موقف الملك فيصل الأول من الطبقة العاملة

موقف الملك فيصل الأول من الطبقة العاملة

زينب جبار العكيلي
وقعت على كاهل الملك فيصل الاول، الذي نصب ملكا على عرش العراق في الثالث والعشرين من اب 1921 وجميع الذين تصدوا لمسؤولية ادارة العراق مهام كبيرة، فقد كان العراق غارقاً حتى اذنيه بكم هائل من المشاكل المستعصية، الحقيقة التي اشار اليها الملك فيصل الأول في حفل تتويجه عندما قال:"

 ان العراق خال من أسباب الراحة والسعادة وفقد فيه الأمن، وسادته الفوضى، وقل فيه العمل، كما تغلبت الطبيعة، وغارت مياه الرافدين في بطون البحار، مما ادى الى افقار الارض بعد ان كانت يانعة نضرة" .فضلا عن ذلك كله، كانت هناك تهديدات خارجية تجابه العراق، واطماع بعض الدول المجاورة به.
ايا كان الحال، فان الملك فيصل اخذ يعمل بعد تتويجه على ايجاد الحلول لبعض المشاكل، حاثا في الوقت نفسه الوزراء المسؤولين كافة من خلال خطبهِ ولقاءاته المباشرة معهم، على السعي المتواصل لإقامة مشاريع متطورة، والعمل على إقامة صناعة وطنية، والبدء باستثمار كنوز العراق ولاسيما النفط، وربط أنحاء العراق بطرق مواصلات حديثة،ولاسيما بالسكك الحديد، لتسهيل اتصال العراق بالدول الأخرى، وتنشيط التجارة، وزيادة موارد الدولة وتنظيم الضرائب، والاقتصاد في النفقات، فضلا عن تأسيس المصارف، الأمر الذي سيتيح الفرصة لتشغيل الأيدي العاملة والقضاء على البطالة من خلال فتح منافذ جديدة للعمل.
ومما يجدر ذكره هنا، ان الملك فيصل اراد وفي وقت مبكر، ان تعتمد مطالبته وأفكاره على دراسات وتقارير أصحاب الشأن والخبرة، لذلك كلف في نهاية العام 1923 الوزير الحصيف صبيح نشأت وزير الاقتصاد والاشغال، بدراسة الحالة الاقتصادية للعراق ورفع تقريراً له عنها. لقد تضمن تقرير الوزير المذكور أفكاراً مهمة أهمها، انه اقترح تشكيل لجنة برئاسة رئيس الوزراء وعضوية وزراء المالية والداخلية والمواصلات والاشغال، فضلا عن مدير الري والزراعة، تتولى مهمة تنشيط الصنائع والحرف في العراق، والعمل على كيفية حماية المصنوعات الوطنية من منافسة البضائع الأجنبية. لقد تبنى الملك فيصل الأول معظم الافكار الواردة في التقرير المذكور، طالبا من مجلس الوزراء إغناء التقرير بالمزيد من الأفكار والآراء وإقرار ما يراه مناسبا خدمة للاقتصاد العراقي . وفي مناسبة أخرى لفت الملك فيصل الأول انظار مجلس الوزراء الى ان الحالة في العراق لاتدعو الى الاطمئنان في حاضرها ومستقبلها اذا لم تتخذ التدابير اللازمة لتنميتها.
 ولئن رحب الملك فيصل الأول بقدوم بعض الشركات وجلبها الأموال اللازمة لاستثمار كنوز البلد، كشركة النفط التركية وغيرها، لكنه طالما شدّد على العلاقة العضوية بين الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي في خطاب له في تموز 1925.
لقد ارتبط منح أول امتياز لاستثمار النفط في تاريخ العراق المعاصر بعهد الملك فيصل الاول ،الذي عدَّ الامتياز المذكور ثمنا لابّد من دفعه للاحتفاظ بالموصل، فضلا عن عدِّه الامتياز موضوع البحث ضماناً لايجاد مورد مالي ثابت لخزينة العراق، الذي كان بأمس الحاجة له ليتسنى استغلاله في تطوير ميادين اقتصاده المختلفة، مما يؤهله في نهاية الأمر الى الانضمام الى عصبة الأمم.
كما اهتم الملك فيصل الأول اهتماماً واضحاً بموضوع بناء صناعة وطنية، محبذا البدء بتلك الصناعات التي تعتمد على المنتوجات الزراعية والمواد الأولية المتوافرة في العراق،لأنه يرى في ذلك إنتاج بضاعة عراقية تسمح بالاستغناء عن المنتوجات الأجنبية لما في ذلك مردود اقتصادي كبير للبلد. ولا نبتعد عن الحقيقة اذا ما ثبتنا ان الملك فيصل الأول كان في ذلك متقدما على الكثيرين من معاصريه. ولم يكتف الملك فيصل الاول بذلك فقط، وانما راح يستغل زيارته لبريطانيا في سنة 1927 بزيارة منطقة لانكشاير، مركز صناعة النسيج في بريطانيا، ليطلع عن كثب على طبيعة صناعة النسيج العريقة فيها، وليسمع من ارباب تلك الصناعة وغيرهم الكثير من الافكار بشأن تلك الصناعة.
وفي أكثر من مرة أعرب الملك فيصل الأول عن ابتهاجه لنجاح شركة النفط التركية بالعثور على النفط،عادّاً ذلك البداية لتشغيل المزيد من العمال العراقيين، وحاثا الحكومة على منح المزيد من المشاريع للشركات أو المقاولين العراقيين.
دفعت الأوضاع السيئة التي كان يعاني منها الكثير من العمال الى اتباعهم أسلوب تقديم العرائض والمراجعات للجهات المسؤولة، بأمل نيل مساعدتها للتخفيف من وطأة ظروفها الصعبة، فقد كان لدى العمال، مثل غيرهم من الفئات الأخرى يومذاك، أمل بالملك والحكومة، غير ان أحدا لم يعمل شيئا.
اظهر الملك فيصل الأول اهتماماً متواصلا بالازمة الاقتصادية العالمية 1929-1933. مقدما دليلا على شعوره العالي بالمسؤولية ورغبة في مساعدة الحكومة والشعب العراقي للتخفيف من اثار تلك الأزمة. فقد لفت أولا انظار الشعب العراقي الى الخطر المحدق به بفعل تلك الأزمة ، طالبا منه العمل ليلا ونهارا على وفق الخطط التي تبعد العراق عن منصة الإفلاس والاضمحلال، التي لايمكن تحقيقها إلا بتكاتف الحكومة مع الشعب. وفي الوقت نفسه طلب من رئيس الوزراء تشكيل لجنة وزارية معززة ببعض الخبراء لمتابعة الأزمة والتحقق من تأثيراتها على العراق، بعد ان تعطي اللجنة المقترحة فضلا عن مجلس الوزراء الاهتمام اللازم الذي تستحقه الأزمة العالمية، ولم ينس الملك فيصل ان يطلب من وزير المالية تزويده بالمعلومات الوافية أولاً بأول عن الحالة الاقتصادية العامة للبلد.
ظل هاجس الملك فيصل الاول طوال المرحلة الأولى للازمة العالمية، استثمار أية فرصة لمساعدة العراق وشعبه في تجاوز آثارها. وعليه فانه كان يلتقي اثناء زيارته لاوربا برجالات الاقتصاد والمال فيها لمعرفة انجح الخطط اللازمة لمعالجة الأزمة موضوع البحث. من المفيد هنا ترك الملك فيصل يوضح ما استنتجهُ من حواراته مع أولئك الخبراء، وذلك عندما قال:" وجدت نتيجة التحقيق والبحث عن سياسة الدولة الاقتصادية هناك أنها سائرة على خطة واحدة، وهي باختصار العمل المتواصل للاكتفاء بما ينتجه كل قطر من المنتوجات والمحاصيل والسعي الحثيث لسد الأبواب في وجه المنتوجات الأجنبية، وغزو أسواق البلدان الأخرى بتصدير كافة أنواع البضائع والمواد إليها"، ويسترسل الملك فيصل بقوله بشيء من الصراحة "تنتاب العالم اليوم أزمة خطيرة، يئن وطني من عبئها، ولا يحتمل ان تزال عنه مهما تفاءلنا".
لقد تعرض العمال خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الى ضغوط شديدة مضافة إلى ما كانوا يعانونه من أوضاع سيئة، فقد توالت قوائم فصل عشرات العمال من المعامل والشركات العراقية والأجنبية، فارتفع بذلك عدد العاطلين عن العمل في سنوات تلك الأزمة بصورة لم يعرفها العراق من قبل والتي أشار إليها احد الكتاب المعاصرين عندما قال:" ان الأزمة الاقتصادية الضاربة قد بدأت بوادرها بالظهور في العراق وتفاقم شرها، بعد ان انتشرت البطالة بين صفوف العمال التي شملت معظم مرافق البلاد باجمعها والتي برزت علائمها في العجز الذي وقع في ميزانية الدولة وفي الكساد العام".
فكان من الطبيعي جدا ان يتبع العمال الذين استنفدوا الوسائل المشروعة لتحقيق مطالبهم العادلة وسائل أخرى أكثر ثورية، وعليه فقد بدأ عمال السكك في الثالث من كانون الأول 1930إضراباً عاما للمطالبة برفع الحيف عنهم. ومما يستحق الذكر ان "جمعية أصحاب الصنائع" ناشدت الملك فيصل الأول بالتدخل ونصرة العمال المضربين، ولم يكتف المسؤولون في العراق بتجاهل مطالب العمال فقط، وإنما زادوا الطين بله عندما أصدروا في حزيران 1931 قانون رسوم البلديات، الذي فجّر إضرابا عاما دخل التاريخ باسم"ثورة الشعب الصامتة" والذي هزَّ الحكومة القائمة هزاً.
ان الذي يستوجب الذكر هنا موقف الملك فيصل الأول الذي كان خارج العراق آنذاك، من هذا الإضراب، فقد ابرق إلى وكيله مشدداً على ضرورة عدم استخدام العنف، وعند عودته الى بغداد، أعرب البلاط عن ثقته بالملك لمعالجة المأزق الاقتصادي المسيطر على العالم بأسره.
كما يبدو واضحاً، إن الملك فيصل الأول، الذي أنهمك طوال مرحلة  الانتداب ببذل جهد كبير لوضع اللبنات الدستورية والقانونية الأولى للدولة ورعاية حركتها، لم يجد الوقت الكافي للنظر في شؤون العمال بشكل أكثر اهتماماً.
انصبت جهود واهتمامات الحكومات العراقية في اغلب سنوات الانتداب(1920-1932) على إرساء أسس الدولة العراقية، وتحقيق الأمن، وتنظيم العلاقات مع دولة الانتداب(بريطانيا)، ومجابهة المشكلات الخارجية، ولاسيما مع تركيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد فارس. وعليه فقد أكد منهاج الوزارة النقيبية الثانية التزامها الواضح بتحقيق الامن والضبط في انحاء العراق تمهيدا للشروع بالاعمال التي ترتقي بالعلوم والمعارف والحرف من جانبها التزمت الوزارة السعدونية الاولى بمراعاة التوازن بين الدخل والإنفاق، واستثمار ثروات البلاد، والعمل على احياء المشاريع المهمة. اما الوزارة العسكرية الاولى فقد كان منهاجها عبارة عن مجموعة تعهدات كانت أوضح مما سبق، فقد تعهدت صراحة بأن تحمي الزراعة والتجارة والصناعة الوطنية، والعمل على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، للعمل على انعاش الحياة الاقتصادية في العراق.
جاء منهاج وزارة ياسين الهاشمي الأولى أكثر تفصيلا فيما يتعلق بالجوانب الاقتصادية، فقد اعلن المنهاج تبنيه لمبدأ الاقتصاد في المصروفات والأخذ بالوسائل الممكنة لرفاه الشعب، والسعي لتنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى، كما عدَّ المنهاج موضوع البحث الاهتمام الجدي في أمور تحسين الزراعة والري وكل حقول الاقتصاد الأخرى التي يتوقف عليها نهوض البلد الاقتصادي، مسألة غاية في الأهمية. ولم ينس منهاج الوزارة المذكورة  التطرق إلى موضوع تنشيط الصناعة وإيجاد أسواق للمنتوجات العراقية ودعوة العراقيين الى الاهتمام بإنشاء بعض الصناعات.
لقد اتخذت الفئة الحاكمة العراقية في السنوات الأولى من عهد الانتداب مواقف غير ودية، أو مواقف تنم عن التجاهل المطلق تجاه الطبقة العاملة في العراق، على الرغم من أن تلك الفئة كانت تدرك الوضع السيء للعمال العراقيين، غير أن قيادة الطبقة العاملة لم تفقد ثقتها بالأوساط الحاكمة، إلا بعد ان اصطدمت مراراً بوقائع مرة.  ففي عام 1924 أراد عدد من عمال السكك الحديد إجازة نادٍ لهم، إلا أن طلبهم هذا استفز الحكومة التي لم تكتفٍ فقط برفض الطلب، وإنما قامت بتوجيه العقوبات الإدارية لهم، مما أدت إلى قيام إضراب منظم من العمال في ميناء البصرة.
مما يستحق الذكر هنا ان العراق بقي حتى سنة 1926 بدون قانون للعمل والعمال، وعليه فقد ألزمت عصبة الأمم بريطانيا بوصفها الدولة المنتدبة، بمعالجة هذا الخلل الكبير، وعليه فقد وجه المندوب السامي البريطاني في العراق السير هنري دوبس مذكرة إلى رئيس الوزراء عبد المحسن السعدون في 25 أيار 1926 طلب فيها تهيئة لوائح قانونية معينة تنسجم مع ما اقره مؤتمر العمل الدولي المهم جدا هنا أدى الى إصدار القانون رقم(17) لسنة 1926،  الذي دخل التاريخ باسم " قانون تسجيل التجار وأرباب الصنائع والحرف لسنة 1926" وكانت غاية هذا القانون تسجيل عناوين وأسماء الأشخاص،وأنواع أعمالهم وأماكنهم، مؤكداً ضرورة مطابقة تلك البيانات للحقيقة والواقع.
وللوقوف على وضع الصناعة والعمال في العراق طبقا للتقرير الذي رفعته بريطانيا لعصبة الأمم في سنة 1926 الذي نص في بعض فقراته على أنه:"ليس في العراق هيئة صناعية منظمة تستحق الذكر، وكل ما فيه من الصنايع المحلية ومن الأنواع البسيطة، كالصياغة والحياكة وصناعة النحاس وأنواع أخرى اقل أهمية. تقوم هذه الصناعة في بيوت، وليس في العراق مصانع بمعنى الكلمة، ولا تزال الحكومة اكبر أرباب الأعمال في البلاد ويشتغل لديها الآن عدد كبير من العمال".
عن رسالة (الموقف الرسمي والشعبي من الطبقة العاملة)