الملامح الرومانسية في مسرحية هرناني

الملامح الرومانسية في مسرحية هرناني

بعد سيطرة الكلاسيكية الطويلة وقدرتها على فرض نفسها في فترة طويلة فارضة في نفس الوقت قواعدها الصارمة التي أرهقت المبدعين , و قد بدأت في بدايات القرن السابع عشر ظهور إرهاصات رفض و تمرد و ردات فعل تمثلت في مذاهب أدبية تطورت مع مرور الزمن ,

 كانت من هذه المذاهب ( الرومانسية ) التي اتخذت طابعا ابداعيا  في مقابل الطابع الاتباعي الذي تمثل بالرضوخ للكلاسيكية فأنتجت أدبا وجدانيا غلب عليه التطرف في حب الطبيعة و تمجيدها و اتشح هذا الأدب بالسوداوية المفرطة و التشاؤم و استمراء الألم و كثـرة الشكوى
دعا الرومانسيون الى نبذ عبادة الماضين والتحرر من سلطان ادب الاغريق واللاتين و
و الاهتمام أكثـر بحاضر الأمة و المبدعين المعاصرين و طالبوا بالتجرؤ على نزعة القداسة التي صبغت أرسطو وأفكاره فعارضوا مثلا قانون الوحدات الثلاث ( المكان , الزمان الموضوع )
 فاعتبروا أن لكل أديب الحق الكامل بأن يعبر عن أفكاره و أحاسيسه بحرية متيحين المجال أمام الإبداع الفردي ليأخذ مجراه , طارحين الفرد نفسه كمادة للبحث بعيدا عن تعميم الكلاسيكيين و تجريدهم لحقائق العالم , ما دفعهم إلى التمسك بالخيال الحر بعيدا عن قواعد العقل الصارمة التي تحكم تطور الأحداث لدى الكلاسيكيين , فالأحلام و الآمال و الآلام هنا كلها فردانية و لا تتعلق بمصير مجتمع بقدر ما تتعلق بمصير فرد يغوص بعذاباته .
و ابتعادهم هذا عن التجريد و التعميم دفعهم إلى خلق شخصيات تتمرد على واقعها , تكسر صفوف الطبقات الاجتماعية و الانتماءات الدينية , و تبحث عن مصائرها السامية بنفسها , محاولين بنفس الوقت إيجاد صيغ طوباوية و مثالية لحلولهم .
إلا أن الرومانسية ليست مذهبا أدبيا محدد المعالم لها قواعد محددة , و هذا طبيعي بما أنها ظهرت كردة فعل على قواعد الكلاسيكية , بل أحتوت ( ملامح ) –إذا صح التعبير – هي جملة مظاهر تمرد ثورية على الأعراف و القوانين السائدة آنذاك . ما أثار موجة من الصراع بين هذا المذهب الثوروي و بين متبعي القواعد الكلاسيكية . و لعل مسرحية ( هيجو ) الشهيرة ( هرناني ) من الأهمية بمكان أنها حملت في طياتها ملامح هذا المذهب .
في العرض الافتتاحي الأول لمسرحية ( هرناني ) التي قدمت بحضور كاتبها ( هيجو ) أثارت تلك المسرحية زوبعة عنيفة من الصدامات و الاحتجاجات )
ماجعل الصراع قويا و ميالا لكفة هذا المذهب الفتي عاملين رئيسين في اعتقادي
1. تحرير هذا المذهب للمبدعين التواقين للتعبير عن ذواتهم الداخلية
2. تبني أدباء مهمين آنذاك لهذا المذهب , أحدهم الشهير ( فيكتور هيجو )
هرناني عمل كتبه هيجو على عجل لكن هذا العمل عاش طويلا و عرف طريقه إلى الشهرة ليس بفضل قوة الكتابة أو رسم الشخصيات و سيكولوجيتها , و لكن بفضل قدرات هيجو على تصوير المواقف و العلاقة بين الشخصيات , و قدرته على وضع حوارات شاعرية رائعة كتلك التي تدور بين هرناني و حبيبته دونيال سول
هرناني : دونيا سول ...يا حبيبتي و متيمتي ...نبئيني , إذا ما أقبل الليل , و دب النوم في عينيك فاستسلمت إليه و غبت عن الوجود , يحف بك سكون و براءة و طهر بعد أن باعد النوم ما بين شفتيك , و قرب بأصبعه ما بين جفنيك ألا يهيب بك صوت من ملاك يقول : كم أنت مؤنسة و عذبة للبائس الذي هجره كل الناس , فصار للوحدة و الوحشة.
ملخص المسرحية:
تدور أحداث هذه المسرحية في ربوع الأندلس حيث يصف لنا هيجو فاتنة الإسبان ( دوينا سول) التي حوّل قلبها وجمالها ثلاثة من العشاق أولهم شيخ متصاب هو ( دي سيلفا) ، والثاني ( دون كارلوس ) ملك الإسبان، والثالث ( هرناني) الثائر الشاب. والمسرحية مليئة بالأحداث، هرنانيفي هذه المسرحية هوخارج عن القانون ثائر جمع لنفسه عصابة في اسبانيا بداية القرنالسادس عشر لكنه في الوقت نفسه مناضل سياسي يريد أن يحارب السلطات..والسلطة في ذلكا لوقت كانت للشاب دون كارلوس (الذي سيصبح خلال أحداث المسرحية امبراطورا منتخبا تحت اسم شارلكان) والذي كان يجمع بين الملك والثائر في ذلك الحين هو هيامهما معابالحسناء دونيا سول وهذه الحسناء كانت مغرمة بهرناني وحده حتى وان كان الدون رويغوميز قرر أن يتخذها لنفسه زوجة وهذا كله نعرفه في بداية المسرحية، ذلك ان كل الأحداث التي تشهدها فصول المسرحية الخمسة انما هي مطاردات وكر وفر بين الثلاثةالمغرمين بدونيا سول بما في ذلك من مؤامرات ومناورات وتحالفات تربط هنا لتفك هناك،أما التحالف الرئيس في سياق المسرحية فأنما هو ذاك الذي يعقد بين هرناني وبين رويغوميز ضد الملك اذ يكشف الأول للثاني عن هيام هذا الملك بدونيا سول وحين يكتشف الملك خاطب دونيا العجوز فجأة تواجدها مع هرناني في حديقة قصره الذي نقلها اليه يسلمه الى روي غوميز لكنه يرفض معاقبته وينقذه رغم معرفته بأنه غريمه في حبه لسونياثم يتآمر الأثنان على اغتيال الملك ويتمكن دون كارلوس من اكتشاف المؤامرة لكنه فيالوقت الذي يهم فيه بمعاقبتهم يصله خبر انتخابه امبراطورا، وهكذا يحس في لحظة انه لابد أن يسمو على تلك الترهات الشبابية فيعفو عن المتآمرين وأولهم هرناني بل يرد له أملاك جدوده وأبيه اضافة الى انه في لحظة سخاء امبراطورية مدهشة يمنحه حق الزواج مندونيا سول وهكذا تبدو الحياة رائعة ويجتمع هرناني بحبيبته ولكن في تلك اللحظةبالذات يحدث ماكانوا جميعا قد نسوه حين ينفخ غوميز في البوق الذي وهبه لهرناني لدىمحاولتهما اغتيال الملك والذي يجبره على قتل نفسه كما كان قد وعده ولأن هرناني فارس وشهم ولايمكن له أن ينكث بوعد أو عهد، ولأن المسرحية الرومانسية كلها تبجل قواعدالفروسية والشرف ولأن الموت بشرف لدى الرومانسيين خير من حياة الذل، لايتردد هرناني عن تجرع السم واذ تشاهد دونيا سول مايحدث أمامها تشرب بدورها جرعة من السم لكي تلحق حبيبها الى الملكوت الأعلى أما روي غوميز فبعد أن يرى نتائج ماعملته يداه يسارع الى تناول السم أيضا ليموت .
إن هذه المزاجية السوداوية و الشاعرية التي تعتمر كلا من الأحداث و اللغة و الشخصيات و الأهم «المصائر « كانت الجسد المتين للرومانسية التي تكونت من خلال دمج غير واضح المعالم بين مواضيع إجتماعية و سياسية من جهة و بين فردانية «الذات « المعذبة المتطلعة للسفر إلى ما هو غير كائن من جهة أخرى . فـ»المجتمع « كمفهوم و « الفرد « كمفهوم و ما يحملان في طياتهما من طبقات مسخرة لتمجيد معاناة الذات الفردانية الساعية للخلاص « غير الموجود حتما « ولو بدا كذلك لوهلة في هذا العالم ففي اللحظة التي يظن فيها العاشقان (هرناني) و (دونيا سول) انهما التقيا, تأتي صرخة البوق لتعلن أن مكان التقائهما ليس في هذا العالم
دونيا سول : ألم نكن أعددنا كل شيء لنرقد جنبا إلى جنب هذه الليلة ؟ ماذا يهم إذا تغير السرير ؟ ))
(( دونيا سول : سنفتح أجنحتنا معا و نطير في الفضاء نحو عالم أفضل )
[و يعلق( دون روي جوميز ) لحظة انتحار العاشقين على المشهد الذي أمامه قائلا : ما أسعدهما ! ))
إن مفهوم الموت في هذه المسرحية يتجلى لا كضياع مادي لجزئيات الجسد و لا كرحلة إلى عالم الآلهة المنتقمة , بل كبعد آخر مختلف متواز بين الانتقال إلى عالم أفضل موجود في كل لحظة بناءا على فكرة الاستعداد للذهاب إليه متى شاء الفرد . فتتكلم الشخصيات مع الأموات و كأنها موجودة . و هذا بشكل كبير يبدو من حوارات ( دون روي جوميز ) المتكررة مع أجداده , من خلال صورهم المعلقة على الجدران
(( و أنتم يا آل سيلفيا جميعا, يامن تسمعونني هنا صفحاإذا قلت ما قلت أمامكم ))
و عندما يمشي أمام الصور و يخاطبهم كأنهم صف قديسين واقفين أمامه
(( أيها الموتى المقدسون يا أسلافي , أيها الرجال الأشداء , يامن عركوا من يأتي من الجنة أو تقذف بهم جهنم , الأخيار منهم و الأشرار ))
و يستشهد أجداده في الصور على عهد ( هرناني ) له عندما سلمه البوق
أنتم جميعا كونوا شهودا عليه ))
و يقبل ( هرناني ) بتنفيذ عهده عندما يذكره ( دون روي جوميز ) بأن القسم الذي أقسمه هو برأس أبيه «الميت « فيقول ( هرناني ) :
[أبي يطل علينا من عليائه ))
إن هذه المسرحية هي التعبير الأكثر متانة عن مفهوم الرومانسية في الأدب , بحيث أنها تحمل في كل أبعادها على سمات رومانسية على كافة الأصعدة
( الشخصيات –اللغة – كسر قواعد الوحدات الثلاث بشكل كبير ( وحدة المكان ) – ( وحدة الزمان )( وحدة الموضوع )
الشخصيات : تعيش حالتها الفردية السوداوية المستسلمة لقدرها , هي شخصيات تذوب في حالة الحزن الذي يصبغ جميع الأحداث , حتى في أشدها «فرحا « كالعرس مثلا . و هي غير متماسكة و غير ثابتة بل تعيش صراعا يتمثل بالتمزقات الداخلية التي يسببها الألم , ففي حين أن ( دون روي جوميز ) يبدو لنا «طيب الاخلاق « حين يصر على كتمان مكان ( هرناني ) إلا أنه يفاجئنا بموقفه الفرداني و الاناني الذي يظهر به في النهاية حين يصر على أن ينفذ ( هرناني ) وعده , فلا يخطر ببال القارئ من خلال تتبعه للشخصية أنه سيستخدم البوق , و على العكس منه يجد ( دون كارلوس ) صيغة طوباوية ليصفح عن ( هرناني ) و يمنحه لقب فارس . الشخصية هنا غير ثابتة و لا تقودها الأخلاقيات الصارمة مهما تغيرت الظروف و في نفس الوقت هي ليست شخصيات رهينة لواقعها كما ستجدد الكلاسيكية نفسها فيما بعد بل هي شخصيات مستقلة عن الواقع و الظرف , تدفعها أهوائها و حريتها و تضخم ذاتيتها إلى التصرف .
]اللغة : غير مركبة و لا تعنى بالجزالة و الفخامة , هي لغة شاعرية أقرب إلى قصائد كئيبة عن عذابات الفرد و وظيفتها التعبير عن شعور الشخصية بمنعزل عن الفخامة , فتتجلى جمالياتها الخاصة من خلال التناسق و المرونة والتعبير الرمزي الذي يخدم الفكرة.
كسر الوحدات الثلاث: و إن كان هذا الخرق نسبي بين الوحدات , فأكثر ما نلحظه هو كسر لوحدة المكان ( حديقة , قصر , قبر , أمام ساحة ..إلخ ) ما يجعل المكان مطلقا و غير محدد المعالم , شبيه بالفضاء الرحب الذي تسعى له الشخصيات , و إن خالفت الأماكن التوثيق التاريخي , على حساب رمزيته , مثلما استبدل الكاتب في الفصل الرابع مدينة ( فرانكفورت ) التي كانت تجري فيها الانتخابات , بمدينة ( ايكس لا شبيل ) التي تحتوي قبر ( شارلمان ) من أجل أن يفسح المجال لتأملاته و انتفاضاته و هو واقف أمام هذا القبر و لا اعتبار لمرور الزمن فهو قطعا ليس يوما واحدا و إن لم تتم الإشارة على مرور الوقت , فلا اعتبار لمرور الزمن و لا أهمية له أو حتى للإشارة إليه . أما عن وحدة الموضوع , فلم تأخذ بعين الاعتبار مراعاتها أو عدم مراعاتها, على قدر أهمية الموضوع بالنسبة للشخصية ذاتها .
لقد كانت الرومانسية الأدبية نوعا من الانتفاض من أجل حرية الفرد و المزيد من إضفاء الكرامة عليه من خلال نقله الممكن دائما إلى فضاءات أرحب من واقعه الاجتماعي , ما انتج ضرورة كسر أية قواعد تحد حرية الكاتب في سبيل توصيل فكرته التي انعكست بشكل كبير لونا من يأس من هذا العالم و تشاؤم من مصير فرد متمزق يترك نفسه عرضة لأقداره التي تقوده إلى المأساة و مع كل هذا فإن هذه المأساة التي تنتج الألم فهي تنتج في الوقت ذاته السعادة , السعادة التي هي سؤال أي أديب أو فنان على مر العصور و اختلاف المذاهب التي تعبر عنها.