السياسيون يصنعون الحرب.. ونحن نعمل على مسرحها!

السياسيون يصنعون الحرب.. ونحن نعمل على مسرحها!

بالرغم من الستار الحديدي الذي ضربته السفارة البريطانية وحراسها حول "الفيلد مارشال مونتجومري" في زيارته الاخيرة لمصر، تمكن مندون "المصور" من محاولة القائد الكبير محادثات سريعة، تجمعها في الحديث التالي مع وصف الحفلة التي اقيمت لازاحة الستار عن نافذة العلمين التذكارية:

قال لي: "الفيلد مارشال مونتجومري" وهو يجيل بصره في اركان "كاتدرائية جميع القديسين" المطلة على النيل في "شارع ماسيرو" التي اختيرت مكانا للنافذة التذكارية للجيش الانجليزي الثامن الذي انتصر في موقعة "العلمين" تفتح بها طريق النصر امام الحلفاء على قوات المحور.. قال لي:
- ما اجما هذه الكنيسة واروعها.. لقد احسنوا صنعا اذ سموها "كنيسة جميع القديسين".
وابتسم ابتسامة عريضة ثم قال:
- اؤكد لك ان الجندي في ميدان القتال احوج ما يكون على الصلاة منه الى الترفيه.. ففي الصلاة شفاء الروح وشحد معنويتها، اما الترفيه فهلو يرضى الجسد ويشبع الغرائز.. ونحند يعتمد على روح الجندي المقاتل في الميدان قبل ان نعتمد على جسده.. لذلك اعتقد ان الجيش الذي يذهب الى الحركة بغير "فسيس" تماما كالجيش الذي يذهب اليها بغير سلاح.. ولذلك اوصى دائما على ان ابث في جنودي اولا روح الايمان قبل ان ابعض فيهم روح الاقدام.
فاخذهم الى الكنيسة قبل ان اخذهم الى ميدان التدريب..
واخرجت علبة "سجائري" وقدمت له "سيجارة" فاعتذر قائلا: "انني لا ادهن.." قلت: "اه.. نسيت.. اعرف ذلك.. واعرف انك لا تشرب الخمر ايضا.. انه الدين ايضا..".
قال: "ليس الدين فقط.. بل هي الجندية ايضاً.. الجندية الصحيحة لا تقر الكماليات.. لقد سمعت بلاشك بسلطان "السيجارة" في "برلين" بعد الغزو.. كانت تشتري كل شيء.. وانا لا ارضى للجندي المحارب ان يبيع نفسه ولو "بسجائر" العالم كلها.. او خموره..
وعاد ينظر الى الكنيسة الضخمة ويقول:
- لقد مررنا بهذه الكنيسة نحن جميعا ضباط وجنود الجيش الثامن وتزودنا منها بالزاد الاخير.. زاد الروح.. ونحن في طريقنا الى ميدان القتال في الصحراء.. واليوم نعود اليها – بعض الاحياء منها – اما الاموات الشهداء فهو معنا ايضا.. ولكن بارواحهم..
مفاجأة!..
قلت: "لنخرج من حديث الكنيسة والحرب، ولنتحدث في قضيتنا قضية مصر؟".
ولكنك تعلم انني الان رجل دولي.. نائب قائد عام قوات دولة الاطلنطي!
- ان المعروف عندنا ان العسكريين البريطانيين هم الذين يتشددون معنا ويقفون في سبيل حل قضيتنا، وانت على راس هؤلاء العسكريين..
- احيلك على اجابتي السابقة
- حسن ما دمت تريد ذلك.. فلنخرج الى الافق الدول الذي تمثله كما تقول.. انستطيع ان نعرف ما اذا كانت في هذا الافق بوادر حرب قريبة؟
ومرة اخرى ابتسم "مونتي" ابتسامته العريضة وقال:
- جواب سؤالك هذا عند الشاشة، فسلهم.. اننا نحن معشر العسكريين لا نصنع الحرب، وانما نعمل على مسرحها فقط!

مدين للصحراء!
- اي ذكرى تعاودك الان في زيارتك هذه لمصر؟
- لا شيء سوى الحنين الى الصحراء.. انها فاتنة.. لكنني اود بالطبع ان اعود اليها زائراً لا محاربا.. ان الجيش الثامن مدين لهذه الصحراء بانتصاراته، والعالم الديمقراطي ايضا مدين لها بنجاته من شر اعدائه..
فلقد اكتسبنا فيها ثلاث صفات كانت هي اسس نجاحنا.. اولاها صفاء الفكر ونقاء الضمير، ومن يعش في الصحراء بعيدا عن انوار المدينة ومفاتنها لابد ان يصفو فكره وينقي ضميره.. والصفة الثانية هي روح التضحية الحقة الخالصة فليس في الصحراء ما يغري بالدنيا ومتاعها.. والصفة الثالثة روح العائلة والتضامن وان الفرد للمجموع والمجموع للفرد.. وصفة واحدة من هذه الصفات الثلاثة كفيلة بكسب اخطر حرب، فما بالك اذا اجتمعت كلها معا. واني لاقولها - لا عن غرور او خيلاء – ان الجيش الثامن اصبح رمزاً ومثلا اعلى لجيوش العالم..

المرشدات ضيوف الجميع!
وفي قاعة "الكاندرائية" اجتمع 1200 مدعو.. على رأسهم "الفريق عمر باشا فتحي" مندوب جلالة الملك، والاستاذ "مصطفى نصرت" وزير الحربية ومندوب الحكومة، والاستاذ "ابراهيم فرج " وزير الشؤون البلدية ومندوبو الجيش المصري والبوليس، وكثير من الكبراء.
اما الجيش البريطاني فكان ممثلا بثلاثة وخمسين ضابطا وجنديا من مختلف الاسلحة ممن اشتركوا في معارك الجيش الثامن او تعاونوا معه..
وكانت هيئة الاستقبال مؤلفة من اربعة.. احدهم من رجال السفارة البريطانية لاستقبال اعضاء السلك السياسي والمدعوين المدنيين الذين روعي ان يكون اغلبهم من عائلات شهداء "الجيش الثامن".. والثاني من كبار ضباط مشاة الجيش البريطاني لاستقبال الضيوف ضباط المشاة.. واخر من كبار ضباط سلاح الطيران البريطاني لاستقبال الضيوف ضباط الطيران..
ورابع من كبار ضباط الاسطول البريطاني لاستقبال الضيوف ضباط البحرية.. ولما وصلت "السيدة منيرة صبري" كبيرة المرشدات المصريات وكانت بين المدعوات تقدم الضباط الثلاثة اعضاء لجنة الاستقبال لتحيتها تحية عسكرية "جامدة".. وقالوا لها انهم يعدون المرشدات ضيوف شرف لجميع اسلحتهم..
وكان هناك مندوبون عن مختلف الكنائس والطوائف.. وقد اصطحب "مونتجرمري" معه من انجلترا القسيس الذي رافق الجيش الثامن في انتصاراته من "العلمين" الى قلب المانيا ليحضر الاحتفال بازاحة الستار عن نافذة الجيش الثامن.
وعلى الباب الخارجي وقف غلامان من عازفي النفير.. انتخبا من فرقة "رويال سكس" التي حاربت مع الجيش الثامن..
واستقبل السفير البريطاني "السير رالف ستيفنسون" وراعي الكنيسة "جفري الن" مندوب جلالة الملك فاروق عبد وصوله.. وعزف ارغن الكنيسة السلام الوطني المصري في نغم جميل بديع.. وبعد الصلاة وتلاوة الاناشيد.. تقدم "الفيلد مارشال مونتجومري" فالقى كلمته في ذهب الى "كنيسة العذاء" داخل "الكاتدرائية" وازاح الستار عن النافذة التي نصبت في الركن الشرقي.. والتفت الى "راعي الكنيسة" وقال له وهو يزيح الستار:
"باسم العلي القدير ازيح الستار عن هذه النافذة المهداة لجنود الجيش الثامن البريطانيين الذين استشهدوا في الحرب العالمية الثانية، وارجو منك بصفتك راعي هذه الكنيسة ان تتقبلها تخليدا لذكراهم التي لن تمون".

صنع يد!
اما النافذة فهي من الزجاج الملون وقد صنعت في انجلترا، وساهم في نفقاتها ضباط وجنود "الجيش الثامن".
وهي مصنوعة من 1200 قطعة من الزجاج المختلف الالوان.. صمم رسمها "مستر ادوارد كارل" وصنعها "جيمس ياول" وولده في "ودلستون".. وارتفاعها 13 قدما وعرضها 3 اقدام.. وكل قطعها مقطوعة باليد لا بالالات.. اما اطارها البرونزي فقد صنعته في مصر شركة "لافورج" وتولى تركيبها مندوبون عن وزارة الاشغال البريطانية، والصورة المرسومة عليها للعذراء والمسبح كغلام يحمل في يده سفينة ترمز الى قيامه يحمل رسالة السلام للعالم.. وتحت الصورة شعار "الجيش الثامن".
مجلة المصور 9/ نيسان 1948