مستويات اللغة والأدب الشعبي في عصر الجاحظ

مستويات اللغة والأدب الشعبي في عصر الجاحظ

د. ثائر العذاري
تطالع قارئ كتاب (البيان والتبيين) الكثير من النصوص الجاحظية التي تستوقفه بما فيها من إلماعات تبدو بينة التقدم على عصر الرجل، منها هذا النص الفريد الذي يفتح أبوابا لاستنتاجات قد يبدو من العريب أن يعترف بها الجاحظ في ذلك العصر نظرا للمنظومة الفكرية التي كانت تتحكم بمناهج التفكير في ذلك العصر

((ومتى سمعته ـ حفظك الله ـ بنادرة من كلام الأعراب، فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها، ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها، وأخرجتها مخارج كلام المولدين والبلديين، خرجت من تلك الحكاية، وعليك فضل كبير، وكذلك إذا سمعت بنادرة من وادر العوام، وملحة من ملح الحشوة والطغام، فإياك وأن تستعمل فيها الإعراب، أو تتخير لها لفظاً حسناً، أو تجعل لها من فيك مخرجاً سرياً، فإن ذلك يفسد الإمتاع بها ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويُذهب استطابتهم إياها واستملاحهم بها.))

وأول ما يلفت القارئ هنا إقرار الجاحظ بربط وثيق بين البيئة الاجتماعية ونمط اللغة، فهو يفرق بين مستويات ثلاثة من اللغة التي كانت مستخدمة في عصره (في القرن الثالث للهجرة)، إذ إن (لغة الأعراب) غير (لغة البلديين والمولدين) التي تختلف هي الأخرى عن لغة (الحشوة والطغام)، على أن (كلام الأعراب) - كما هو واضح في النص- هو اللغة الفصحى. وهنا يأتي الإقرار الأهم للجاحظ، فهو كما يبدو يخاطب طبقة معينة من الناس هم قراؤه (البلديين والمولدين) فجعل لغتهم هي اللغة الوسطى تحيط بها لغة الأعراب من جهة ولغة الطغام من الجهة الأخرى، فرأى أن على هؤلاء أن يحافظوا على المستوى اللغوي لما يروونه عن المستويين اللغويين المجاورين.

إن النتيجة اللافتة التي يقودنا اليها هذا الفهم هي أن الجاحظ يكشف هنا بصورة غير مباشرة عن أن اللغة العربية الفصيحة لم تكن هي اللغة الشعبية في القرن الثالث الهجري فلغات البلديين والحشوة والطغام إنما هي لهجات شعبية مثل ما نسميه اليوم العامية، وأن اللغة القياسية في عصر الجاحظ كانت لغة سكان الحواضر والمدن، وهو اعتراف من واحد من أعمدة البلاغة العربية بأن من غير الممكن غض الطرف عن حيوية اللغة وحتمية تطورها وضرورة الإقرار بذلك التطور، لاستحالة ديمومتها على صورتها الأولى وتجميدها بما يعزلها عن متطلبات العصر والحياة الاجتماعية وديناميكيتها.

وأصل النص الحديث عن طريقة التعاطي مع النصوص الأدبية التي يرويها قراء الجاحظ، وسواء أكان المقصود بكلمة (نادرة) الطرفة والملحة أم كان يقصد بها النص النادر الفريد، فالجاحظ يشير بوضوح هنا الى وجود أدبين متوازيين في عصره هما أدب الأعراب الفصيح المروي عن الأقدمين وأدب العامة (الحشوة والطغام) الذي يمكن أن نسميه الأدب الشعبي، الذي يبدو من كلامه أنه كان متداولا بين المثقفين في عصره، وهنا يبرز سؤال كبير لابد أن يشخص عند هذه النتيجة، فكم ضاع منا من هذا النمط الأدبي الذي كان يصور بالضرورة الحياة العربية اليومية للإنسان العادي؟ فذلك الأدب ضاع بسبب التركيز على رواية أدب الأعراب والنظر بنظرة دونية الى أدب المعاصرين الشعبي.
ونظن أن (النادرة) التي يقصدها الجاحظ هنا هي النص الفريد الذي ينطوي على قيمة أدبية جمالية، ففي المعاجم (كما قال في أساس البلاغة):

((وهذا كلام نادر غريب خارج عن المعتاد وأسمعني النوادر ولا يقع ذلك إلا في الندرة وإني لألقاه في الندرة وعلى الندرة والندرى))

وبهذا الفهم  يكون الجاحظ قد وضع الأدب الشعبي مقابل أدب الأعراب في كفتي ميزان يتعادلان بها في ضرورة الحفاظ على طبيعة لغة كل منهما.

ويتضمن الجزء الأخير من النص لفتة متقدمة في تحديد القيمة الجمالية للنصوص، فالجاحظ يرى هنا أن تلك القيمة تأتي من الطبيعة اللغوية للنص من حيث تمثيله لطبقة اجتماعية محددة، وطبيعة استجابة المتلقي لذلك النص، وهو يشير بوضوح الى أن المتلقي في النهاية هو هدف العملية الجمالية برمتها:

((...فإن ذلك يفسد الإمتاع بها ويخرجها من صورتها ومن الذي أريدت له ويُذهب استطابتهم إياها واستملاحهم بها.))

إذ سيتخلخل  الوسط اللغوي الرابط بين الراوي والتلقي، وهذا ما سيؤدي الى فشل الرواية أو افتقاد القيمة الجمالية للنص. والعملية الجمالية إذن - عند الجاحظ - لا تكتمل الا بأركانها الثلاثة الراوي أو المنشئ والنص والمتلقي.

وأخيرا يمكن عدّ هذا النص إرهاصا مبكرا بإشكاليات لغة السرد، إذ كما هو المتعارف عليه اليوم أن اللغة في النص السردي يجب أن تكون لغة الشخصية الواقعة تحت مجهر السرد وهكذا تتغير اللغة كلما انتقلت بؤرة السرد الى شخصية أخرى. وفي هذا النص يلزم الجاحظ الراوي بالتزام لغة الشخصية التي يروي عنها وعدم التفريط بسماتها تحت أي مسوغ حتى إذا كان بهدف الارتقاء باللغة الى مستوى جمالي أرفع.

مثل هذه النصوص المتناثرة في كتب التراث العربي تحفزنا على إعادة النظر في تراثنا وإعادة قراءته قراءة تفكيكية ترمي الى إعادة صياغة نظرية أدبية عربية نابعة من طبيعة اللغة ذاتها، ولا شك أن هذا سيكون رافدا بغاية الأهمية يمكن أن يؤدي بالنهاية الى ظهور تيار نقدي عربي يمواز للنظريات النقدية المعاصرة إن لم نقل أنه سيكون الأصلح لدراسة النص العربي.