فنانـــة الجســـــــد..أحداث معتمة مشحونة بالقلق والاضطراب

فنانـــة الجســـــــد..أحداث معتمة مشحونة بالقلق والاضطراب

بغداد/ أوراق
تنطوي السطور الأولى على معان تبعث في نفوسنا شعوراً كئيباً ونحن نهم بدخول أجواء ملبدة بغيوم تتكاثف سريعاً تنذر بالرعد بالصواعق بالمتاهة والعجز عن الحركة ومواكبة الحياة واستغلال الزمن الذي يمر منفرطاً على شكل لحظات وأنت تتوقف لتلقي نظرة على عنكبوت ملتصق بنسيجه..

حالة يعبر عنها الروائي دون ديليلو في روايته (فنانة الجسد) الصادرة عن دار (المدى) للثقافة والنشر بترجمة أسامة منزلجي إذ يقول: إنك تعرف بثقة اكبر من انت في نهار قوي البريق بعد مرور عاصفة حين تطعن أصغر ورقة نبات بوعي ذاتي، الرياح تثير هديراً بين اشجار الصنوبر والعالم يخرج الى الوجود بكل ثقة والعنكبوت يمتطي النسيج الذي تهدهده الريح.. والآن نبدأ بالتعرف على شخصيات الرواية وقد أغلق أمامنا المؤلف أبواب الأمل بما يسر النفس فهذه بطلة الرواية لورين هارتكي نراها تشارك زوجها راي الإفطار.. تطلّ من النافذة.. تفتح الصنبور.. تصبّ الحبوب.. حدث في هذا الصباح الأخير أنهما تواجدا هنا في وقت واحد في المطبخ، وأخذا يتمشبان بخطى متثاقلة ماراً كل منهما بالآخر يخرجان اشياء من الخزانات والأدراج ثم ينظر احدهما الآخر ليبدأ عند المغسلة او البراد، ولا يزالان مشوشين
تقول له: أما كنت تنوي ان تخبرني شيئاً؟
قال: ماذا؟
وضعت احدى يديها على كتفه وتجاوزته الى جانبها الخاص من المائدة نفرت العصافير مبتعدة عن المطعم برفرفة اجنحة تتألف كلها من الحرفين الهاء والراء.
وما ان يمضي راي من مائدة الإفطار إلى منزل زوجته السابقة حتى يضعنا المؤلف في متاهة نحتار كيف نحل طلاسمها وألغازها حيث نفاجأ براي روبلز 64 عاماً شاعر الأماكن الموحشه في السينما الذي اخرج فيلمين طبقت شهرتهما العالم في اواخر السبعينيات يعثر عليه ميتاً صباحاً في شقة زوجته الأولى مستشارة تصميم الأزياء إيزابل كوراليس في مانهاتن، وسبب الوفاة الانتحار بطلق ناري وفقاً لرجال الشرطة الذين استدعوا الى مسرح الحادث.. تعود لورين من جنازة زوجها لتستأجر منزلاً صيفياً فتكتشف حياة مستخفية غريبة في حجرة فارغة، رجل لا يملك الإفصاح عن نفسه يبدأ بالكلام بصوت راي ولم يكن ذلك تواصلاً مع الميت لقد كان راي حياً في سياق حديث دار بينه وبينها في هذه الغرفة.. نظرت اليه رأساً وجسداً كما في الصور المتحركة قوام نحيل يعرف كيف يجعل زوجها يعيش في الهواء المتدفق من رئتيه الى الحبال الصوتية ويتحول الهواء الى اصوات والاصوات الى كلمات، والكلمات هي الرجل يتشكل على شفتيه ولسانه.. همست تكلمه ويرد عليها وصوتها، يستعيد حواراتهما تقريباً قبل انتحار راي.. ويتم سرد الحكاية بصوت يعيش في زماننا، صوت أرواح منسية تسكن هواجسنا وتحاور ثقافتنا بما هو أكبر من الحياة وأكبر من أجسامنا وهي تعيش الحياة.. ما يفعله دوليلو هنا يبدو أشبه بنوع من الهمس من الارتعاش من سبر أغوار غير المحسوس، ليرسم صورة عن الأحاسيس الهشة كما عن الأرواح الداخلية، فنانة الجسد رواية تتحدث عن حياة امرأة تواجه بداية مع زوجها بعد غيابه انتحاراً في شقة زوجته الأولى في مانهاتن. ما من شيء يجمع هذه الأزمنة، إذا استثنينا تسلسلها الكرونولوجي وانسياب خفايا الزمن. لذلك نحن أمام نص متشظ تعيد القراءة تركيبه وتكوينه من جديد في قصة هذه المرأة التي تفقد نقاط استدلالها بعد غياب زوجها، وربما أيضاً تفقد ذاكرتها الآنية، إذ تجد أن الوقائع تختفي من أمامها لتغرق في نوع من الجنون، لم ينقذها منه إلا فنها، فن الجسد، إذ تجعل من جسدها أداة تتوزع ما بين المسرح والرقص الذي تمارسه في بيتها الواسع كانت تمارينها البدنية تجعل كل شيء شفافاً ترى وتفكر بوضوح مما يعني انه لا يوجد ما يستحق المشاهدة او التفكير فيه ولكن لعل الأوضاع التي كانت تؤديها وتبقى فيها لفترات طويلة والحركات الالتفافية المغالية والاشكال العنفوانية وهي تراقب جسدها إذ تؤدي هذه التمارين عارية مما يبث فيها الرغبة الجنسية اثناء ممارستها للحركات البطنية.. وفي التدقيق بالتحولات التي تصيب وجهها من جراء مرور الزمن كذلك تحب أن تراقب الأشياء، الكائنات العصافير التي تضربها الشمس والتي يستهلكها النور. كانت تسجل كلّ شيء يمر بها وتحاول أن تدرس كلّ الإمكانيات المتوقع حدوثها عبر هذا التأمل.. ويدخلنا الكاتب من خلال الخطاب الداخلي إلى قلب وعي لورين فيتيح لنا أن نسمع صوتها ويجعلنا نشعر بقلقها وعدم اطمئنانها وهي ترى راي حي يرزق في ذهن هذا الرجل بفمه وجسده وقبضته يجعلها تشعر بجلدها مكهرباً، شاهدت نفسها تشاهد نفسها تزحف نحوه، الصورة موجودة امامها تزحف على الأرض والأمر واقعي تقريباً بالنسبة لها.. انها تشعر بان شيئاً انفصل انفك برفق وهي تحاول ان تجره لينضم اليها، ان توقفه تحتفظ به هنا او تكتفي بالانبطاح والجهش بالبكاء من دون توقف ونفسها تراقبها من الأعلى.