الشيشكي يقول: احببت امراة واحدة

الشيشكي يقول: احببت امراة واحدة

قلت للعقيد اديب الشيشكلي:
- كثيرا ما كتبوا عنك، كتب عنك اصدقاؤك فاسرفوا في مدحك.. وكتب عنك اعداؤك فامعنوا في ذمك، والقارئ الذي لا يعرفك لم يصدق شيئا، لم يتقبل المدح، ولم يوافق على الذم، وبقى ينتظر منك ان تقول انت شيئا.. فيقرأ لك عن نفسك ما تريد ان تكتبه بقلمك: ويأتي المقال عنوانه: اديب الشيشكلي.. بقلم اديب الشيشكلي!
ولمعت اسارير الرجل الذي يحمل مقدرات سوريا على كفه وقال:

- انا مواطن سوري احب بلدي، واعمل لخدمتها في نطاق العروبة، انا من "حماة" من عائلة قضت عمرها في الثورات والحروب.. اعتقل والدي ومعظم افراد اسرتي، واردت انا لنفسي حياة الزراعة، فاراد لي القدر حياة الجندية، فدخلت الكلية العسكرية وانخرطت في صفوف الجيش الفرنسي وكنت اول ، ضابط ينسحب من هذا الجيش ليبدأ المقاومة السرية ويهاجم ثكنات الفرنسيين في الفرات.. ويحكم عليه بالاعدام! انا عربي، ولا اعرف لثقافتي السياسية ميلا خاصا.. احب اسرتي، وزوجتي. واولادي الثمانية، وحفيدتي الصغرى، واحب فوقهم بلدي وسكت الشيشكلي قبل ان يقول:
- هل في هذا كفاية؟
وقلت له:
- لا ادري ماذا اسميك، انا اعرف انك "عقيد" كولونيل في الجيش السوري، وانك رئيس اركان حرب هذا الجيش، ولكن هل هذا هو كل شيء بل هل هذا هو سرك. انا اعلم انك ديكتاتور! واعلم مع ذلك ان كلمة "ديكتاتور" هي ابغض الكلمات الى نفسك، واني لو استعملتها لعرضت نفسي الى غضبك، ولو نشرتها لعرضت الصحيفة الى المصادرة. فماذا اسميك، وماذا اقول لك؟
وعبس الشيشكلي وكانه يشتم من بين كلماتي رائحة لا يطيقها ولايستسيقها، وقال:
- لامكان للديكتاتورية في هذا البلد! ان السوريين لا يطيقون هذا المعنى من معاني الحكم، كما اني انفر منه واسعى لاعادة الحكم الديمقراطي لبلادي.
وسكت ليقول:
- سمني ما شئت، سمني مواطنا سوريا.. نادني باسمي مجردا من الالقاب.. ولكني اؤكد لك انني لم افكر لحظة لاحكم سوريا بارادتي الشخصية وان المحافظة على روح الجمهورية من اهم اهدافي، الم اتنازل للزعيم "فوزي سلو"؟! الم تطور الامور السياسية في سوريا بتاليف الوزارة الجديدة؟ وماذا تدري عن تطورات المستقبل.. هل في ذلك كله ديكتاتورية؟
واردت ان اصدقه.. فسكت! ونظرت الى وجه اديب الشيشكلي. هذه الابتسامة الوديعة، وهذه الاناقة الظاهرة.. بل هذا الخجل الذي لا يتفق وصرامة الحياة العسكرية، وقلت له:
- لقد ضمنت السلطة والمركز السامي واشياء اخرى كثيرة.. فهل انت سعيد؟ واستند الشيشكلي الى كرسيه وراح يجول ببصره في سماء الغرفة قبل ان يقول:
- السلطة.. والمركز السامي.. والاشياء الاخرى ليست كل شيء. ان مقومات السعادة ان يرضى الانسان عن عمله.. ان يشعر براحة الضمير .. ان يقوم بواجبه في هذه الحياة. واؤكد لك انني سعيد!
واستمر الشيشكلي يقول:
- كانت كل اماني في الحياة ان اقوم بادارة املاكي الزراعية! واصبح عنصر انتاج زراعي فعالا في حياة بلادي، ولكن والدي اراد لي حياة الجندية، فاذا ما اديت واجبي في هذا المضمار فاساعود يومها الى الحقل.. والخلاء.. والشمس .. اقضي بينها بقية العمر!.
وقلت له بلا مقدمات:
- هل في حياتك امرأة.. امرأة معينة دفعت بك الى سلم المجد؟
وابتسم الشيشكلي.. ثم تطورت ابتسامته الى ضحكة عالية وقال:
- انا رب عائلة طيب.. احب حياة الهدوء.. احب زوجتي.. احب اولادي .. ولو سألت اهل بيتي عني لحصلت منهم على شهادة حسن سلوك.. وعاد يتمتم وقد محى عن فمه ابتسامته:
- امرأة..لا.. ليست هناك امرأة.. ان زوجتي تثق بي وتؤمن بصحة كل عمل اقوم به.. قد تكون هي.. زوجتي لا ادري!
وقلت:
- ليس هناك امرأة.. ولكن اليس هناك "رجل" احببته وقدرته فكان له اثر في حياتك وتفكيرك وتمنيت لنفسك ان تترسم خطاه وتنسج على منواله؟ وعادت الحيرة  لتنتقل على الوجه الوديع وقال:
- الغريبون يلقبونني باتاتورك الشرق.. ولا ادري لماذا؟ مع انني احب اتاتورك واحب كل رجل عظيم خدم بلاده، ولكل امة ابطالها الاحياء منهم والاموات .. ولكنني لا اذكر انسانا معينا كان له اثر فعال في تفكيري وحياتي.. هناك كثيرون.. وليس هناك فرد واحد!
وراح الشيشكلي يضرب باصبعه على الطاولة.. ضربات كانها تجاوب لحنا موسيقيا يتردد في ذهنه.
وقلت:
- هل تحب الغناء؟
وتوافرت اسباب النكتة عند الشيشكلي فقال على الفور:
- لماذا؟ هل تريد ان تغني!
وتجاوبت في انحاء الفرقة اصداء ضحكة متواصلة. وقال:
- احب الموسيقى الكلاسيكية، واحب الاناشيد القومية واحفظ منها الشيء الكثير.. وبوجه عام تستطيع ان تعتمد على تفهمي للموسيقى الشرقية وتحظى بها وتاثيرها في نفسي... ومرة اخرى، نظرت الى وجه الشيشكلي: هذه النظرة الوديعة، وهذه الاوسمة التي رست في ذوق، وهذه الازرار الذهبية التي تخفي شغفا يحسن الاختيار، بل هذه الضحكة التي لو تركها صاحبها على طبيعتها لما اختفت عن شفتيه. وتساءلت في ذهول:
- لو لم اقابله في الدور الثالث من عمارة الاركان الحربية العامة في دمشق، في داخل غرفة كتب عليها: رئيس الاركان .. وخارج الغرفة شباط يروحون ويجيئون.. وسيارات حربية.. وستاد واسلحة.. وجو عسكري كله غموض واسرار، بل ولو لم يصدمني الواقع انني امام اديب الشيشكلي.. هل كنت اصدق ان هذا الانسان بالذات:
- عاش عسكريا.. مع الاعاصير.
- فهجر بلده، وعاصر الازمات، وقام بالانقلابات وحل الاحزاب: وعين رئيس دولة، ثم اقام حكومة.. وعلى فمه.. ابتسامة لم تفارق شفتيه!
وذكرت قول الكاتبة الامريكية دوروثي طومسون:
- انا اكره الرجال العسكريين.. ولكني لا استطيع ان اكره اثنين:
واحدا في الغرب واسمه ايزنهاور وواحدا في الشرق واسمه اديب الشيشكلي..
ناصر الدين النشاشبيي