاص عن الدكتور المسيري – ص 420 – 421.
(16) د. المسيري..مفكر بدرجة ناقد أدبي – مصطفى عبد الغني – دراسة – مجلة أوراق فلسفية – مجلة غير دورية علمية محكمة – مصر – العدد 19 – 2008 – عدد خاص عن الدكتور المسيري – ص 421.
(17) د. المسيري..مفكر بدرجة ناقد أدبي – مصطفى عبد الغني – دراسة – مجلة أوراق فلسفية – مجلة غير دورية علمية محكمة – مصر – العدد 19 – 2008 – عدد خاص عن الدكتور المسيري – ص 421.
(18) د. المسيري..مفكر بدرجة ناقد أدبي – مصطفى عبد الغني – دراسة – مجلة أوراق فلسفية – مجلة غير دورية علمية محكمة – مصر – العدد 19 – 2008 – عدد خاص عن الدكتور المسيري – ص 422 – 423 – بتصرف يسير.
(19) دراسات في الشعر – عبد الوهاب المسيري - مكتبة الشروق الدولية – مصر – يناير 2007 – ص 13.
(20) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(21) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(22) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(23) المصدر السابق.
(24) حوارات مع الدكتور عبد الوهاب المسيرى – إعداد وتحرير: سوزان حرفي – كتاب قيد النشر حصلنا عليه مخطوطا من الدكتور عبد الوهاب المسيري.
(25) المصدر السابق.
(26) المصدر السابق.