كتاب يستكشف ملامح الحياة العباسية في سِفر   الحيوان   للجاحظ

كتاب يستكشف ملامح الحياة العباسية في سِفر الحيوان للجاحظ

عبدالمجيد عبدالحميد
ترك لنا الأديب الموسوعي أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري (ت 255هـ) مجلدات من كتبه الشاملة في ضروب الأدب والفكر والفنون الحضارية والثقافة الشعبية التي أودعها في مصنفاته الموسوعية إبان القرن الثاني الهجري أيام الخلافة العباسية في العراق، حيث حظي التراث الشعبي بنصيب واضح ووافر ضمن تلك المادة المبثوثة في مؤلفاته الكبيرة نحو: الحيوان،

والبيان والتبيين، والتاج، ورسائله المعروفة، والتربيع والتدوير، والبرصان والعرجان والعميان والحولان، والبلدان…
كما حظي الجاحظ باهتمام كتاب كثيرين ممن ولعوا بترجمته ونقد مؤلفاته من العرب وغير العرب، ونال أدبه عناية كثير من الباحثين والدارسين والنقاد. وقلما حظي أديب عربي آخر بمثل ما حظي به الأديب الجاحظ من الاهتمام الموصول والعناية الجادة. ولا غرابة في ذلك، فالجاحظ ملأ الأسماع وغير المفاهيم، وأثار الجدل، وأضاف الجديد، ودعا إلى التفكير المليء والنظرة الثاقبة عند معالجة الأشياء ونقد الظواهر، بعيداً عن العاطفة واتخاذ المواقف سلفاً. وما يزال الجاحظ يشتغل بال الأدباء والكتّاب والنقاد والباحثين والدارسين وأرباب القلم، على اختلاف توجهاتهم وتباين أمزجتهم ومشاريعهم واهتماماتهم.
كتاب"الحيوان"لأبي عثمان عمرو بن بحر الملقب بالجاحظ والمتوفى سنة 255هـ، جدير بالاهتمام، حري بالمطالعة والدرس والتفقه والتجوال في أسفاره المتعددة، لا من قبل المثقفين فحسب، بل هو حرّي بالاهتمام من كل من يهتم بماضي الأمة وحاضرها وبات يؤرقه مستقبلها، وكل من أراد أن يصل فرعه بجذوره فثقافة الأمة خالدة بخلود لغتها الأصلية، فقيمة الكتاب جدّ عظيمة، والأجدر بالدارس لهذا التراث أن يكون موقناً أن العودة إليه ضرورة لا بد منها، وأنه لزام عليه أن يقف على قاعدة صلبة متجذرة في المعرفة ليستخرج كنوزها؛ عندها سيحسن ربط الماضي بالحاضر، وليصنع منه علماً مجدياً للمستقبل، وبقدر إيمان الشخص بأهمية تراثه وجدواه بقدر ما يكون ناجحاً متهيئا لما سيأتي من زمان.
ولعلّ كتاب"ملامح الحياة العباسية من خلال كتاب الحيوان للجاحظ"لمؤلفته الدكتورة رابعة عبدالسلام المجالي، والصادر عن دار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع في الأردن بصفحاته ألـ 328 صفحة من القطع الاعتيادي، فإنّه يأتي من قبل المجالي لكي تتجول في رحاب هذا الكتاب الموسوعي الذي ألفه الجاحظ بخبرة سبعين عاماً مثمرة مشحونة بالطاقات والاطلاع الصادرة عن عقل مختمر، وفكر مستو، وتجارب واسعة، والقارئ لهذا الكتاب أو الناظر لعنوانه"الحيوان"كما تقول المؤلفة:"... يخاله كتاباً خاصاً بالحيوان فقط، وهذا ربما يلاحظه الشخص إن كان قارئاً له للغاية العلمية، وكان يهمه أولاً علم الأحياء متخصصاً فيه، فلا ريب أنّه موسوعة تُعنى بمعالجة الحيوان في جميع ما يخصه، إلاّ أن هذا الكتاب وبالصفة التي لا نستطيع انتزاعها وخلعها عنه، فهي صفة ملتصقة به وهي صفة الشمولية الموسوعية.
جريدة الرياض السعودية/ 2009