ما طريق مارتن هيدجر إلى اللغة؟

ما طريق مارتن هيدجر إلى اللغة؟

هيثم سرحان
لا يُمكنُ لقارئ الفلسفة المعاصرة ودارسها ارتيادُ آفاقها وتخومها من دون الوقوف ملياً على أفكار الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر 1889-1976 التي تعدُّ إحدى ركائز الفلسفة المعاصرة الكبرى التي يميِّزُها عن غيرها كونها تُشكَّلُ أهمَّ مراجعات الفلسفة الغربية الشاملة التي حدثت في القرن العشرين،

 إضافةً إلى أنها تمثَّلُ مصدراً أصيلاً لفلاسفة الحداثة الغربية وما بعدها، أمثال: جورج هانز غادامير، وبول ريكور، وثيودور أدورنو، وجاك دريدا، وميرلو بونتي، وجياني فاتيمو، وريشارد رورتي، ويورغن هابرماس.
بدأ هيدجر تأسيسه الفلسفي من حيث انتهى فريدريك نيتشه الذي أطلق رصاصة الرحمة على الفلسفة الميتافيزيقية عندما عدَّها فلسف تلفيقيةً بامتياز؛ لأنها مارست خداعاً وتضليلاً فلسفيين بإعلانها صفاءَ برامجها ونقاءَ أصولها المستمدَّة من الفلسفة اليونانية القديمة، في حين أنَّ النزعةَ التجريبية، التي ينحاز لها هيدجر، أكَّدت أن هناك حشواً وخلطاً في جوهر هذه الفلسفة يتمثلُ في قيامها بإدخال عناصر ومكوِّنات مسيحية على نظامها العام وبنيتها الكلية، الأمر الذي يُفقدُها صفةَ النقاء الفلسفيِّ الذي ادَّعته لنفسها خاصةً أنها تصالحت مع التصوّرات الدينية وتعاليم المسيح عليه السلام، وأصبحت تؤكد حقيقةَ الوحي وتعترفُ بسلطة الكنيسة، في حين أنها تدَّعي سعيها إلى إثبات جدارة الوعي وسلطة العقل.
ليس هذا فحسب، بل إنَّ الفلسفة الغربية راهنت على التَّاريخ، وتحدَّثت عن تقدُّمه ومعناه، لكنّ هيدجر نفى هذه التصورات نفياً كلياً، وقام بخلخلة جذورها عندما كشف عن مكوِّناتها الميتافيزيقية؛ ذلك أنَّ التاريخ في الفلسفة الغربية- والكلام لهيدجر- يعني ''أنَّ للغرب ولأوروبا، ولهما وحدهما فقط، مسيرة تاريخية فلسفية الأصل. هذا ما تشهدُ عليه نشأةُ العلوم، فهذه العلومُ، كونها نابعةً من صُلبِ تطوُّرِ التاريخ الغربي- الأوروبي، وبالتحديد التاريخ الفلسفي النشأة، أصبحت اليوم في وضع جعلها تطبع تاريخ الإنسان فوق الكرة الأرضية قاطبة بطابع خاص مميز''.
ويمكنُ القول باحتراز بالغ: إنَّ غلوَّ الفلسفة الغربية، وانغلاقها، وتطرُّف برامجها، كان السببَ الرئيسيَّ وراء تطرُّف هيدجر المتمثل في إعلانه عن ''موت الفلسفة''، وهو موقف فلسفيٌّ جذريٌّ رافقته تحولاتٌ سياسية أدَّت إلى صعود النازية التي عقفت الصليب واتخذته شعاراً لها.
يعدُّ مصطلح الديزاين Dasein المكوِّن الأساسيَّ في مشروع هيدجر الفلسفي، بل هو يُشكلُ خلاصة الفلسفة الهيدجرية، إضافة إلى كون موقعه يُماثل موقع مصطلح ''الكوجيتو'' في فلسفة ديكارت. ولا يمكنُ فهم دلالة مصطلح (الديزاين) الحقيقية إلا من خلال إدراك الموقف النقدي الذي تتأسَّست عليه فلسفة هيدجر التي تُعلن بدايتها الفلسفية عندما قوَّضت الفلسفة الميتافيزيقية التي أعلت من شأن الوجود، وأكَّدت انفصاله الكامل عن الوعي الإنساني في سعي منها لتأسيس أنطولوجية متعالية.
يعني مصطلح الديزاين أنَّ فهم الإنسان لـ''موجوديته'' يجعله قادراً على إدراك الوجود الذي لا ينفصل عن الوعي الإنساني انفصالاً جوهرياً وموضوعياً. وبذلك يُعيدُ هيدجر ترتيبَ أسئلته النقدية الهادفة إلى قلب أولية الفلسفة الميتافيزيقية التي عدَّت الوجود سابقاً على الموجود، ومتعالياً عليه، ومحدداً شروطه الوجودية.
لقد أفضت التحوُّلات الفلسفية التي دشَّنها هيدجر إلى الإعلان عن نهاية الميتافيزيقيا وميلاد الفينومينولوجيا Phenomenology التي استطاع هذا الفيلسوف تطوير نماذجها اعتماداً على جهود إدموند هوسرل الفلسفية المبكرة.
احتلت اللغة مكانة مهمة في جميع الفلسفات القديمة والحديثة والمعاصرة على السواء، وإنَّ رصد التصوُّرات اللغوية في هذه الفلسفات، يضعنا أمام مادّة معرفية مذهلة، علاوةً على موقع اللغة في مشاريع الفلاسفة، باختلاف مذاهبهم، مما يعني أنَّ الموقف من اللغة أساسُ المنطلقات الفلسفية الجوهريّ.
وبهذا الصدد، يمكنُ استحضارُ بعض آراء الفلاسفة حول اللغة. ففريدريك نيتشه كان يقول: ''اللغة من إبداع الله''، وغادامير يرى أنَّ: ''اللغة أحدُ الألغاز العظيمة في التَّاريخ الإنسانيِّ''، أما دلتاي فقد قال: ''إنَّ اللغة هي القناة التي تُمكنُ الإنسانَ من إنجاز الفهم''، وأما بول ريكور فيقول: ''إنَّ فهمَ الإنسان لنفسه وللعالم من حوله يرتكزُ على اللغة التي تعبرُ عن هذا الفهم''.

ومع أنَّ هيدجر يدركُ أنَّ التصورات اللغوية قد شهدت تحوُّلاتٍ كبيرةً ختمت بنتيجة فحواها: أنَّ اللغةَ أداةُ تعبير، الأمر الذي يعني أنها تقومُ على خدمة الفكر، إلاَّ أنه لم يركنْ لهذه النتائج الجاهزة، وإنما خاض مغامرةً استهدفت مراجعةَ تصوّرات الفلاسفة اليونانيين حول اللغة، ومعاودة قراءتها وكشف مفاهيمها.
يعتقد هيدجر أنَّ جوهر اللغة عند الفلاسفة اليونانيين يتأسس على مفهوم اللوغوس Logos الذي يشكلُ طرفاً ضدياً في محور التضاد مع الميثوس Mythos.
وتعدُّ محاضرة هيدجر ''الطريق إلى اللغة''، التي ألقاها في أكاديمية بايرن للفنون الجميلة وأكاديمية برلين للفنون سنة،1959 خلاصة أفكاره حول اللغة؛ ففي هذه المحاضرة يبينُ هيدجر أنَّ المقصودَ بالطريقِ تلك المساحةُ المجهولةُ المنتميةُ لحدوث اللغة نفسها من حيث هي لغةٌ في جوهرها. لذلك راح هيدجر ينقدُ تصورات الميتافيزيقيا اللغوية التي تنظر إلى اللغة بوصفها قدرةً من القدرات والممتلكات التي يتمتَّعُ الإنسانُ بها ويعدُّها القدرة الأساسية في قدراته، إضافةً إلى تقويضه تصور الفلسفة الميتافيزيقية اللغوي القائل: إنّ اللغة هي التي تمنحُ الإنسان إنسانيته. وملخصُ هذا التصور يتمثلُ في أنَّ اللغة وسيلةُ تعبير وتفاهم وتواصل مع الآخرين، علاوةً على أنَّ هذا التصور يأخذُ من اللغة مستوى الكلام الذي يبرزُ كفاعلية بشرية صوتية تعتمدُ على أعضاء النطق.
وهكذا، فإنَّ التصورات الميتافيزيقية تعدُّ اللغةَ دليلاً على أنَّ الإنسانَ حيوانٌ عاقلٌ؛ ذلك أنَّ اللغةَ، في بُعدها الصوتي، تقومُ بإحداث ربطٍ بين ما هو جسمٌ وما هو عقلٌ، فأصوات اللغة تمثلُ جانباً من جوانب الإنسان الحيوانية الفيزيائية، أما المضامين والدلالات والمعاني فتعود إلى أبعاد الإنسان العقلية التي تميزه عن الكائنات الأخرى.
الإنسان، حسب هيدجر، كائن لغوي وليس حيواناً عاقلاً كما يرى الميتافيزيقيون. ولأنَّ الإنسانَ كائن لغوي، فإنّ عليه إدراك كينونته بوصفها موجوداً منفتحاً بانفتاح الكون، كما أنَّ هذا الإدراكَ يستدعي مساءلة تحديد اللغة الميتافيزيقي الذي يشدِّدُ على جانب اللغة الحسي والصوتي.
يستعينُ هيدجر في ''الطريق إلى اللغة'' بتأملات أرسطو اللغوية، وفحواها أنَّ اللغة هي إحدى وسائل التعبير الأكثر تعقيداً؛ فالكلام يعتمد على الأصوات التي تقوم ببيان الحالات المُختلجة في النفس وتكشف الحالات بدورها عن الأشياء التي تثيرها. وهنا يكمنُ فعلُ اللغة؛ في القدرة على الإبانة والكشف والحجب، إضافة إلى قدرتها على ابتكار الرموز وتحويلها؛ فهي تحوِّلُ المحسوسات إلى مدركاتٍ، وتحوِّلُ المُدركات إلى محسوسات.
وحسب هيدجر فإنَّ اللغة أوجدت للإنسان نظاماً يُمكِّنه من الإدراك ومُقاربة العوالم المُتباعدة. وهذا النظام هو ''المواضعة'' التي مكنت الإنسان والجماعات البشرية من الاتفاق على الرموز وربط العلامات بمدلولاتها ثمَّ إعادة تفكيك ذلك كله إذا ما دعت الحاجة إلى تغيير ماهية الحقائق وإجراء تحويرات عليها.
الكلام لا يعني، في النهاية، إلا محاولة الاتفاق على الرموز، ورصد دلالاتها وصولاً إلى إنجاز ثقة متبادلة حول الرموز المُتَكلَّم عنها. وهو سعيٌّ إلى تحديد مساحة الحضور التي يُمثلها المُتكلم عنه أما الصمت فهو حجبٌ لكلام لا ننوي الاعتراف به؛ في أثناء الكلام، يتمُّ تغييبُ رموزٍ لا نرغبُ في الإقرار بها؛ لأنها لا تُعبِّرُ عن موقفنا تجاه الوجود، الأمر الذي يؤكد أن الإنسان مُندرجٌ في حدوث اللغة، وأنَّ وعيه لا ينفصل عن هذا الحدوث إلا بقدر ما يستقلُّ عن اللغة. وهذا يعني، أنَّ اللغةَ عالمٌ حقيقيٌّ ينظمُ سيرورةَ الوجود، ويُتيحُ للإنسان البرهنة على موجوديته التي تُمثِّلُ خطوة اكتشاف الوجود الأولى. أما قصرُ اللغة على بُعدها التَّواصلي فإنَّه يُعدُّ ضرباً من الضلال عن طريق اللغة.

عن جريدة المستقبل اللبنانية/2005