صديقي ابراهيم عبود .. الضابط المهندس السباح

صديقي ابراهيم عبود .. الضابط المهندس السباح

في هذه السطور اروي لكم قصة الثورة السودانية، التي بدأت في الساعة الثالثة من صباح يوم الاثنين 17 نوفمبر عندما كانت الساعة تشير الثالثة صباحا تحركت قوة من حامية الخرطوم، قوامها 600 جندي يقودهم الامير حسن بشير نصر، وهو اليوم نائب القائد العام ووزير شؤون الرئاسة وتوزعت، فاحتلت الكباري واقامت حراسة شديدة على البنوك والسفارات ومداخل الطرق المؤدية الى الخرطوم.

وكانت لقوة مسلحة بالبنادق السريعة الطلقات.. والدبابات والعربات المصفحة.
واتجهت قوة منها الى مطار الخرطوم لاحتلاله، وعند اقترابها من المطار وصلت من القاهرة طائرة تقل السيد علي عبد الرحمن وزير التجارة السابق، والسيد امين السيد رئيس مجلس الشيوخ السابق، فلم يشعرا بشيء، وانتظر قائد القوة حتى غادرا المطار ثم بادر يحتله.
ولما تم احتلال المرافق العامة، حسب الخطة الموضوعة، وكانت الساعة قد بلغت الثالثة والنصف صباحا اتجهت قوة الى قلب المدينة توزعت على بيوت المذيعين لإيقاظهم.
وايقظت القوة الاستاذ ابو عقل يوسف، نائب مدير الاذاعة السودانية، وزميليه الأستاذين محمد صالح وحلمي ابراهيم، واخذتهم في سيارة الى مبنى محطة الاذاعة.
وكانت قيادة الانقلاب قد امرت قوة بالاتجاه الى مصلحة التليفونات حيث عطلت الاتصال التليفوني داخل الخرطوم وخارجهان فلما وصل المذيعون الى محطة الاذاعة، اقهموا افراد القوة التي تصاحبهم ان الاذاعة مرتبطة فنيا بخطوط التليفون، وإنه لابد من اعادتها للعمل لتتيسر الاذاعة.
وبعد دقائق صدرت الاوامر باعادة خطوط التليفون الى العمل، وبدأت الاذاعة تذيع الموسيقى العسكرية والمارشات الحماسية.
وفي الساعة السادسة والنصف صباحا، وكانت قوات الجيش السوداني قد سيطرت على كل شيء، وصل الى محطة الاذاعة الفريق ابراهيم عبود قائد الثورة، وفي صحبته الاميرالاي محمد احمد عروة عضو المجلس الاعلى للقوات المسلحة، والبكباشي عثمان نصر، احد معاوني القائد العام.
وراجع قائد الثورة البيان الذي اعد ليذاع على شعب السودان، وعلى العالم كله، ثم امر باذاعته فاذاعه الاستاذ ابو عقل يوسف نائب مدير الاذاعة.
وغادر قائد الثورة محطة الاذاعة، وترك فيها معاونه البكباشي عثمان نصر، الذي بقى فيها اربعة ايام، يشرف على الاذاعات التي توجهها الثورة.
واتجه القائد الى مبنى رئاسة الجمهورية وهناك جاء مفتي السودان، فحلف القائد امامه اليمين، ولما اذيعت انباء حلف اليمين تشكلت من الشعب اول مظاهرة.. خرجت تهتف بحياة الثورة وقائدها وابطالها.
ثم بدأ القائد يشكل المجلس الاعلى للقوات المسلحة، والوزارة الجديدة وقد تم تشكيلها في جلسات عائلية، كانت الاراء تلتقي فيها دائما، وقد تطلب الامر استدعاء بعض الوزراء من الجنوب فجاءوا على عجل.
وقد اقام الفريق إبراهيم عبود في مكتبه اربعة ايام بلياليها عاش خلالها على"السندويتش"، ولم يذهب الى البيت، حتى ايقن ان الشعب قد ادرك ان الثورة ثورته، وانه نفض عن كاهليه الاحزاب والحزبية، ليسير ببلاده الى مكانها المرموق.
وهو يقضي، الى الان، معظم وقته بمكتبه، ويتبع على خطوات من مكتبه، يغادره في الساعة السادسة والنصف صباحا الى المكتب يدرس ويوجه، ثم يعود الى البيت في الثامنة صباحا ليتناول طعام الفطور، ثم يعود الى المكتب ويبقى فيه حتى ساعة متأخرة من الليل.. وهكذا.
واهل الخرطوم كلهم يتحدثون عن النشاط المذهل الذي يبذله كل الوزراء، فالحكومة الثورية في السودان، قد اتجهت الى العمل واثبتت لي زياراتي للوزارات المختلفة ان الوزراء يبذلون طاقة مذهلة في تصريف الامور واعادة الاوضاع المقلوبة الى نصابها.
وفي الطريق تسمع الناس يتحدثون عن الاثار السريعة التي لمسوها في حياتهم، مع انه لم تمض ايام على قيام الثورة.
الاسعار انخفضت جدا، والناس في غاية السعادة.. مثلا كيلو الارز انخفض سعره من 15 قرشا الى سبعة قروش، واللحم انخفض ثمن الرطل من 24 قرشا الى 16 قرشا، والخضروات سجلت انخفاضا كبيرا في أسعارها.
والحديث عن قانون الإيجارات الجديد الذي ينتظر صدوره بين لحظة وأخرى، يؤكد سعادة الناس هنا بما ستحققه الثورة من تخفيف أعباء المعيشة.
وبعد.. لقد رأيت التاريخ يصنع في السودان.. وأيقنت ان الشعب السوداني سعيد.. تدفق الأمل فجأة الى أفراده بعد ان كانوا يعانون سكرات اليأس.


منذ 46 عاما، وعلى شاطئ البحر في مدينة"سواكن"كنت اجلس مع إبراهيم عبود، ولم تكن قد تجاوزنا الثانية عشرة، وفي يد كل منا"سنارة"لاصطياد السمك!
وكان اهم ما يغيظ ابراهيم مني هو انني لا اجيد السباحة، وكلما دعاني الى ممارسة هوايته المفضلة، وهي الغوص في المساء والسباق على صفحة البحر، اعتذرت وهربت وفي ذلك اليوم فوجئت به يقف وينشغل باصلاح سنارته، وفجأة دفعني من الخلف الى الماء، فسقطت بملابسي، وحاولت ان اسبح واستعملت كل عضلاتي، وانا اصرخ واستغيث وهبط إبراهيم خلفي وظل يدفع بي حتى وصلت الى الشاطئ، وصحت فيه اعاتبه، ولكنه افهمني ان هذه هي الطريقة الوحيدة لتعلم السباحة في"سواكن"، وان كل ابناء سواكن الاصليين يتعلمون بهذه الطريقة انهم يؤمنون بان مواجهة الظروف هي العلم الاول للانسان.
وفي المدرسة الابتدائية لسواكن التي تقع خلف مساكن الموظفين، كانت مقاعدنا متجاورة، وكثيرة ما كنا نخرج من المدرسة الى المحافظة، وكان والد ابراهيم من كبار موظفيها.. وكان والدي يعمل هناك ضمن الموظفين المصريين.
واستمرت صداقتنا حتى انقلنا الى مدرسة الخرطوم الثانوية.. وكانت مدة الدراسة بها سنتين ثم التحقت بكلية الهندسة بجامعة غوردون، والتحق هو بالمدرسة الحربية وكلية الهندية في وقت واحد، ورقي وهو تلميذ بالمدرسة الحربية الى رتبة باشجاويش، وكان يحضر محاضرات الهندسة وهو في ملابس هذه الرتبة.
ثم تخرج ضابطا برتبة الملازم بالجيش في شهر يوليو سنة 1918 وظل يدرس الهندسة حتى تخرجنا سويا في ديسمبر من ذلك العام، فالتحق بسلاح المهندسين ثم نقل الى الحملة الميكانيكية وتخرجت انا مهندسا مدنيا.. وبرغم اختلافنا في الوظائف الا اننا كنا نلتقي يوميا في الحياة المدنية.
وامتاز ابراهيم طول حياته بدقة في الرماية.. وكانت ميزته هذه دائما موضع مراهنات بينه وبين زملائه من ضباط الجيش، حدث ان كانوا يجلسون بعد طابور الصباح في احد المعسكرات، وعلى بعد مائة ياردة كانت فصيلة من الجردان الصغيرة تجري خارجة من ثقب في احد الجدران، لتدخل في ثقب آخر.
وراهنه بعض زملائه على اصطياد فأر صغير وهو يجري على ان تكون الاصابة بالرصاصة لا ببندقية الرش، ورغم بعد المسافة، فقد قبل ابراهيم الرهان وامسك بالبندقية وظل متربصا حتى اظل احد الجردان برأسه ثم خرج يجري الى الثقب الآخر، واطلق ابراهيم الرصاصة فاصابت الجرد الصغير وكسب الرهان..
وقد كان ابراهيم على رأس الحملة التي انتصرت على الايطاليين في اريتريا رغم ان الايطاليين كان عددهم لا يقل عن عشرين الفا، ولم تكن حملة ابراهيم تضم اكثر من عشرة الاف جندي وضابط.
وقد تعرض للموت اكثر من مرة في هذه الحملة.. حدث ان كان يجول بسيارة الجيب في غابات الاريتريا واذ به يجد نفسه داخل احد المعسكرات الايطالية البعيدة وكان ذلك المعسكر مخصصا لجرحى الميدان.
وفوجئ بكل الضباط الايطاليين يلتفون حول سيارته ويقولون انهم اطباء لا اكثر، وانهم يؤدون واجبا انسانيا. وعلى الصور ادرك ما جال بخاطر كل منهم، فقد ظنوا ان الايطاليين انسحبوا وقد وقعوا هم في قبضة الحملة السودانية، فطمأنهم الى مصيرهم واستدار خارجا بسيارته.
وفي فتنة الجنوب الاخيرة التي اشعلها الاستعمار للتفرقة بين السودانيين ابناء الوطن الواحد، ذهب على رأس قوة كبيرة لاعادة الامن الى ربوع الجنوب، وحدثني عندما زار مصر في اكتوبر عام 1955 انه شاهد هناك الفضائح التي ارتكبها المدنيون، واستمرت الحملة سبعة ايام كاملة لتطهر شوارع مدينة جوبا من الجثث التي كانت قد تعفنت ونهشت بعضها الذئاب.
وبعد ان اعفى الفريق احمد محمد قائد الجيش السوداني، وهو في نفس الوقت خال ابراهيم عبود، اسند منصب القائد العام اليه لما اشتهر به من صفات، فهو لا يتكلم كثيرا وليست له اية ميول حزبية، مؤمن لا يشرب الخمر ولا يدخن.
وكان اول من ارسل بمئة من ضباط السودان لتعلم الطيران في مصر وزارهم في كلية بلبيس واعد لهم استقبالا طيبا عندما عادوا بالطائرات المصرية الى الخرطوم.
واذكر انه حدثني في اخر زياراته للقاهرة عن حادثة طريفة دفعت له، فقد كان في جولة تفتيشية بالبحر، واذا بالبحارة وكأنهم يعرفون غرامه بالصيد – يخبرونه ان هناك على الشاطئ"تبتلى". وهذا الاسم يطلق على الغزال الكبير.. وخرج ابراهيم الى الشاطئ  وظل يطارد الغزال العجوز ببندقيته وبينما هو يصوب رصاصة نحوه، اذا به يشعر بحركة على بعد خمسين مترا عليه، والتفت فاذا بأسد كبير يتأهب للانقضاض عليه، وفي هذه اللحظة حول ابراهيم عبود بندقيته نحوه فاصابه في مقتل، ثم طارد الغزال العجوز حتى اصطاده..
هذا هو ابراهيم عبود قائد الثورة السودانية الذي يتطلع السودان اليه للسير بسفينته الى شاطئ الاستقرار والعزة حتى يلاحق السودان ركب النصر في موكب القومية العربية.