3 زعامات دينية ذهبت واحدة وبقى اثنان !

3 زعامات دينية ذهبت واحدة وبقى اثنان !

هذه سلسلة من المقالات عن السودان وعن اسرار السياسة فيه، يكتبها الاستاذ احمد يوسف هاشم مراسل صحف دار اخبار اليوم ونقيب الصحفيين في السودان.. لقد عاصر بنفسه الاحداث.. وهو يرويها كما رآها، وكون لنفسه اراء خلالها وهو يذكر اراءه كما كونها.. حتى وان كانت تخالف اراء "آخر ساعة".

لقد أذنت شمس المهدية بالمغيب، ودخل اللورد كتشر الخرطوم فاتحا باسم مصر وخديو مصر وجند مصر ومال مصر. وفي حقيبته خطة احكم وضعها وترتيبها ليؤول السودان كله الى نفوذ الانجليز وحدهم... خطة اصلح الاستعمار البريطاني فيها جميع الاخطاء التي ارتكبها ضد مصلحته في المستعمرات الاخرى.
وفي قلبه – قلب اللورد – حقد دفين على قاتلي غردون، اولئك الذين قرعت قواتهم ابواب اسوان.
وجاء الخديو عباس الثاني الى الخرطوم في سنة 1904 فايد نفوذ الانجليز بما اعلن عن نيابة الحاكم العام له، وكان الحكم عرفيا، ومن الطبيعي ان يكون كذلك، فالبلاد خارجة من ثورة دينية عارمة، والموت في سبيل الله كان غاية كل انسان!! وكان الاستشهاد مفخرة يتسابق اليها الجند. فلم تكن الحالة اذن تحتمل وجود (الكفار) حاكمين ولو فنى الناس جميعا، ولكن اسم مصر المسلمة وكيلة خليفة المسلمين العثماني على السودان قد مهدت الطريق.
سلم كتشنر الخطة الموضوعة الى خلفه ونجت، ومستشاره اسلاطين النمساو الذي اعتقلته المهدية وجعلت منه مؤذنا.
وهنا بدا التنفيذ فقسم السودان الى مديريات وضعت السلطة فيها بيد الانجليز، وكان الضباط المصريون من "المأمير" اداة التنفيذ.

اساس الخطة:
وكان الاساس الاول للخطة هو القضاء على روح المهدية الثائر – ولا يفل الحديد الا الحديد – فكان لا بد ان يقاوم الروح الديني بروح مثله، ولكنه روح هادئ مسالم يلائم ما اصاب اهل البلاد من وهن وضعف دون ان يؤذي نزعتهم الدينية المتأصلة، وهنا ايضا كان لمصر المسلمة نصيب!
وكانت الخطة منذ اليوم الاول تهدف الى تمكين القاعدة الذهبية "فرق تسد" من اداء دورها عند اللزوم. وقد ادته فيما بعد تأدية كاملة، وهاهم الانجليز يجنون اليوم ثمرها الحلو، ويجني السودانيون ثمرها المر.
كيف يقاوم روح المهدية الناثر اذن!!
يقاوم باهل العلم واهل الدين.

السيد علي الميرغني
ولم يعد سرا ان بين المهدية والطريقة الختمية عداء، فمنذ قامت الدعوة المهدية وبعث الامام المهدي الى السيد محمد عثمان الميرغني – والد السيد علي – كتابه المشهور الذي قال فيه "يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين"  حتى ان السيد محمد عثمان غادر السودان هو واسرته على اثر ذلك متجها نحو مصر، وتوفى قبل ان يصل الى القاهرة.. منذ ذلك الحين والمهدية والختمية على طرفي نقيض.. وكان يدين للختمية اهالي الشمال والشرق بالعقيدة، ولكن المهدية في امتدادها اكتسحت الطرق جميعا وظل السودان 16 عاما لا يعرف غير طريق المهدي. وكان طبيعيا ان يستعين الجيش الفاتح بالسيد علي الميرغني وله في السودان ولاء، وله مع المهدية ثأر، فجاء مع الجيش وكان لنفوذه الديني وما امد به من اسباب النفوذ الرسمي القدح المعلى في استتباب الحالة، وجعلته الحكومة زعيم السودان الأول ومنحته لقب سير، وكان الانتماء اليه جواز المرور لدى رجال الحكومة في كل مكان.

السيد المهدي:
وكان السيد عبد الرحمن المهدي اسيرا الى سنة 1908 في جزيرة الفيل بضواحي وادمدني، وقد مرت به صنوف الكوارث، وقتل اخوته امام عينيه رميا بالرصاص في حادث (الشكاية) المشهور.
ولكن السيد عبد الرحمن لم يفقد الموالين للمهدية ممن كانت لهم بعض الكلمة، وقد رأت الحكومة بعد ان بذلت كل ما لديها من نفوذ وسلطان، ان روح الولاء للمهدية لا يزال كامنا في النفوس كالنار تحت التراب انه يحسن ان تكون بمجهود اخر من نوع آخر علها تقضي على روح المهدية من جهة، وتخلق عامل التوازن او عامل النزاع بين السودانيين من جهة اخرى، فاستدعت السيد عبد الرحمن المهدي الى الخرطوم في ذلك العام ووجهت اليه بعض اتهامات لتخيفه، مم انها عرضت عليه بوساطة الشيخ المراغي، قاضي القضاة في ذلك الحين، ان يؤسس طريقة جديدة باسم الطريقة الرحمانية ويطرح عنه اسم المهدية والانتماء اليها. وضمنت له، ان هو فعل ذلك، كفالة حياته وحياة ابتسالة في رغد ونعيم.
ولكنه رفض ذلك، وكان له من كبار العلماء ذوي المناصب الرسمية حينذاك سند واي سند. فثار "سلاطين" وكان حقده على المهدية التي اذلته لا ينتهي عند حد، وحاول ان ينفيه من الارض، ولكن لم يتم له فصده، وسمح للسيد عبد الرحمن ان يبقي في ام درمان تحت المراقبة ولا يغادرها، ولعل قليلين جدا، حتى في السودان نفسه، هم الذين يعلمون ان حالة الحصار على تحركات السيد عبد الرحمن لم ترفع حتى الان تماما، فلا تزال مناطق كثيرة لم يسمح له بزيارتها، بل انه الى سنة 1940 لم يكن مسموحا للصحف في السودان ان تكتب كلمة (ال المهدي).
وتاريخ السيد عبد الرحمن في عهد الحكم الحاضر سلسلة من المضايقات والمتناقضات، ذلك لان اهداف السياسة البريطانية الغامضة تريد منه ان يكون شيئا والا يكون شيئا!!
وكانت قوة الرجل تتجلى في كسب اعدائه الى جانبه.
وكانت الحرب العالمية الاولى من العوامل التي ساعدت السيد عبد الرحمن ومهدت له الطريق ولكن الدسائس حوله لم تنقطع، حتى انه اعتقل في داره بالخرطوم في سنة 1923 بسبب وشاية قال فيها اصحابها انه يعمل للقيام بحركة ثائرة ضد الحكومة.
لم يكن طريق السيد عبد الرحمن اذن مفروشا بالرياحين، بل لا يزال في طريقه الكثير من الاشواك، ولكن الرجل استطاع ان يقاوم عوامل الزمن جميعا، وان يحتفظ بتاريخ ابيه واسمه ، وان يحيى ويجدد امجاده. ولم يكن هذا الا بصراع عنيف مستمر تعددت اسلحته..

الشريف يوسف الهندي
وهناك زعيم ديني ثالث صنو لهذين الزعيمين، وهو الشريف يوسف الهندي وقد توفى منذ اعوام..
كان هذا الزعيم من ذوي الشيعية الدينية في جهات نهر الرهدو البطانة وكان المؤيدين للمهدية عندما قامت، ويظهر ان سلاطين كان يحقد عليه ايضا، فاستدعاه الى الخرطوم في سنة 1908 منهما اياه بالعمل على القيام بثورة دينية، وكان الشريف شجاعا ذكيا، فوكنت له محكمة من العلماء لادانته، وتولى سلاطين "باشا" الاتهام ولكن المحكمة رأت الاكتفاء بان يقيم تحت المراقبة بام درمان، فاقام هناك الى ان ارتجل الى قرية يرى بضواحي الخرطوم، وهناك اسس مسجداً، وكان اعتقاله سببا في ازدياد اتباعه وعطفهم عليه، حتى بلغ في مدة وجيزة مرتبة الزعيم الثالث.
وفي سنة 1919 كان احد اعضاء الوفد الذي سافر الى لندن للتهنئة بالنصر، وفي سنة 1923 كلفه الانجليز بمهمة خطيرة في الحجاز تتعلق بالملك حسين، ولكنه لم ينجح فيها اذ رفض الملك حسين عروض الانجليز. وعاد من هناك ثائراً على الانجليز واعتصم بداره. وفي سنة 1926 عندما منح السيد عبد الرحمن المهدي والشيخ على النوم، احد زعماء القبائل الكبرى، لقب سير، غضب الشريف غضبا شديداً ، وقطع التليفون من داره وانزل العلم الانجليزي الذي كان يخفق عليها، ولكنه عاد في ايامه الاخيرة الى الاتصال بهم في حدود ضيقة واحكم الصداقة بينه وبين السيد عبد الرحمن المهدي، وكان من قبل يميل الى جانب السيد علي الميرغني.
في هذه الاجواء، وفي تلك الظروف، تكونت الرياسات الدينية.. كان الامر صراعا مستمرا يدير الانجليز رجاء، تارة في السر وتارة في العلن، وقد اقاموا عناصر الخلاف بين هؤلاء الزعماء منذ اليوم الاول على التنافس وامسكوا خطوط الترجيح بين اناملهم، ومن الملاحظ انهم صبغوا هذا الخلاف منذ اللحظة الاولى بالدين والسياسة.
ويواجه السودان الان، وقد شبه عن الطوق، هذا الخلاف بين الزعيمين الكبيرين، وكذلك فان انجال الزعيم الثالث يحاولون الان اعادة كيانهم تحت ستار ديني سياسي ايضا، ولكن الزمن لم يعد ينتظرهم...

الزعماء والخريجون
ان عنصر الصلة بين الزعماء وبين الخريجين عنصر عام في بحثنا، ونقصد بالخريجين خريجي المدارس او الطبقة المتعلمة التي كان يرجى ان تكون ميزانا للحياة السياسية.. وقوة شعبية واعية على غرار يختلف كل الاختلاف عن التكوين السياسي عند الزعماء الدينيين، فقد كانت نشأتهم وثقافتهم على نمط جديد. وجاءت الحرب العالمية الاولى ففتحت افاق هذه الطبقات في الشعوب الصغيرة، وكانت البداية تبشر بالكثير. ففي سنة 1918 افتتح نادي الخريجين بام درمان، وقال رئيسه في ذلك الوقت المستر سمنون وكيل مصلحة المعارف قولته المشهورة: "ان هذا النادي سيلعب دورا مهما في تاريخ هذه البلاد.".
وبرز الخريجون كطبقة قائمة بذاتها، تنجو في الحياة نحوا خاصا، وعمر النادي بالمثقفين من ابناء البلاد وجعلوه قبلتهم. وكانت حركة سنة 1919 في مصر بعثا جديدا لروح جديد في محيط هذه الطبقة.
واخذت الجمعيات الخاصة تتفرع من هذا النادي.. فهذه جمعية للمناظرة، وذلك للفن، وثالثة للاجتماع والسياسة وهكذا.. ولم يكن في مقدور كائن في السودان ان يتجاهل هذه المجموعة الجديدة الواعية، ولم يكن الانجليز في غفلة عن هذه الطبقة الجديدة، وقد اعدوا عدتهم لكل احتمال. وكان مفتاح حياتها في يدهم فهي طبقة الموظفين!!
وظل نجم هذه الطبقة في صعود واوشكت ان تستقل بالنفوذ الاجتماعي في العواصم الكبرى في نسق جديد من الاتجاه نحو حياة ارقى واسعد.
وجاءت سنة 1931 تحمل بين طبقاتها عوامل "فرق تسد" فانقسم الخريجون الى معسكرين تزعم احدهما محمد علي شوقي ومحمد صالح الشنفيطي وهما الان من مناصري "المهدي". وتزعم الاخر المفتي الشيخ احمد الفيل والدرديري محمد عثمان، وصارا فيما بعد من مناصري "الميرغني".
وفجأة لجأ كل فريق الى الاستعانة باحد الزعيمين الكبيرين، ودارت رحى المعارك الانتخابية لرياسة النادي، فاتت على الاخضر واليابس، وكانت النتيجة ان انقص سامر النادي الذي كان املا من امال البلاد في نهضتها الحديثة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يلتئم لهذه الطبقة جرح. ولكن كان رمق الحياة فيها لا يزال يتردد الى ان تهيأ جيل جديد من الشباب محاولا ان يسترد المجد الضائع! فكان مؤتمر الخريجين العام الذي اجتماع حوله المتعلمون جميعا وحرصوا على نجاحه، وكان ذلك بعثا سياسيا اوحته معاهدة سنة 1926، فان المؤتمر كان نتيجة مباشرة لنقاش طويل عن موقف السودان بعد معاهدة سنة 1926  وتكتلت القوى كلها في المؤتمر، ولكن لا تزال في النفوس سخائم خلافات النادي التي امكن التغلب عليها ليضع سنوات علا فيها اسم المؤتمر وعم ارجاء السودان... واوجس الانجليز خيفة منه، واعلنوا عليه حربا جديدة، فلم يكن في الوسع ان يحاربه زعماء الدين، بل لم يكن في الوسع ان يجهر احد بحربه، ولكن حرب الانجليز كانت حربا سرية خطيرة. فقد لجأوا الى زعماء القبائل يبثون فيهم الخوف على مراكزهم من (الافندية) الذين ينادون بفناء القبيلة في اسودان الواسع: وهيأوهم لتهية كاملة لمقاومة المؤتمر في الوقت المناسب، ولكن كانت روح المؤتمر اقوى واغلب، وقد بلغ اقصى قوته في سنة 1942، وتقدم بمذكرة هي الاولى من نوعها للانجليز يطالبهم فيها باصلاحات جوهرية في حكم البلاد. وقد رفض الانجليز تلك المذكرة، ثم نفذوها كلها بعد عامين، وكان رئيس المؤتمر ابراهيم احمد من انصار السيد المهدي.
وللاسف كانت اواخر سنة 1942 تنذر بالانهيار.. انهيار المؤتمر العتيد الذي جمع القوى كلها حول رايته.
وجاءت سنة 1942 خاتمة لحياة ذلك المارد الجبار وكان رئيسه اسماعيل الازهري.. فقد انهار، ولجأ كل فريق منهم الى زعيم يطلب عونه وتاييده. ثم ظهرت بدعة الاحزاب التي سنتحدث عنها في مقال آخر، وهي جميعا لم تخرج عن محيط احد الزعيمين.
هذه ناحية من نواحي التحول في كيان السودان السياسي، وفي كيان الزعماء الدينيين.
واخيرا تجمعت كل القوى في يدين اثنتين: يد السيد المهدي، ويد السيد الميرغني، وباءت جميع الجهود التي بذلت للجمع بينهما بالفشل.. لسبب واحد بسيط، هو ان الاختلاف بينهما قام على التنافس الذي نسقه الانجليز فاحسنوا تنسيقه. ومادامت النفس البشرية كما هي، فان التنافس بين الناس لن يزول، واعتقد انه قد قضى على السودان ان يتجاذبه حزبان رئيسيان، وكل الاحزاب تتفرع عنهما وتلتقي بهما. ولا مفر من ذلك ابدا. وبيد هذين الحزبين او الزعيمين – مع تحفظ غير قليل بالنسبة لنفوذ الانجليز في الجنوب على الاخص – مقاليد الامور في السودان.
وان اسلوب الصراع الذي دام اكثر من نصف قرن سيظل مسيطرا على طريقتهما في معالجة الامور وفي توجيهها، وهي طريقة الحذر والصبر والواقع، وينبغي ان ينتظر منهما خروج على تاريخهما وتقاليدهما.
آخر الساعة  1948