الأضراب الأول لصحفيي العراق

الأضراب الأول لصحفيي العراق

شهاب احمد الحميد
ما ان تم القضاء على حركة مايس 1941 التحررية . واستكملت قوات الجيش البريطاني احتلالها العسكري لبغداد للمرة الثانية ، حتى خضعت الصحف ، المجلات، وسائر المراسلات والمطابع الى رقابة عسكرية شديدة ، الحريات العامة وزج المئات من اصحاب الرأي والفكر ، والصحافة في السجون وابعد العشرات منهم وازدادت الحياة سوءا بعد ان توقفت عن الصدور صحف عدة تعرض عمال المطابع جرائها للبطالة

 وتفاقمت الازمة المعاشية للمواطنين بعد ان دخل بغداد في غضون شهر حزيران نحو مئة الف جندي عسكروا الى الجانب الغربي منها - اي في الكرخ -واحتل ضباطهم معظم الدور الحديثة المجاورة لمعسكرهم فارتفعت اسعار الحاجيات ارتفاعا فاحشا، وتعذر على الطبقتين الفقيرة والمتوسطة العيش بيسر فانصفت الوزارة الموظفين والمستخدمين بزيادة مرتباتهم غير ان تلك الزيادة لم تجد نفعا اسعار المواد الاساسية تضاعفت عشرات المرات بشكل متصاعد ومستمر ومما زادالطين بلة ان عددا من الاعيان والنواب ، والوزراء ، وكبار الموظفين نزلوا الى الاسواق لشراء المواد واحتكارها مما تسبب في تعميق الازمة المعاشية للمواطنين بشكل لايطاق فاصدرت وزارة الشؤون الاجتماعية بيانا الى متصرفي الالوية كافة رجت فيه استفزاز حمية ارباب الشهامة والمروءة لجمع التبرعات المستعجلة لمساعدة الفقراء الذين نكبوا بارتفاع الاسعار العامة ارتفاعاً فاحشا ادى الى انتشار المجاعة والامراض بين الطبقة الفقيرة من الناس وبالرغم من قسوة الجوع فقد كانت اصابع المواطنين تشير بالاتهام الى الجيش البريطاني الذي تسبب وجود اعداده الضخمة في بغداد بارتفاع الاسعار ، ووخلق الازمة المعيشية مما حدا بالسفارة البريطانية ببغداد الى اصدار بيان مطول نفت فيه تلك الشائعات التي كانت تتردد على السنة المواطنين .
وفي مطلع 1942 ومع زيارة (ولتر مدنكتون) الرئيس الاعلى لادارة الرعاية البريطانية في الشرق الادنى الى العراق . وهو الذي كان يغدق على بعض الصحفيين المال الجزيل كلما اجتمع اليهم ووجههم التوجيه اللازم ، بدت الحياة اكثر قسوة من اي وقت مضى حيث اعلنت الوزارة السادسة التي شكلها نوري السعيد في حينها باضطهاد الوطنيين والاحرار واصبح شغلها الشاغل وهمها الوحيد تسيير المصالح البريطانية واعلان الحرب على دول المحور ، ومكافحة الافكار الفوضوية والهدامة . في الوقت الذي ضاقت فيه الحياة بالطبقة العاملة وشهدت الحركة الطباعية اسوا كساد في تاريخ العراق الحديث حيث اصبحت فيه الاجور التي يتقاضاها عمال المطابع لاتتناسب والاسعار المحلية السائدة، وكانت الاوضاع العامة سيئة جداً بحيث اعتبرت فيه مديرية الرعاية (قيام مديرية السجون بانتاج الصمون لتخفيف وطأة ازمة الخبز في العاصمة ) مكسبا من مكاسب الوزارة السعيدية للترفيه عن المواطنين.(وبالرغم من وجود قانون العمل فقد كان عمال المطابع يعملون بدون وقت محدد .. يأتون الى مطابعهم في الصباح ويخرجون في ساعة متأخرة من الليل .. وفي ايام جلسات المجلس النيابي يحمل عمال مطابع الصحف هموما متزايدة ، حيث كانت الصحف تتسابق في نشر اكبر مساحة من الخطابات . منها ما ينشر من خطب المعارضة ومنها ما ينشر من خطب المؤيدين للوزارة وبالاضافة الى ذلك ساءت الحالة المعاشية لعمال المطابع ، وعمت البطالة جميع اصناف مهنة الطباعة وقد بدأت الصحف تصدر باربع صفحات لقلة الورق ـ وتعطلت الكثير من المطابع لعدم وجود الادوات الاحتياطية .. وهكذا غدت الحياة اكثر قسوة من اي وقت مضى وعلى الرغم من قلة عدد عمال المطابع ، الا ان معظمهم كان يقرأ ويكتب ، فيها كان بعضهم يمتلك جذوراً ثقافية ومنهم من تعلم اموراً كثيرة بحكم طبيعة المهنة ، وارتباطها بحركة تطور الثقافة والفكر والادب على المستويين القومي - والطبقي . لهذا كله لعب عدد من عمال المطابع دوراً كبيراً .. ومؤثراً في تدارك الامور وكانت طبيعة تواجدهم في المناطق الشعبية من بغداد تسمح لهم بعقد اللقاءات وتبادل الاراء حول ضرورة وضع حد لضائقتهم المعاشية فاتخذوا من مقاهي عدة في بغداد مقرات لتجمعهم مثل مقهى ياسين في شارع ابي نؤاس واخرى في الصالحية ، وثالثة في جانب الرصافة بالقرب من مطبعة الحكومة ومقاهي شارع المتنبي والميدان بالاضافة الى اتخاذهم مسكن احد شعراء عمال المطابع مقرا للاجتماعات المهنية النقابية يلوذون اليه كلما وجدوا مضايقة من شرطة التحقيقات الجنائية . وفي عطلة يوم الجمعة المصادف 29 تشرين الاول 1942 اجتمع بعض عمال المطابع وكان معظمهم من العمال المرتبين من مختلف الاتجاهات الوطنية والقومية والديمقراطية للتشاور فيما بينهم بشأن وضع حد لاوضاعهم الاقتصادية المتدهورة ، ونتيجة للمشاورات السريعة قاموا بتنظيم مذكرة تضمنت جملة من المطاليب كان اولها زيادة رواتبهم بمعدل لايقل عن 25% وتحديد ساعات العمل في جميع المطابع الاهلية بثمان ساعات ، ودفع مخصصات الاعمال الاضافية ومنحهم الاجازات المرضية والاعتيادية ، والالتزام بقانون العمل رقم 72 لسنة 1936 . وقد انبثقت من بينهم لجنتان تشكلتا للمتابعة وتنظيم الاتصالات مع اصحاب المطابع الاهلية ، وللتفاوض مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية , وبعد تمحيص المذكرة تم تبليغ الجهات ذات العلاقة بان عدم تنفيذ المطالب خلال 48 ساعة سيؤدي الى اعلان الاضراب العام . وسوف لن يعود عمال المطابع الى اعمالهم مالم تتحقق مطاليبهم كاملة لهذا فقد ابدت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية اهتماماً كبيراً حال تقديم الطلب في يوم السبت الموافق 1942/10/30وفي مساء اليوم نفسه اجتمع المتفاوضون فتبين لهم اولا : ان وزارة العمل : تؤيد مطاليب العمال بتطبيق قانون العمل ولكنها تتمنى عدم القيام بالاضراب . ثانيا: ان اصحاب المطابع لم يهتموا للامر باديء ذي بدء ، واعتقدوا بانهم يتمكنون من التفريط بالحقوق المشروعة لعمال المطابع من خلال المماطلة والتسويف ، وكان اشدهم قساوة وتعجرفا اولئك الذين اصبحوا اصحاب مطابع اثناء الحرب وكانوا عمالا قبلها ! وكان لسماع عمال المطابع نتائج المفاوضات وقع كبير في نفوسهم ، ورفع معنوياتهم ، فازدادوا تماسكا بحيث اصبحوا على مطلق الاستعداد لاعلان الاضراب ، بل انهم اخذوا يترقبون اللحظات التي تعلن انتهاء المدة المحددة لاعلان اضرابهم التام والشامل ، ليبرهنوا على قوتهم ووحدتهم وتفانيهم في النضال من اجل الحصول على مطاليبهم المشروعة ، وكان يوم الاثنين الموافق الثاني من تشرين الثاني عام 1942 يوما ساخنا ليس في تاريخ الحركة النقابية لعمال العراق فحسب بل في تاريخ العراق كله .. بما شهد من احداث مثيرة تجاوزت في ابعادها ومؤثراتها تاريخ الصحافة والطباعة . ففي ذلك اليوم اعلن العراق الحرب على دول المحور الثلاث ، وحين خرجت الصحف مزدانة بعناوين بارزة لخطاب العرش الذي القاه الوصي عبد الاله مفتتحا به مجلس الامة قائلا (فقضية الامم المتحدة ، هي قضية الامة العربية وكل ما ورد في ميثاق الاتلانتي ، وخطب رئيس وزراء بريطانيا ، ورئيس جمهورية الولايات المتحدة ، ووزير خارجية بريطانية ، واخيراماسمعه مجلس الامة البريطاني من المارشال سمطس رئيس وزراء جنوبي افريقيا ينطبق كله على سياستنا الخارجية) ،كان عمال المطابع يرددون بعض كلمات الاستهجان لخطاب العرش ، وهم يعانقون نور الشمس لاول مرة في حياتهم ويداعبون خيوطها في وضع الظهيرة ، بعد ان تركوا جميعا دياجير الظلام التي تقبع بها مطابعهم في تلك السراديب المعتمة ذات الرائحة المتعفنة التي تنبعث من الجدران الرطبة ، معلنين اضرابهم التام والشامل ،فقد لازم معظمهم دور سكناهم ونظم فريق اخر منهم سفرات جماعية حشدوا فيها بعضا من الذين يخشىمن تعاونهم مع السلطة البائدة ، وقد بذلت اجهزة القمع السعيدية ، ولاسيما الشرطة الجنائية كل ما في وسعها لكسر الاضراب ملاحقة عمال المطابع والصحفيين التقدميين ، مستعينة ببعض اصحاب المطابع وبعض العاملين باللزمة فيها ، ولكن كل تلك الجهود ذهبت هدراً . ولما كانت وسائل الارهاب لم تجد نفعا ، وخشية ان يستمر الاضراب وتتعمق ازمة السلطة ، وتتعالى اصوات النقد والاستنكار لمظاهر الاحتلال البريطاني الجديد، طلب وزير الشؤون الاجتماعية احمد مختار بابان من الاستاذ مصطفى جواد الذي كان يشغل منصب ملاحظ العمل في الوزارة والاستاذ هاشم جواد مميز العمال (التوسط لدى العمال المضربين) من خلال لجنة الاضراب ، وبالفعل فما كادت شمس تشرين تنحسر خلف الافق حتى كان لفيف من العمال على موعد مع الوزير الذي استقبلهم بكلمات الترحاب وخاطبهم وهكذا تم الاتفاق على اصدار البيان المشترك التالي . الى / مميز العمال بوزارة الشؤون الاجتماعية . لقد تفضل معالي وزير الشؤون الاجتماعية فقابلنا نحن ممثلي عمال المطابع وبين لنا ان ما طلبناه في عريضتنا المقدمة الى وزارة الشؤون الاجتماعية بتاريخ 1942/10/26 حول زيادة اجورنا كان قد جرى الاتفاق عليه بين الوزارات المختصة واصحاب الصحف والمطابع ، واننا ابتداء من هذا الشهر سننال مخصصات غلاء المعيشة مقدارها 25 بالمئة (خمسة وعشرون بالمائة ) وكذلك فانه سينطبق في احوال عملنا جميع ما نص عليه قانون العمال وتعديله ., لهذا وقع على هذا الكتاب عن جميع عمال المطابع ونتعهد بالاتصال بجميع العمال المذكورين لافهامهم ذلك وعودتهم الى العمل هذا اليوم اليوم 1924/11/3 محمد اسماعيل وحسين على الناصر .. عن العمال . وقد تم طبع الكتاب المذكور ووزع على جميع العمال واصحاب المطابع في تلك الليلة . ومع هذا فلم تصدر في صبيحة اليوم التالي سوى صحيفة واحدة عمد عمال المطابع على اخراجها بصفحة واحدة تأييدا لاضرابهم فنشرت تلك الصحيفة خبر الاضراب في المكان المخصص لافتتاحيتها تحت عنوان بارز ، هو (اضراب عمال المطابع) الذي جاء فيه :- (اضرب امس عمال المطابع لتاييد مطاليبهم المتضمنة زيادة اجورهم بمناسبة غلاء المعيشة وتحديد ساعات العمل اليومي بثمان ساعات ودفع اجور اضافية اذا زادت مدة العمل على ذلك ، وهذه مطاليب مشروعة سبق لمطبعة الاهالي ان قبلت بها تجاه عمالها ، ونأمل ان تقبل بها سائر المطابع قريبا لان اسعار ضرورات المعيشة قد تضاعفت واصبحت اجور العامل لاتسد حاجاته الضرورية بمفرده ) ولم تصدر هذه الجريدة بشكلها الاعتيادي لان عمال المطبعة وان لاقوا منها تأييد لمطاليبهم لم يريدوا ان ينفرطوا عن زملائهم ويستأنفوا العمل قبل ان ينال جميع عمال المطابع مطاليبهم المحقة. وقد علمنا اخيراً ان الحكومة توسطت بالامر فقبل سائر اصحاب المطابع بمطاليب العمال ونأمل ان ينتهي هذا قريبا).
وهكذا خاض عمال المطابع اول اضراب في تاريخ الصحافة والطباعة في العراق.