عثمان سعدي: الثورة الجزائرية في الشعر العراقي

عثمان سعدي: الثورة الجزائرية في الشعر العراقي

د. على القاسمي
عندما أهدى إليّ الدكتور عثمان سعدى نسخة من كتابه الباذخ " الثورة الجزائرية فى الشعر العراقي"، لم يخطر بباله أنه يسبّب لى أرقاً وسهاداً لثلاث ليالٍ، ويثير في نفسي شجوناً وأوجاعاً وآلاماً مبرحة أحاول الآن التخلص منها بإفراغها على الورق.وتعود هذه الانفعالات الأليمة والمشاعر الموجعة إلى أمورٍ ثلاثة: الأول، يتعلّق بي، والثاني يرتبط بجيلي، والثالث ذو صلة بالثورة الجزائرية، وقبل أن أبيّن هذه الأمور الثلاثة بإيجاز، ينبغي أن أقدّم الكتاب للقارئ الكريم بإيجاز كذلك.

المؤلف:
مؤلِّف الكتاب، الدكتور عثمان سعدي، جزائري أمازيغى عربي أصيل. فهو ينتمي إلى قبيلة "الشاوية" الأمازيغية "البربرية" الشهيرة. ومعروف أن هذه قبيلة من العرب العاربة الذين كانوا يتكلّمون إحدى لهجات الجزيرة العربية قبل الإسلام.وقبائل الشاوية موجودة هذه الأيام في شمالي العراق، وفي شرقي الجزائر، وفي وسط المغرب. وقد تعرّبت هذه القبيلة تماماً في العراق والمغرب "أي تبنّت العربية المستعربة بدلاً من لهجتها العربية العاربة القديمة، كما فعلت قبلها القبائل الآشورية والسريانية والفينيقية وغيرها".ولد عثمان سعدى في ولاية تبسة في الجزائر عام 1930، وكان المستعمر الفرنسي في تلك السنة يحتفل بمرور مئة عام كاملة على احتلاله الجزائر ونهبِ ثرواتها والتمتع بخيراتها، على الرغم من أن الشعب الجزائري لم يتوقف يوماً عن المقاومة من أول يوم دخلت فيه القوات الفرنسية أرض الجزائر حيث قاد الأمير عبد القادر الجزائري الكفاح البطولي.
محتوى الكتاب:
بين يدي الطبعة الثالثة من كتاب " الثورة الجزائرية في الشعر العراقي " التي صدرت عن مطبعة الميزان للطباعة والنشر في الجزائر سنة 2001. وكانت طبعته الأولى قد صدرت في بغداد عام 1981، والثانية في الجزائر عام 1985 تقع الطبعة الثالثة في مجلد واحد يضم جزأين ويقع في 803 صفحات من الحجم الكبير. وكان المؤلِّف قد أعدّ هذا الكتاب بمنزلة رسالته لاستكمال متطلبات شهادة الماجستير في جامعة بغداد، وقد تجمّع لديه "255" قصيدة أبدعها "107" من شعراء العراق، ويقيمون في أكثر من "20" مدينة وبلدة. وقد وصلت هذه القصائد إلى المؤلِّف، إمّا من الشعراء أنفسهم "نحو نصف القصائد"، أو من أبنائهم، أو من قرّائهم. وفي جميع الأحوال كان المؤلِّف يقابل النصوص التي يحصل عليها مع ما هو مثبت في ديوان الشاعر إن كان له ديوان مطبوع، أو المراجع الأُخرى التي نُشرت فيها تلك القصائد.وفي تقديري الشخصي أن هؤلاء الشعراء الـ 107 لا يمثّلون إلا نسبة صغيرة من شعراء العراق آنذاك. فالشعر سمة العراقيين منذ عهد السومريين، وأنا أعرف مدينة في العراق كل أهلها شعراء. كما أن هذه القصائد الـ 255 التي حصل عليها الدكتور عثمان سعدى لا تمثل جميع القصائد التي قيلت في الثورة الجزائرية. فكل شاعر عراقى كتب عن الثورة الجزائرية قصيدة أو أكثر، ومن الشعراء مَن كتب مجموعة شعرية كاملة عن الثورة أو أحد أبطالها، فللشاعر الكبير على الحلى مجموعتان شعريتان كاملتان عن الثورة الجزائرية. وفي ظنى أن كثيراً من الشعراء العراقيين الذين انفعلوا بالثورة الجزائرية وتفاعلوا معها إحساساً صاغوه شعراً، لم يستجيبوا إلى دعوة السيد السفير، فلم يوافوه بأشعارهم لأسباب شتى. فكثيرٌ منهم كانت المنية قد وافتهم، أو كانوا يرزحون آنذاك في السجون والمعتقلات، أو يعانون الغربة والضياع في المنافي البعيدة في تلك الفترة، أو ببساطة لم يطّلعوا على الإعلان لإقامتهم في قرية نائية لا تصلها الصحف، أو لأى سبب آخر. وقد يكون بعض أولئك الشعراء قد اطّلع على إعلان السيد السفير ولكنه لم يبعث بقصائده، لأنّه كتبها بدافع وطنى نبيل وإحساس إنسانى صادق، ويأنف من أن يمنّ بها على سفير أو وزير. وهذا الأمر ذو علاقة بنفسية الفرد العراقي. عادت بي الذكرى فنهضت انفض الغبار عن مكتبتى وعدتُ إلى كتبى لأفتش بين طياتها عن بعض القصائد التي تتناول مختلف قضايانا القومية والمصيرية، ولكن للأسف لم أعثر سوى على هذه القصيدة. أما البقية فلم أجدها، لقد أضاعتها الأيام فيما أضاعت. لقد بحثتُ عن قصيدة لا أزال أتذكر منها البيتين الأولين، وهي:
ضجَّ الرصاصُ وزمجرَ الإعصارُ
             وعلا النشـيدُ وقهقه الجزّارُ
ضجّ الرصاصُ فيا دماءُ تفجّري
             غضباً، وزمجِر هادراً يا ثارُ
إنها قيلت في الثورة الجزائرية..وقد بقى الشعر في العراق أدباً ملتزماً لصيقاً بالقضايا الوطنية والقومية والإنسانية. وهذا ما أدركه المؤلِّف، فقال في مقدمته:
" فقد كان لكل انتفاضة عراقية شعراؤها. ففي الوقت الذى نجد فيه لثورة "1920ـ1921" العراقية شعراؤها من أمثال الراضي، والرصافي، والبصير، وغيرهم، الذين وقفوا في الشارع يحرّضون الجماهير على الثورة قبل قيامها، وعلى دعمها والوقوف معها بعد اندلاعها، نشاهد ثورةً بمصر في عام 1919، ـ وهى نفس الفترة الزمنية لثورة العراق ـ يكاد لا يوجد لها أثر بالشعر المصريّ.
فنحن نجد في هذا الكتاب قصائد لعدد من العلماء العراقيين الذين قلّما عُرِف عنهم نظم الشعر مثل الباحث محمد بهجت الأثري، واللغوى الدكتور أحمد مطلوب "رئيس المجمع العلمى العراقي حالياً"، والفقيه السيد هادى كمال الدين، والتربوي الدكتور أحمد حسن الرحيم، حيث يمكن القول إن الثورة الجزائرية بلغت أبعد أغوار الوجدان العربي فتعاطف معها الناس من الأعماق، وألهمت بعض الشعراء العراقيين أروع قصائدهم على الإطلاق فالنقاد، مثلاً، يرون أن قصيدة " الشمس تُشرِق على المغرب " هي أفضل ما قاله الشاعر كاظم جواد، وهو من رواد الشعر الحرّ في العراق وكان معاصراً لفرسان الشعر الحر الثلاثة، السياب والملائكة والبياتي، في جامعة بغداد، إلا أنهم تخرجوا في دار المعلمين العالية وتخرج هو في كلية الحقوق. تقول هذه القصيدة التي تقع في عشر صفحات كاملة وكنا نحفظها عن ظهر قلب في صغرنا لطلاوة موسيقاها، وحلاوة كلماتها، ورومانسية معانيها:
ألم تسمعْ صياحى الصارخَ الصاخبَ في الوادى يناديكَ يناديكْ؟
ألم تلمحْ شُحوبى اللافحَ، السابحَ في الريحِ، يناغيكَ يناغيكْ؟
ألم ينشرْ شروقُ القمرِ المسحورِ أشذاءَ أمانيكْ؟
على الأشجارِ عبرَ السهلِ، يَمَسُّ أغانيكْ
إلى الزيتونِ، حيث الغابةُ الشجراءُ تستهوى لياليكْ
ـ ليالينا ـ إزاءَ الطلعِ المنثورِ تذروهُ أياديكْ
لتُثرى الأرضَ، كى يخصُبَ وادينا فيجزيكْ
سلالَ الرطبِ الحلوِ، وإذْ يستروحُ الدربُ
عبيرَ الكلأْ المبتلِّ، أما يورقُ الجدبُ
  ويشدو عبرَ صدرِ الليلِ في ألوانهِ الحبُّ...

تناول الشعراء العراقيون في قصائدهم عن الثورة الجزائرية موضوعات متعددة مثل وصف بطولات الثوار وأمجادهم في معاركهم، وفرنسا وحلفائها وطبيعة الاستعمار، وجميلة ونضال المرأة الجزائرية. وقد أصبحت جميلة ومدينة وهران وجبال الأوراس، في كثير من القصائد رمزاً للجزائر الثائرة. ومعروفٌ أن هناك عدّة مناضلات جزائريات يحملن اسم جميلة ومعظمهن كنّ طالبات في العشرين من عمرهن عندما انخرطن في جيش التحرير ونفَّذن مهمّات قتالية، وقد اعتُقلت وعذِّبت كثيرات منهن وأشهرهن: جميلة بوحيرد، وجميلة بوباشا، وجميلة بوعزة، اللواتى أمضين سنوات في السجن حتى إطلاق سراحهن بعد وقف القتال عام 1962.تكمن قيمة الكتاب في أنه يضم مجموعة من قصائد كبار الشعراء العراقيين في الثورة الجزائرية، مثل محمد مهدي الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وكاظم جواد، وسعدى يوسف، وشفيق الكمالي، وغيرهم كثير. إضافة إلى أنه لم يقتصر على الشعراء الرجال وإنما شاركت الشاعرات بنصيب كبير، فالشاعرة العراقية شاركت في التعبير عن هموم مجتمعها منذ زمن الأميرة السومرية انخدوانا "حوالى 2300 ق.م."، وهى أقدم مؤلِّفة معروفة في الأدب العالمي، وكانت كاهنة وشاعرة مرموقة وعُرِفت بترتيلاتها لإلهة الجمال عنانا "=عشتار"، ونُفيت مدة قصيرة. ونحن في هذا الكتاب نجد قصائد رائعة لنازك الملائكة، ولميعة عباس عمارة، وعاتكة وهبى الخزرجي، وحياة النهر، وآمال الزهاوي، وصبرية الحسو، وأميرة نور الدين، وغيرهن.
إن فترة الثورة الجزائرية "1954ـ1962" هى فترة ثورة كذلك في الشعر العربي. ففي أواخر الأربعينات، ظهرت حركة الشعر الحرّ في العراق. ولهذا فإن الكتاب يشتمل على قصائد من جميع الأنواع التقليدية والتجريبية، من حيث الشكل والمضمون، فهناك القصيدة العمودية، والشعر الحر، وشعر التفعيلة، والشعر الملحمي، والمسرحية الشعرية، والموشحات، والقصيدة التي تمزج بين نوعين أو أكثر من تلك الأنواع الشعرية، وغيرها.
إن معالجة الثورة الجزائرية في الشعر العراقى تتخذ أشكالاً متعددة أهمها: إما التأكيد على أحقية الشعب الجزائرى في الاستقلال والحرية وتشجيع الثوار على المضى في ثورتهم حتى النصر، وإما نقد لاذع لامباشر لأننا لم نفعل شيئا لنصرة الجزائر سوى الكلام. ففي قصيدة " الجزائر" لمحمد مهدى الجواهرى نجد ذلك التشجيع والتحميس، يقول الجواهرى في مطلعها:
رِدِي علقَم الموتِ لا تجزعي
              ولا ترهبي جمرةَ المصرَعِ
فما سَعُرَتْ جمراتُ الكفاحِ
          لغـيرِ خلـيقٍ بـها أروعِ
 دعي شفراتِ سيوفِ الطغاةِ
               تُطبِّقُ منكِ على المقطـعِ
فأنشودةُ المجدِ ما وقِّعـتْ
على غير أوردةٍ قُطَّــعِ
أما قصيدة نازك الملائكة "نحن وجميلة 1960"، ففيها الشعور المرّ بأننا لم نفعل شيئاً لنصرة الجزائر سوى الكلام:
: جميلةُ تبكينَ خلف المسافات، خلفَ البلادْ
وتُرخين شَعرَك، كفَّكِ، دمعَكِ فوق الوسادْ
أتبكينَ أنتِ؟ أتبكى جميلة؟
أما منحوكِ اللحونَ السخيّاتِ، والأُغنياتْ؟
“وللأمانة التاريخية، ينبغى الإشارة إلى أن البلدان العربية دعمت الثورة الجزائرية، ومنها العراق، قبل انقلاب "ثورة" 14 تموز 1958 وبعده. ففي محاكمة الراحل الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس وزراء العراق الأسبق في العهد الملكي، اتهمه رئيس "محكمة الشعب" العسكرية، العقيد فاضل المهداوي بأنه كان يبعث بالأسلحة إلى رجل في دمشق اسمه "عبد الحميد المصري" لتخريب الوحدة السورية المصرية. فأنكر الجمالي ذلك، فقال المهداوى إن لديه وثائق عدّة بخط يد الجمالى يأمر فيها بإرسال تلك الأسلحة، فرجاه الجمالى أن يطلعه على الوثائق. وعندما نظر فيها الجمالي: قال:" نعم، سيدي، إن هذا الرجل هو "عبد الحميد المهري" ممثل جبهة التحرير الجزائرية في دمشق..