أسرار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء

أسرار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء

محمد وجدي قنديل
لقد استطاع محمد وجدي قنديل وخميس عبد اللطيف المصور ان يدخلا العتبات المقدسة في النجف وكربلاء وان يصورا لأول مرة الحياة التي يعيشها هناك الوف الناس القادمين من الشرق الاقصى حول مقام الامام علي وقبر ابي الشهداء.

بغداد : من محمد وجدي قنديل: "السلام عليك.. يا كبير القلب.. يا عظيم المقام.. السلام عليك..
يا امام الحق.. يا باب العلم..
السلام عليك..
يا علي.. يا بن ابي طالب.. يا ابا الشهداء".
ويحني الرجل قامته وتبلل العبرات جنتيه وترتجف شفتاه بالدعوات..
وتلمس يده الباب العظيم وتحتبس الكلمات في حلقه. ثم يخطوا الرجل من الباب العظيم الذي صنعت جوانبه من الذهب الخالص وتتعلق عيناه بقبر الامام علي وتسرع خطواته الى المقام الذي صيغت اعمدته ونقوشه من الذهب والفضة والبلاتين ويخشع الرجل القادم من اقصى الباكستان وتنهمر الدموع من عينيه ولا يدري.. ماذا يقول؟.. ماذا يفعل؟.. كيف ينطق؟..
فقط الذي يقوله: السلام عليك يا علي.. السلام عليك يا امام!
فقط كل الذي يفعله: الوقوف امام القبر العظيم والصلاة في الرحاب الكبير واضواء النهاء تمرق في خيوط رفيعة متسللة عبر المرايا والزجاج المكعب.. وتمضي الساعات على هذه الحال وضمير الرجل يستريح شيئاً فشيئاً ودموعه تسكن قطرة فقطرة وايمانه ينطلق مرة فمرة!.
ثم يخرج الرجل..
ويدخل مكانه الاف والاف جاءوا ايضا ساعين من الهند والباكستان واندونيسيا والصين وافغانستان وايران وارجاء العالم الاسلامي.. بالرغم من المسافات الطويلة والحدود البعيدة التي تفصل بينهم وبين الامام في النجف والشهيد في كربلاء!
كانت كلها من اروع اللحظات التي يعيشها انسان..
وكانت جميعها من ابهى المشاهد التي يطوفها الايمان.. ولم اكن اتصور انني سأرى كل هذا واسمع كل ذاك..
ولم يكن يدور في خيالي حقيقة الصورة العظيمة التي تنتظرني في الخطوة الاولى حتى الخطوة الاخيرة في "العتبات المقدسة"!.
وحينما جلت مع قائممقام النجف قال لي:
- بحق.. ايمكنني ان اسألك الروعة التي نعيش فيها..
بصدق.. لا يسعني ان اجسم لتصورك الايمان الذي يحوطنا ويغلف حياتنا في هذه البقعة..
لقد كانت اسرتي تقيم هنا منذ مائة سنة وكانت تعتبره مجرد وجودها بالقرب من الامام شرفا ما بعده شرف.. وجاءت ظروف معينة اضطرتها للانتقال الى الحلة واستقرت هناك وصحا شبابي على الصور العجيبة التي كان يتناقلها اهلي عن العتبات المقدسة، وكانت عيني على الزيارات المتتالية التي كان يقوم بها ابي وامي الى قبر الامام في النجف ومقام الشهيد في كربلاء واحسست بقيمة هذا الشيء العظيم على مدى العصور وشعرت بالايمان الذي يجول في خاطر الملايين حينما يجيئون من بعيد ويزورون المقام الكبير!.
قبة الذهب
وخرجت وحدي الى الشيء العظيم.. ومضت السيارة في طريقها الى شارع جديد يفتح الطريق مباشرة من خارج المدينة الى قلبها..
وفي نهاية الشارع يقف الباب الرئيسي للقبر واسمه (باب القبلة) ويقع مباشرة في مواجهة القبة الذهبية الكبيرة، وقال لي السائق وهو يشير الى كرة الذهب التي تتوهج تحت حرارة الشمس: الامام يرقد تحت هذه القبة!
ووقفت في النهاية امام الباب الرئيسي وينتشر حوله اعظم سوق في العالم للمسابح والعظور والبخور واللؤلؤ والمرجان والياقوت.. وفوق الباب ارتفعت نقوش كثيرة من "الكاشي الملون" ويطعمها الذهب والفضة وخيوط البلاتين.. وكل هذه النقوش تحيط بسمات الايامن الصادرة من الاعماق..
كانت الكلمة الكبيرة "على حبه جنة" "الحق مع علي.. وعلي مع الحق".
باب الكنز
جاءني احد العلماء وامسك بيدي قال لي: اقرأ الفاتحة!
لاحظ الرجل ان عيني معلقتان على الباب الكبيرة التي تضوي من مسافة بين ميلا وابتسم وهو يقول: انها من الذهب.. وسمك الطبقة التي تغطيها حوالي 1/2 سم.. انها ثروة ضخمة في حد ذاتها ولكن احدا لا ينظر الى قيمتها المادية لان سرها في قيمتها الروحية.. انها تظلل الامام العظيم!
وسألت العالم.. والباب الكبير؟
قال لي: من الذهب!
سألته: .. والباب الصغير!
قال لي: من الذهب؟
سالته: والمدخل الامامي للمقام!
قال لي: من الذهب ! كله من الذهب!
وسكت قليلا.. وجذبني من يدي وقال لي: انظر هناك.. ناحية الباب الرئيسي.. بجواره (باب الكنز) ايضا من الذهب وتختفي وراءه ثروة لا حدود لها ولا نظير لها من الفرس والروم والشيعة.. وقد بنى حوله حاجز من الاسمنت المسلح!
وحول قبر الامام ينتشر "الاواوين" التاريخية..
هناك 14 أيوانا على اليمين و13 ايوانا على الناحية الاخرى وبعض هذه الاواوين يسكنها طلبة العلم والدين الذين جاءوا يطلبون المعرفة من اقاصي الدنيا، وبعضها مقابر لائمة الشيعة المعروفين، وقد بنى كل واحد منهم ايوانا حول الامام لكي يكون قريبا منه..
وجدران الايوان منقوشة بالكاشي الملون وهو ارقى انواع الفسيفساء – وباب الايوان من الفضة المطعمة بالذهب، وارض الايوان من المرمر الايطالي الذي حملته السفن الى البصرة ونقل منها الى النجف!
في قلب الرواق
اما ارض الفناء الداخلي المحيط بالقبر فانها تحفة اخرى..
فكلها من المرمر الخالص ويرتفع ايضا الى مترين على الجدران ثم يلتقي بالنقوش المذهبة حتى السقف..
والابواب الثلاثة المؤدية الى المقام من الداخل من الذهب الخالص ومغلفة بالتايلون حتى لا يضيع بريقها، وعليها نقوش من الميناء الملونة التي اشتغل فيها الخطاطون والرسامون في الكوفة طوال عمرهم ونذروها للامام العظيم..!
ويجيء بعد ذلك الرواق الدائري المحيط بالمقام..
ان السقف والجدران كلها من المرايا المزركشة المختلفة الاحجام وتعكس اضواء الشمس التي تنقذ خلال الطاقات الصغيرة في القبة ويتدلى منها النجف والثريات الكهربائية التي احضرها اصحاب الحاجات والزوار وقدموها هبات الى المقام..
وبعض هذه الثريات من اللؤلؤ والمرجان وبعضها من الزجاج الملون..
اما المقام نفسه الذي يحوي قبر الامام علي فانه من الفضة والبلاتين وتدخل فيه اسلاك رفيعة من الذهب..
وقد قال لي الشيخ مصطفى شمسة احد خدام المقام ان الامام علي قتل في الكوفة ولكنهم جاءوا بجسده الى النجف ودفن في هذا المكان ووضعوا بجوار الجسد المصحف الكبير الذي كتب بخط الامام ومصحفا آخر بخط الحسن وحفظا بعد ذلك في صناديق من الابنوس والعاج!
"40 سنة امضيتها في هذا المقام 40 سنة عشتها منذ طفولتي حتى هذه اللحظة..
وانا اشهد مواكب الايمان تتتابع امام عيني في الصيف وفي الربيع وفي الخريف وفي الايام العادية يجيء كل يوم حوالي ثلاثة الاف زائر من انحاء العالم.
وفي ايام الزيارات الموسمية يجيء حوالي 30 الف شخص كل 24 ساعة، وقد تعود بعضهم على الزيارة في كل مناسبة وقد يجيء بعضهم لاول مرة في حياته، وقد تحضر اسرة بكاملها من الصين وتقطع الاف الاميال وتبيع كل ما تملك وصمت الشيخ مصطفى شمسة واخذ ينظم الزوار في دوراتهم حول المقام ويرشد الغريب منهم الى الطقوس التي يؤديها والالفاظ التي ينطق بها..
وفجأة وجدته يقفز من جانبي ويسرع ناحية زائر من ايران وقف يتكلم مع زميله وظهره للمقام وقال له بالايرانية: احترم المقام ولا تعط له ظهرك .. نذكر انك في حضرة الامام!
وعاد الشيخ مصطفى الى مكانه بجواري وقال لي: ان بعض الزوار لا يراعي قواعد الزيارة، والمفروض على خدام المقام تنبيههم الى اخطائهم في الوقت المناسب حتى لا يؤدوا شعور باقي الزوار..!
4 ملايين في السنة
ان الذين يقومون على خدمة المقام العظيم يبلغ عددهم حوالي 400 شخص مخصصين لاكثر من اربعة ملايين زائر في السنة..
والواحد منهم يجيء الى النجف وهو طفل صغير ويدخل واحدة من المدارس الدينية التي تنتشر في المدينة ويأخذ العلم وينفقه في الدين على ايدي كبار العلماء ويظل يتدرج حتى يخرج الى المقام.. يرشد الزوار.
والمقام مفتوح من الساعة الرابعة صباحا حتى الساعة العاشرة مساء وتدب الحياة فيه حينما ينطلق صوت المؤذن في الفجر وتخفت الاضواء فيه بعد انتهاء الدروس الدينية والمناقشات بين التلاميذ والعلماء في صحن المقام بعد صلاة العشاء..!
ولكن المقام يظل مفتوحا طوال الليل والنهار في ليالي رمضان وليالي الجمعة والاعياد والزيارات الموسمية وتعيش المدينة في اروع ساعاتها حين تضاء جميع الثريات والمآذن وتشع الاضواء من كل جانب، وقد قال احد علماء المدينة: ان اسم (النجف) مأخوذ من ضياء النجف والثريات التي تملأ لياليها وان اهالي زمان اطلقوا عليها هذا الاسم كرمز الى النور الذي تعيش فيه.. نور النجف ونور الايمان!
طين كربلاء
وكل واحد يدخل الى المقام لابد ان ينتهل الفرصة ويصلي في حضرة الامام.. والارض التي يسجد عليها لا يغطيها سوى المرمر ولذلك ياخذ الواحد قطعة صغيرة من (طين كربلاء) ويضعها تحت جبهته حينما يسجد على الارض.. وسالت احد العلماء : وما معنى ذلك!
فقال لي: انها تعني ان الصلاة يجب ان تكون من المخلوق الى الخالق مباشرة وعلى الارض التي وجدنا عليها، ولذلك يعتبر المرمر حاجزا بين المصلي وبين الله ويمكنه ان يزيل كل هذه الشكوك من نفسه اذا اخذ قطعة طين من ارض كربلاء .. الارض التي سالت عليها دماء الحسين الشهيد – ليضع جبهته عليها في سجوده واخذت قطعة صغيرة من (طين كربلاء) في يدي..
ملوك الدنيا في المقام
ومرة اخرى عاد الرجل يوزع طين كربلاء المقدسة على بعض الزوار القادمين من الهند..
والتفت خلفي ووجدت مجموعة اخرى من الزوار جاءوا من اندونيسيا بلباسهم الوطنيو التفوا حول المقام واخذوا يتلون الايات القرآنية على قبر علي ابن ابي طالب وفي ذات الوقت كان هناك احد الخدم في المقام يحكي قصته لمجموعة قادمة من تركيا واخذ يقول لهم:
ان الذي تراه العيون هو (القبر الاول) ومصنوع من خشب الاينوس المطعم بالعاج ومزخرف بالنقوش الكوفية وعليه بعض الايات بالخط العربي ومغلف بصندوق من الزجاج ويليه (القبر الثاني) وهو الذي يحوي حد الامام العظيم في نفس المكان القديم الذي دفن فيه!
واخذ الشيخ علي – خادم اخر – يحكي لي بعد ذلك عن المشاهد الرائعة التي عاشها بين جنبات المقام.. قال لي: رأيت الشاه محمد رضا بهلوي يسكن امام الضريح.. ورأيت ملك الافغان وامير الكويت والامير البدر يقفون في خشوع في حضرة الامام ورأيت كلهم جاءوا لكي يطوفوا بنبع الايمان!..
الذهب بالطائرات
قلت له: من الذي يعطيك مرتبك ويصرف على خدم المقام!
قال لي: بعض الاربعمائة على نفقة الحكومة ويعتبرون موظفين رسميين.. والبعض الاخر يعيش على الاوقاف والتبرعات والهبات التي يعطيها لنا الزوار.. وهؤلاء تعتبرهم الخدم الحقيقيين للمقام لانهم يخدمون الامام بلا مطمع ولا هدف!
وهز الرجل رأسه وابتسم وقال: .. وهؤلاء لهم كل الثواب عند الله!
واخذت اصابعه تتلمس الطريق الى المصحف الذي يضعه في جيبه واخرجه وهو يكمل كلامه: وهكذا حال جميع الذين يجيئون الى هذا المكان.. كلهم يجيئون من اجل زيارة الامام والشهيد لا اكثر ولا اقل.. وكلهم يحملون ما يقدرون عليه الى مقاميهما.. ومثلا الابواب الذهبية التي تراها صنعها احد كبار التجار في ايران على نفقته الخاصة واحضرها بالطائرات الى العراق..
والمقام المصنوع من الفضة والذهب صاحبه احد المهراجات المسلمين في الهند.. والسقوف المغلفة بالمرايا واللاليء مقدمة على نفقة شاه ايران.. والارض التي نسير عليها من المرمر الخالص، والذين اوصوا بصنعها خصيصا في اكبر مصانع ايطاليا مجموعة من كبار اغنياء الهند.. ونسيت ان اقول لك ان القبة الكبيرة المذهبة بكل صفائحها قادمة من الصين!.
حدث هذا من زمان جدا ايام السلطان نادر شاه حينما وجد ان الهدايا التي تجيء الى قبر الاام اكبر من ان تسعها خزانة عادية واحضر من ان توضع امام كل العيون.. وجمع السلطان وزراءه وحاشيته وقال لهم: ان الثروة تغري اي مخلوق بالقيام باي مغامرة في سبيل الحصول عليها..
وفكر السلطان وفكر الوزراء.. وظهر الحل: ان نبني اسوار من الصخر حول الثروة وتوضع بجوار المقام..!
وبالفعل تم بناء السور واختفت الخزانة السرية في سرداب عميق لايصل اليه مخلوق ووضعت فيها مجوهرات ولاليء وذهب وياقوت ومرجان لا حصر لها ولا تقوم بمال، وامر السلطان بالا تفتح الخزانة السرية الا اذا تجمعت هدايا عظيمة تستحق ان يفتح لها باب الكنز.
واغلق الكنز وظل هكذا لغاية سنة 1929. وفتحنا الخزانة مرة اخرى في عهد ياسين الهاشمي ونظفناها وجردنا محتوياتها ثم اغلقناها وبقى الكنز في سره العميق.
مفتاح الكنز
كان الشيخ عباس الكريدار هو الذي يحكي لي قصة الكنز وفي يده المفتاح الحديدي الكبير..
قلت له: اين مفتاح الكنز!
فقال لي: هناك مفتاحان – واحد في الاوقاف في بغداد والثاني مع مأذن الروضة الشريفة – الذي هو انا!
قلت له: من الذي يحرس هذه الثروة!
قال لي: كل القلوب التي تعيش في هذه المدينة.. ان هناك 90 الفا يفدون كل حجر في هذا المكان بارواحهم..
وسكت مأذن الروضة قليلا ثم قال لي: اظنك تفكر الان في قيمة هذه الثروة ولكي تأخذ فكرة ناطقة عنها اقول لك ان القنديل الواحد المعلق داخل مقام الامام يساوي اكثر من 200 الف دينار لانه مطعم باللاليء  وقس على ذلك باقي الاشياء التي يحتويها المقام.. وما خفي كان اعظم! وثمة خزانة اخرى في المقام..
ولكنها مفتوحة ويحفظون فيها الستائر والمصابيح والمفارش وصندوق النذور. وقد سمعت حكاية عيجبة عن هذه الثروة فكرت الحكومة العراقية منذ سنوات في انشاء متحف كبير يحفظ كل النجف والمجوهرات المدفونة تحت الارض وبعد ان رصدت الميزانية الخاصة له وبعد ان وضعت كافة التصميمات اللازمة له الغي المشروع في آخر دقيقة.
عمامة الاشراف
واغلب الذين نقابلهم في صحن الجامع الكبير ذي الابواب الخمسة.. يلبسون الطرابيش الحمراء الملفوفة بالقماش الاخضر ويطلقون عليها اسم (السادة الاشراف) وهؤلاء جميعا يرجع نسبهم الى الائمة الذين توارثوا المذهب الشيعي واجتهدوا في الدين والفقه.. !
وقد قال لي واحد منهم اسمه السيد هاشم: انه ما زال طالبا في مدرسة الامام محمد حسين كاشف الغطاء وانه دخلها بعد ان انهى دراسته في المدرسة الابتدائية الدينية وتخرج فيها وعمره 18 سنة ودخلها وعمره 4 سنوات وانه ما زال امامه 6 سنوات اخرى لكي يكمل دراسته في مدرسة كاشف الغطاء وبعدها يحصل على شهادة دينية تؤهله – من جديد – ليدخل كلية دينية ، وفي النهاية يخرج ليشتغل مدرسا في المدارس الدينية التي تنتشر في النجف وكربلاء والكوفة او ليعمل خادما في المقام الكبير!
تلميذ عمره 72 سنة
وليس السيد هاشم وحده هو الذي يدرس الدين في العتبات المقدسة ولكن هناك حوالي خمس مدارس رسمية تحوي 10 الاف طالب غيره وهبوا حياتهم للدين ودراسته الروحية، وتشتهر هذه المنطقة باللذات بانها مقر العلماء الدينيين والفقهاء الاسلاميين في العالم ويجيء اليها الطلاب من الصين واليابان وانجلترا.. وفرنسا وكل مكان ويلتحقون بهذه المدارس الخمس او بغيرها من عشرات المدارس غير الحكومية.
وكل مدرسة فيها على الاقل 50 الف كتاب من ايام الخلفاء الراشدين حتى الان..
وكل مكتبة تعتبر مرجعا تاريخيا حقيقيا لتطور الفكر الاسلامي خلال السنوات اللاحقة ، وقد رأيت في مدرسة كاشف الغطاء وهي اكبر مدرسة في النجف رجلا عجوزا عمره 72 سنة واسمه (محمد علي) وجاء من الحلة – احدى مدن العراق – لكي ينفقه على ايدي كبار الائمة وعلماء الدين وحينما قال لي : انه تلميذ في المدرسة! لم اتمالك نفسي وقلت له: ما الذي جعلك تفكر في دراسة الدين بعد 72 سنة.!
ونظر الى الرجل طويلا ثم ابتسم وظهر فمه بلا اسنان وهو يقول لي اطلبوا العلم من المهد الى اللحد! لو جئت في عاشوراء او في رمضان.. فسوف تعيش اعجب لحظات في حياتك، سوف ترى مواكب لا حصر لها من البشر تجمعوا في مكان واحد من اجل غاية واحدة.. وسوف لا تجد شبرا لقدمك ولا كوب ماء لظمئك وسوف تظن ان القيامة قامت وان الساعة دقت، وخذ مثلا من ايران وحدها يجيء في هذين اليومين فقط اكثر من ثلاثين الف ايراني والاف غيرهم من الباكستان والهند وكل بقعة!
وتجيء كل مجموعة في موكب صغير.. ثم تبدأ في التجمع حتى تكون الموكب الكبير الذي يمضي الى المقام العظيم.. ويسير في هذا الموكب على الاقل نصف مليون شخص باعلامهم المتباينة الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء، وازيائهم المختلفة ولكن بعقيدة واحدة وايمان كبير ويتحول الميدان الفسيح الى كتلة واحدة من البشر لا تميز بين افرادها ولكن تسمع نداء واحدا ينبعث من صدورهم وتتبلور صورة الايمان الدافق في مشهد رائع يظل طوال اليوم..!
ثم تتتابع الصور بعد ذلك في المواسم الاخرى خصوصا في يوم استشهاد الحسين حينما تتجه كلها الى كربلاء وتخشع امام الذكرى البعيدة وهي:
10 المحرم.. (عاشوراء) وهو ذكرى استشهاد الحسين بن علي.
20 صفر .. (الاربعين).
28 صفر .. (وفاة النبي).
21 مارس .. (عيد النيروز).
10 ذي الحجة .. (عيد الاضحى)
17 ذي الحجة (عيد الغدير).
15 شعبان (الزيارة الصغرى)
21 رمضان .. (استشهاد الامام علي) .
27 رجب. . (المعراج .. وكلها ايام وليال عامرة بالايمان والدين والنور..)
ومضى جاسم حمودي عبيدة مدير ناحية الكوفة يحكي لي تفاصيل الايام التي يعيشها في كل سنة وقال لي:
"تصور ان المسافة بين النجف وكربلاء حوالي 75 كيلو مترا عن طريق الجزيرة والطريق شاق وطويل في الصحراء وتقطعه السيارة في ساعة ونصف ساعة ومع ذلك يصمم الزوار في يوم عاشوراء على السير بالاقدام من مقام الامام الى قبر الشهيد، وتكون درجة الحرارة وقتها اكثر من 58 مئوية..
انها صورة حقيقية من الايمان الذي لا يذبل ولا تخمد جدوته..!
الدم والندم
وسألت العلماء بعد ذلك عن السر الكامن وراء عادة الضرب بالسيوف حتى يسيل الدم من الوجوه والصدور.. وقال شيخ العلماء السيد محسن الحكيم وعمره 72 سنة: انها عادة ايرانية قديمة ترمز الى الندم على ما فات، وهي في مذهب الشيعة بعيدة التاريخ عميقة الاثر تعود الى الايام التي استشهد فيها الحسين لان اهل العراق لم يقفوا بجواره في المعركة وتخلوا عن مساندته وتمكن منه اعداؤه فقتلوه!
وكانت هذه العادة قائمة حتى العام الحالي حينما قامت الثورة في العراق، وحاولت الدعاية الاستعمارية ان تستغل التقاليد الدينية وتشوه صورة الايمان العميق التي تغلف كل هذه العادات. وتصادف ان جاء يوم 10 محرم بعد الايام الاولى للثورة مباشرة.
وجريا على العادة المتبعة والتقاليد الموروثة ارتفعت اعلام الحداد السوداء فوق البيوت وارتدى اهالي المنطقة الملابس السوداء.
وفجأة خرجت الدعاية الانجليزية والامريكية تقول: ان اهالي العراق لبسوا الملابس السوداء واعلنوا الحداد على وفاة فيصل وعبد الاله..
وكان لابد من اجراء شعبي عام يكذب هذه الدعاية المغرضة..
ولاول مرة منذ الف سنة – حينما نشا المذهب الجعفري – يتخلى الاهالي عن تقاليدهم الموروثة ابا عن جد ويخلعون ملابس الحداد وينزلون الاعلام السوداء من فوق بيوتهم وعلى العكس رفعوا الاعلام الحمراء والصفراء والخضراء كدليل على فرحتهم..
ولاول مرة ايضا يعلن علماء النجف وكربلاء – الشيخ محسن الحكيم والشيخ عبد الكريم الجزائري والشيخ حسين الحمالي والشيخ علي كاشف الغطاء والشيخ علي بحر العلوم والشيخ عبد الكريم الزنجاني ويسمونهم جميعا (حجة الاسلام) – اعلنوا الغاء الاحتفالات المختلفة حتى لا تفهم على عكس معانيها الكبيرة.. وكان اروع قرار لمجلس العلماء حجة الاسلام في العراق ..
نبع الطوفان
وذهبت بعد ذلك الى باقي العتبات المقدسة في كربلاء حيث يوجد قبر الشهيد الحسين وقبر العباس.. وفي الكوفة – مثلا – يوجد المسجد الكبير وهو رابع مسجد في المرتبة في العالم الاسلامي، فهناك الكعبة الشريفة ثم مسجد النبي في المدينة ثم المسجد الاقصى في القدس  ثم مسجد الكوفة..!
ويعتكف معظم علماء الكوفة في هذا المسجد طوال الشهور الثلاثة رجب وشعبان ورمضان وبجواره تقع دار الخلافة للامام علي ايام خلافته في الكوفة وبجواره ايضا مقر الامارة الذي حكم العراق منه الحاج بن يوسف الثقفي ويقال ان هذا المسجد كان معبدا قبل الاسلام وانه نفس المكان الذي بدأ منه طوفان نوع ، وان البئر الصغيرة التي تقبع وسط الصحن.. انبثقت منها مياه الطوفان العظيم وحملت سفينة نوع!
ويقال ايضا..
ان ادم نزل الى الارض في مكان المسجد..
وانه كان البقعة التي يصلي ويتعبد فيها الى الله..!
ويقال ايضا..
ان ثلاثة انبياء صلوا في هذا المكان .. ابراهيم وادريس ومحمد!
وكلها صادرة من نبع الدين.. منطلقة من اشعاع النور..
وكلها منبعثة من ذلك الشيء العظيم.. الذي في القلوب.. في العيون.. في السماء.. في الارض.. الذي اسمه "الايمان"!
اخر ساعة تشرين الثاني 1958