شخصيات تاريخية - الجاحظ، شيخ الكتاب في العصر العباسي الأول

شخصيات تاريخية - الجاحظ، شيخ الكتاب في العصر العباسي الأول

د. رضا العطار
يوضع الجاحظ على رأس كتّاب العصر العباسي غير مدافع ولا منازع، وهو يرجع الى اصل عربي، فقد ولد في البصرة عام 159للهجرة ونشأ فيها نشأة متواضعة. وقيل عنه انه كان يبيع السمك لقربه من نهر سيحان. على اننا نمضي معه في حياته حتى نراه يترك نهر سيحان ويتجه الى انهار الثقافة،

 فيتردد على المربد، ليسمع من الاعراب الفصحاء القادمين من الصحراء وبدأ يتردد على حلقات العلماء في المساجد، يأخذ منهم ومن غيرهم. ثم اقبل على قراءة كل ما ترجم من الثقافات الاجنبية. كان شغفه بالقراءة عظيما الى حد انه كان لا يقع في يده كتاب الاّ ويقره من اوله الى اخره. وكان اذا دخل مكتبة، بات فيها حتى الصباح، للقراءة والنظر.
وهذا العكوف على القراءة هو الذي جعل كتبه اشبه ما تكون بدائرة معارف. فليس هناك جدول من جداول الثقافة في عصره الا وتسربت منه فروع ومنعطفات الى كتاباته وتأليفاته، وان كتبه من هذه الناحية لتشبه تمام الشبه معارضنا الحديثة، فانت منذ دخولك في فواتح هذه المعارض تشاهد صناعات مختلفة من كل جنس، وكذلك في كتب الجاحظ تجده يعرض تحت بصرك جميع الوان الثقافة التي عاصرته من هندية وفارسية ويونانية وعربية وهو يجمع ذلك في شكل مشعّث، فبينما يحدثك عن آية قرآنية اذ هو يتحدث عن حكمة يونانية. وبينما يحدثك عن العرب وادبهم اذ هو يحدثك عن نظرية عند المعتزلة. وبينما يحدثك عن زرادشت والمجوسية اذ هو يحدثك عن الاسلام والنبوة. وحتى هو ان كتب في البيان عند العرب تجده يبحث لك عن رأي الهند واليونان والفرس في البلاغة.
والحق ان الجاحظ كان شخصية فكهة كما كان شخصية لسنة وقد عنى بتاليف الكتب والرسائل حتى ترك اكثر من مائة وسبعين كتابا، ومن المحقق ان الجاحظ نال شهرة واسعة في عصره وبعد عصره اذ نجد النقاد والادباء يلهجون بمدحه والثناء عليه حتى ليقولوا بان كتب الجاحظ هي رياض زاهرة وبساتين مثمرة. لقد كانت كتب الجاحظ تعلم العقل اولا والادب ثانيا ومع ذلك كان الجاحظ يشكو من حساده وانه كان في اوائل حياته اذا اخرج كتابا معنونا بأسمه، نقموا عليه واظهروا له الازدراء، فكان كثيرا ما يؤلف كتبا وينسبها الى ابن المقفع اوالخليل اوالعتابي. وقد عاش 96 عاما واكبر الظن ان هذا العمر الطويل هو الذي ساعده على كثرة التأليف. انه كان مشوّه الخلقة جاحظ العينين. واخيرا وبعد مرض عضال، انهالت الكتب عليه يوما وهو جالس بينها يطالع، فقضت عليه، وهكذا ذهب الجاحظ ضحية (غدر) الكتب اعز (الاصدقاء) واقرب الاشياء لديه.
يمتاز الجاحظ بانه لم يترك موضوعا عاما الا وكتب فيه، وان من يرجع الى كتبه يجده قد الف في النبات والحيوان وفي الانسان وفي المعادن والمعاش وفي الجد والهزل وفي الجواري والغلمان وفي العشق والنساء وفي المذاهب والاديان ونظم القرآن وفي البيان والتبين وفي حيل لصوص النهار وحيل سراق الليل وفي البخلاء والكرماء، وان في ما يدل على ان الجاحظ خطا بالكتابة الفنية عند العرب خطوة جديدة نحو التعبير عن جميع الموضوعات بأسلوب خلاب وبيان عذب. انه لم يقر بان الكتابة الادبية الفاظ ترصف وانما كان يفهمها كمعان تنسق في موضوع خاص مما يتصل بالطبيعة والانسان.
من يتابع ادب الجاحظ يجد انه يشغف بحكاية الواقع، لا يتستر، ولا يتخفى، حتى انه ليذكر العورات في غير مواربة وكأنه كان يرى الحقائق عارية دون ان يسدل عليها اي حجاب، اذ نلاحظه يصورها بكل ما فيها من طهر ووزر ودين وزندقة وجد وهزل وقد بالغ في ذلك حتى انه ليروى ايضا عن الصعاليك والزط واللصوص كما يروي عن الخلفاء والامراء وقواد الدولة وكبار كتابها. ويعرف كيف يصور الوضع في عصره بجميع طبقاته وافراده وملامحه وخصائصه النفسية.
واذا كانت الواقعية عنصرا اساسيا في اعمال الجاحظ فان هناك عنصرا آخر عم آثاره وربما كان اهم من عنصر الواقعية وهو عنصر الاستطراد اذ يلاحظ كل من يقرأ في ادب الجاحظ يلاحظ حالة من التشعث في التأليف، فهو دائما ينتقل من باب الى باب ومن خبر الى خبر ومن شعر الى فلسفة ومن جد الى هزل في تشعب دائب حتى ليقول الباحث الاجنبي (كارا دي فو) ان الموضوع عند الجاحظ ليس الا وسيلة للأستطراد. وقد اشار الى هذا الاستطراد قديما المسعودي في كتابه (مروج الذهب).
ومهما يكن فقد كان الجاحظ يعني بأساليبه عناية توفر لها ضروبا من التقطيع الصوتي، وقد ذهب يستعين في ذلك بتكراره وترداده حتى تستوفي اساليبه كل ما يمكن من هذا التلوين الصوتي الذي يكسب تعبيره جمالا خاصا يتفوق به على جميع الكتاب في عصره.
موقع الحوار المتمدن