رياض السنباطي.. فارس القصيدة الغنائية وأستاذ العود بلا منازع

رياض السنباطي.. فارس القصيدة الغنائية وأستاذ العود بلا منازع

سفيان أحمد
نشأ "السنباطي" في مناخ موسيقي فني أصيل ، فهو ابن لشيخ امتهن قراءة القرآن ، والإنشاد الديني في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى والريف المجاور ، فتفتحت أذنا الصبي على صوت عود أبيه الذي يعزف عليه بجدارة ، وعلى ترديده للغناء الأصيل والتواشيح الدينية ،

فلما بلغ التاسعة من عمره أخذه شغفه بالغناء والموسيقى من الدراسة ، فكان يهرب من الصف الدراسي ليضرب على العود ويغني من وراء ظهر أبيه ، لكن الأمر لم يطل كثيراً فلقد اكتشفه والده عند جارهم النجار ، وهو هارب من المدرسة ويضرب على العود حيث سمعه يغني الأغنية التراثية (الصهبجية) مردداً (ناح الحمام القمري على الغصون) ، فطرب لصوته كثيراً وقرر أن يصطحبه معه في الأفراح والموالد.
وفي تلك الأيام كانت مصر تنقسم في طبيعة حياتها بين الريف والعاصمة القاهرة ، فللريف دنياه الخاصة الهادئة ، وللعاصمة عالمها الصاخب الذي يمر بالكثير من التجارب الفنية والموسيقية ، فقد كان سلامة حجازي يختتم عصر مجده ، بينما يبدأ سيد درويش طريقه الموسيقي الذي أحدث به انقلاباً كبيراً في مفهوم الغناء في المنطقة العربية ككل ، كما كان ذلك العصر أيضاً هو عصر بداية ظهور الأسطوانة و(الفونوغراف) 1903 ، ما أتاح للفتى رياض أن يستمع إلى أصوات مطربي ذلك الوقت مثل عبد الحي حلمي ويوسف المنيلاوي وسيد الصفطي وأبي العلاء محمد وغيرهم ، وظل والده هو المعلم الأول له والذي تعلم على يديه أغاني محمد عثمان وعبده الحامولي.
وظل رياض السنباطي يجول مع والده في الأرياف حيث الموالد والأفراح حتى استقرا في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية وبدأ يشتد عوده في الغناء والعزف على العود حتى لقبوه ببلبل المنصورة وهو مازال في الثانية عشرة من عمره.
وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره ، انتقل إلى القاهرة ، حتى يلتحق بمعهد الموسيقى العربية ، ويبدأ في شق طريقه الفني الذي كان قد استقر رأيه على أنه هو المستقبل الذي يريده لنفسه ، لكن لم يلبث رياض الالتحاق بالمعهد حتى رأى أساتذته انه يعلم الكثير جداً من فنون العزف على العود وفنيات الغناء ما يجعله غير محتاج للدراسة تحت إشرافهم ، بل إنهم ذهبوا إلى القول بأنه يجب أن يدَرس لطلبة المعهد ليفيد الدارسين من علمه الموسيقي الغزير ، وأسلوبه الفريد والمتميز في العزف على آلة العود الأصيلة ، فعينوه أستاذاً لتعليم الموشحات والعزف على العود وتم اعتباره بالإجماع واحداً من طليعة عازفي العود العرب إن لم يكن أعظمهم.
وفي المعهد أتيحت الفرصة لرياض السنباطي أن يلتقي بأمير الشعراء أحمد شوقي والمطرب الشهير الذي يرعاه محمد عبدالوهاب الذي صار موسيقار الأجيال فيما بعد ، حيث تأثر بصحبة هؤلاء الفنانين الكبار كما ارتقى بمشاعره وسما بمداركه وجعله أكثر فهماً وتذوقاً للشعرالذي أوحى له فيما بعد بألحانه ، فقرر أن يتجنب السهولة وإغراء الرواج والشهرة الرخيصة وابتغى المستوى الراقي المتميز.
في ذلك الوقت تعرف السنباطي إلى حسين المنسترلي الذي عرفه عن طريق شركة أوديون الشهيرة لإنتاج الاسطوانات ، فأخذ يسجل لديها ألحانه لقاء أجر زهيد جداً ، لكنه بعد فترة وجيزة اَثر التلحين على الغناء فغنى له مغن يدعى عبدالقادر (أنا أحبك وأنت تحبني) وغنت له السيدة منيرة المهدية سلطانة الطرب آنذاك أوبريت (عروس الشرق) وغنى له عبد الغني السيد (يا ناري من جفاك).
قبل عام 1948 كان رياض السنباطي يحاكي في ألحانه الكثير من عباقرة التلحين المصريين آنذاك مثل محمد عبدالوهاب وزكريا أحمد ، لكن تأثره الأكبر والأكثر وضوحاً في أعماله الأولى كان بالموسيقار الكبير محمد القصبجي ، فمن الملاحظ في ألحانه الأولى للسيدة أم كلثوم ، أنه كان شديد التأثر بأسلوب محمد القصبجي ناسجاً على منواله ، لكنه ما لبث أن استقل بشخصيته الفنية مبدعاً وناهلاً من ذاته وروحه ، فخرجت ألحانه بطريقته الخاصة المميزة ، ولا شك في أن غناء السيدة "أم كلثوم "لألحانه ساعد في شهرته كما فتحت له أبواباً يظهر فيها إمكاناته اللحنية.
غنت ألحان "رياض السنباطي" أصوات متعددة ، لكن أهم صوت أعطى ألحانه بريقاً ذهبياً وقيمة فنية كبيرة كان بلا شك صوت سيدة الغناء العربي "أم كلثوم" ، وكانت بداية اللقاء الفني بين "السنباطي وأم كلثوم" عام 1936 حين لحن لها (النوم يداعب عيون حبيبي) كلمات "أحمد رامي" ، وأعجبت "أم كلثوم" باللحن فقدمته في حفلها الشهري على مسرح قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة ، وقفت "أم كلثوم "وفرقتها لتقدم ملحنها الجديد في مونولوج (النوم يداعب جفون حبيبي) وكان حفلاً مذاعاً ما جعل تلك الأغنية نقطة تحول في حياة كل منهما (السنباطي وأم كلثوم).
بعد نجاح هذه الأغنية تمسكت "أم كلثوم" بـ"السنباطي" فانضم إلى باقة ملحنيها مثل "القصبجي وزكريا أحمد" ، وظل "رياض" يمدها بألحانه وروائعه حيث وجد في صوتها ضالته المنشودة ، فبقدراتها الصوتية غيرالمحدودة وبإعجازها غنت ألحانه فأطربت وأبدعت.
وقد شارك رياض السنباطي كوكب الشرق في فيلم (وداد) الذي لعبت بطولته ، فلحن لها الأغاني التي غنتها بالفيلم إضافة إلى أغنية (على بلد المحبوب) التي كان "رياض" قد قدمها للمطرب "عبده السروجي" وسجلها على أسطوانة ، فاستأذنته "أم كلثوم" وغنتها خلال الفيلم ، كما لحن أيضاً السنباطي الموسيقى التصويريه له.
خص "رياض" حبه وفنه للقصيدة حيث قال عنها (الشعر أرقى أنواع الأدب فيجب أن تكرس له أرقى أنواع التلحين ، لأنه الوسيلة الوحيدة للارتفاع بالمستوى الثقافي والفني للجماهير. وهذا لن يتم إلا عن طريق أقرب وسيلة للتعبير عند الجماهير وهي الغناء الذي يعتبر ألصق الفنون وأقربها إلى نفوس الجماهير).
وقد مارس فن تلحين القصيدة باقتدار عدد من الموهوبين منهم "محمد عبدالوهاب وأحمد صدقي ومحمود الشريف ومحمد فوزي وفريد الأطرش ومحمد الموجي وكمال الطويل" في مصر ، إضافة إلى "خالد أبي نصر وحليم الرومي ونجيب سراج والأخوين الرحباني وتوفيق باشا" وغيرهم في بلدان المشرق العربي ، غير أن "عبدالوهاب والسنباطي" بقيا الفارسين الكبيرين في هذا المجال ، لأنهما أسسا لكل الألوان الممكنة في فن القصيدة الغنائية ، فبقيت كل التجارب اللاحقة على جديتها وقيمتها تدور في فلك إنجازات عبدالوهاب والسنباطي ويكمن تأريخ بداية دخول السنباطي ميدان القصيدة الغنائية بمنتصف الثلاثينيات من القرن العشرين ، عندما كان عبدالوهاب قد وصل في تطوير هذا الفن تأليفاً وغناء إلى مرحلة بالغة التقدم والتطور ، وهي المرحلة التي سرعان ما تطورت قبل نهاية الثلاثينيات إلى مرحلة قصائد مثل الصبا والجمال وسجى الليل وقيس وليلى والجندول.
وتقول الحقيقة التاريخية إن "السنباطي" قد بدأ تجاربه في ميدان القصيدة الغنائية منذ مطلع الثلاثينيات ، وإن كانت تجارب أشبه بالتمارين الأولى في هذا الفن الصعب ، التي لم تبدأ ثماره الناضجة بالظهور حتى النصف الثاني من الثلاثينيات.
ومع أن أمير الشعراء أحمد شوقي قد اشتهر في تاريخ الغناء والموسيقى بصفته الراعي الروحي والفكري والثقافي لـ"محمد عبدالوهاب" ، فإن شغف شوقي بفنون الموسيقى والغناء الذي بدأ بـ"عبده الحامولي وعبدالحي حلمي" وكل من رافقهما وتلاهما من نجوم الموسيقى والغناء وصولاً إلى "عبدالوهاب" ، لم يبخل برعايته على نجوم التلحين والغناء التي بدأ بزوغها مع "عبدالوهاب" مثل "أم كلثوم" أو الجيل التإلى مثل "رياض السنباطي".
ومن أشهر ما روي عن علاقة "شوقي" بـ"السنباطي" عندما بدأت مواهب هذا الأخير تلفت الأنظار والأسماع ، انه في إحدى الجلسات الفنية التي كان "شوقي" يستمع فيها إلى النجم الصاعد الجديد "رياض السنباطي" ، أسمعه هذا الأخير قصيدة من ألحانه الأولى فلاحظ "شوقي" عبارة صعبة المعاني في أحد الأبيات الملحنة وتعمد سؤال"السنباطي" عن معنى العبارة ، فلما لم يجد "السنباطي" جواباً ، بادره "شوقي" بنصيحة غالية ، يقول "السنباطي" إنها كانت من أهم الدروس التي تعلمها في حياته حيث قال له (إياك يا بني أن تلحن بيتاً من الشعر أو عبارة لا تفهم معناها).
غير أن جذور "السنباطي" كانت من قبل لقائه بـ"أحمد شوقي" تضرب عميقاً في الإنشاد الديني وتجويد القرآن الكريم ، وليس عجيباً أو غريباً أن كل عباقرة الموسيقى العربية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين ، كانوا إما من المشايخ وإما من أبناء المشايخ ، وهذه القاعدة تنطبق بدقة أكبر على عباقرة تلحين القصيدة الغنائية ، فقد كان "سلامة حجازي وأبوالعلا محمد" من المشايخ ، أما "رياض السنباطي ومحمد عبدالوهاب" فكانا من أبناء المشايخ.
لم يكن غريباً أن "رياض السنباطي" عندما كان يخوض تجاربه الأولى والمبكرة في فن القصيدة الغنائية ، خرج بتحفة غنائية تاريخية تصلح لأن تكون تتويجاً لرحلة طويلة في فن تلحين القصائد ، أكثر مما تصلح لتكون خطوة أولى في هذه الرحلة ، ألا وهي رائعته لأم كلثوم (سلوا كؤوس الطلا) التي صاغ شعرها أميرالشعراء أحمد شوقي ، وبالتحليل الدقيق لمكونات هذه القصيدة (كما فعل مؤرخو ونقاد الموسيقى) يجعلنا نضع أيدينا على أنها احتوت كل العناصر التي أسس عليها السنباطي فيما بعد الخط الأبرز في عمارته الشاهقة لفن القصيدة ، وهو الخط الذي تغلب عليه المشاعر الصوفية حتى عندما يكون موضوع القصيدة عاطفياً ، كما تتجلى فيه فنون العمارة الهندسية العربية الكلاسيكية بما يشبه قصور العرب في الأندلس ، ما ينعكس بدقة وأمانة وعظمة فنية على الهندسة الموسيقية لعمارة القصيدة الغنائية ، وهو الخط الذي أكمله السنباطي فيما بعد في قصائده الدينية مثل (سلوا قلبي ونهج البردة وولد الهدى وحديث الروح) وقصائده العاطفية مثل (الأطلال) وقصائده الوطنية مثل (مصر تتحدث عن نفسها وصوت الوطن) والوصفية مثل (قصيدة النيل).
عن الدستور الاردنية