ساعة قضاها نهرو في القاهرة اثارت الدنيا!

ساعة قضاها نهرو في القاهرة اثارت الدنيا!

قضى البانديت جواهر لال نهرو ساعة واحدة في القاهرة في مطلع هذا اسبوع، ولكن الساعة الواحدة التي مضاها نهرو في القاهرة اثارت الدنيا واقامتها واقعدتها، وكانت لولايات المتحدة الامريكية اول من قام وقعد لما قاله نهرو في ساعته الوحيدة في القاهرة!

ولقد طيرت وكالات الانباء ان نهرو قال:
- يجب ان ننظر الى "ماونسي تونج" على انه ليس مطية لستالين وقال نهرو ايضا:
ان "ماني تونج" زعيم كفء وقائد وطني عظيم.
وقال نهرو ايضا:
- ان الصين: هذا الفيل الضخم الكبير ليس العوبة في يد الكرملين وقال نهرو اخيرا:
- انه واثق من ان الصين وقائدها ماوتسي تونج، قوم طيبون!
وجن جنون الامريكيين. وكان الناس في واشنطن ونيويورك بعد ساعات من كلمات نهرو في القاهرة: يرددون هذه الكلمات، وقال متحدث بلسان وزارة الخارجية الامريكية:
- ايمكن هذا.. ايمكن ان تصل السفاجة بنهرو الى حد هذه الثقة العمياء بالصين الشيوعية و"بماوتسي تونج".. ثم كيف يقول نهرو هذا وماوتسي تونج ووزراء الصين الشيوعية لا عمل لهم هذه الايام الا ذبح الامريكيين وابادة الجيوش الامريكية واحدا وراء واحد في كوريا..
وهكذا..
ساعة قضاها نهرو في القاهرة بعد منتصف الليل في مطلع هذا الاسبوع اثارت الدنيا كلها واقامتها واقعدتها..
فكيف قضى نهرو هذه الساعة في القاهرة!!
فتحت المضيفة الهندية الحسناء باب الطائرة فظهر خلفها اول رجل في من اسيا في الوقت الحاضر بعد ناوتسي تونج.. وتتابعت في سرعة ومضات لمبات التصوير.. وجاءت دورة كشاف البرج في اتجاه عينيه فرفع نهرو يده الى جبهته وهبط السلم ليحيي مستقبليه..
ووقف نهرو بين المستقبلين يدور بعينه في سماء القاهرة.. ثم سأل:
- هل هذا هو جو القاهرة العادي!
وقيل له:
- ان شتاء القاهرة هذا العام الطف بكثير من شتاء العام الماضي.
وقال نهرو:
- انني احتاج الى معطفي.. وكانت المضيفة قد جاءت به اليه فوضعته على كتفيه واتجه الرجل العظيم نحو الاستراحة.. وفي الاستراحة اعدت له الجالية الهندية مأدبة خفيفة تتوسطها "تورتة" كبيرة نقش عليها بالشوكلاته عبارة.. "مرحبا بك في القاهرة".. وجلس نهرو واشعل سيجارة شرقية ثم طلب قدحا من القهوة بعد ان شكر مستقبليه على حفاوتهم به واعتذر اليهم من عدم استطاعته تناول شيء من الطعام.. وقال:
ان سكان جنوب الهند كلهم يشربون القهوة.. وسكان الشمال يشربون الشاء.. وانا شخصيا افضل القهوة وهنا تقدم اليه الملحق الصحي بالسفارة الهندية فقدم اليه زهرة انيقة بيضا وضعت برشاقة في كيس من السلوفان وشبكت في اعلاه بطاقة صغيرة.. وتناول نهرو الزهرة واقرأ اسم البطاقة.
سرينا لبنى سراولي.. اعرفها وهي صغيرة تدرس الباليه.. هل هي لا تزال في القاهرة؟
- نعم يا سيدي.. وتقدم اعتذارها لانها لم تتمكن من الحضور؟
- لاباس.. قدم لها شكري وتحياتي وتبدو على وجه الرجل العظيم علامات السرور وهو يقلب الزهرة بين يديه.. وتطوف بشفتيه ابتسامة هادئة فيملأ صدره بالدخان وينفثه بارتياح..
ويلتفت نهرو الى مستقبليه وكل منهم يحاول ان يتحدث اليه ويقول:
- ان العالم صغير جداً.. منذ اثنتي عشرة ساعة كنت في بومباي.. وهانذا في القاهرة وبعد ست عشرة ساعة ساكون في لندن. اني لم اذهب الى لندن منذ زمن طويل.. ولكني مررت بالقاهرة كثيرا في الاعوام الماذية.
- هل تذكر كم مرة مررت بالقاهرة يا سيدي؟
- دعني اتذكر.. مرة.. مرتين.. هذه على ما اظن خامس مرة في السنوات الاربع الاخيرة.. واخر مرة قبل هذه في نوفمبر 1949 حيث كنت قادما من امريكا.. ان القاهرة اصبحت مركزا عالميا هاماً.. امر بها دائما في طريقي من بلادي والى بلادي.
كان نهرو يتحدث في بطء وبصوت هادئ خافت ولكنه صوت غني مليء بالنغمات المعبرة.. وعظمة نهروة، بعد علمه وذكائه، تكمن في بساطته وتواضعه..
ان هذا الرجل الكبير الذي اصبحت لارائه السياسية والفلسفية مكانتها القوية في تيارات السياسة العالمية، والذي ينحدر من سلالة شرقية عريقة في النبل والذي يرأس اكبر دولة في اسيا بعد الصين.. هذا الرجل لا يرتدي الا حذاء احمد ن الجلد الرخيص ثم جوربين من القطن الشعبي وسروالا ابيض من قماش (البفتة) وجاكتة طويلة من الصوف المغزول باليد ثم "طاقية" بيضاء من القطن.
لقد تولى نهرو قيادة الهند وفي سنين معدودة برزت الى الصفوف الاولى وهي اليوم تتمتع بدستور اشتراكي يعد احسن دستور في العالم.. دستور يكتسح حواجز الطبقات الاقتصادية والاجتماعية، ويلغي الالقاب كلها ويضع برنامجا للاصلاح الاجتماعي يتيح لآلة الحياة في الهند ان تسير دائما الى الامام..
والتفت نهرو الى الصحفيين الذين التفوا حوله ولم يفقدوا الامل في الحصول على حديث منه وابتسم وقال:
- انتم مصرون.. استطيع ان ارى ذلك في وضوح.. لابأس اذن من الحديث.
ونهض الرجل العظيم فاتجه نحو المقاعد التي اعدتها السفارة الهندية وصار يجيب على اسئلة الصحفيين مدة نصف ساعة.. كان يجيب في عمق وبعد تفكير طويل، فهو يشعر بالمسؤولية العالمية الملقاة على كتفيه..
ويشعر بان تصريحاته ستدوي في انحاء العالم منذ اللحظة التي تخرج فيها من بين شفتيه.. وبعد ان انتهى الصحفيون من اسئلتهم جلس نهرو مع افراد الجالية الهندية، حتى جاءت مضيفة الطائرة وهمست في اذنه فقام متجها نحو ارض المطار وكانت الساعة الثانية وعشر دقائق..
وعلى سلم الطائرة، وقف الرجل العظيم يودع مستقبليه ويداعب باصابعه الزهرة البيضاء التي اهدتها له راقصة البالية الهندية المشهورة.. الفتاة التي عرفها منذ كانت صغيرة تدرس الرقص.
واقتربت "آخر ساعة" من الرجل العظيم تسأله..
- هل هذه الوردة البيضاء تعبر عن تفاءلك من اجل السلام؟.
فضحك نهرو وقال..
- لو علم السياسيون ان التاريخ سيسجل اعمالهم بمثقال الذرة.. ما لهم وما عليهم.. لاستتب السلام.
مجلة آخر ساعة/  28 تموز 1957