منحوتات محمد غني حكمت

منحوتات محمد غني حكمت

ياسين النصير
شعرت وأنا استقبل إيميل الفنان محمد غني حكمت وهو يحمل لي اثنتي عشرة منحوتة حديثة تتحدث عن الحرية والقمع تحت عنوان «مواقف حزينة من العراق» أنني في بنية ثقافية جديدة نستعيد بها اجواء الخمسينات ومظاهرات الشوارع

والرفض المبدأي لاي استعمار أو احتلال مهما كان لونه أو شكله.شعرت ايضا أن القوة الكامنة في هذا الشعب العريق لن تنطفئ أو يغطيها حاكم او ايديولوجيا، أو طائفة أو أحزاب تشكلت برغبات الجيران، بل هي قوى فاعلة تكمن في اعماقنا احيانا وتظهراحيانا اخر عندما تتجرد من حالتها الانفعالية المباشرة. مقاومة المحتل هي نفسها مقاومة الدكتاتورية، كلاهما ضد قمع الحريات. ومن هنا لم يجد الفنان مرحلة ضعفت فيها المقاومة الوطنية أو اضمحلت إلا في مرحلة أن يصبح الحكم الوطني دكتاتوريا. ما جسده الفنان الكبير محمد غني حكمت في منحوتاته الاثنتي عشرة تجسد حال الوضع العراقي بعد سقوط النظام وقبله،عندما يكون الحزن الحالي امتدادا للحزن القديم.
كما هي تجسيد للوضع الذي مارسته الدكتاتورية ضد الشعب، ليس بسبب العنت والجور والتهجير إنما في تعطيل قوة الإرادة الرافضة وجعل مبدأ الرفض مرتبطا بالنظام وكأن الناس رعية عند خليفة أموي.
أن الفن يستطيع أن يفعل الكثيرفي شحذ حساسية المشاهد المتراكمة الأفعال خاصة لدى شعب مثل الشعب العراقي الذي لم يهادن يوما حاكما ظالما او محتلاً. وبمقدور الفن أن يقرب المسافات بين النحت وفنون القول الأخرى كالقصيدة والفلم والمسرحية،اشعر أنني اقرأ في هذه المنحوتات قصيدة للجواهري بخطابها المباشر وبتقنية ايقاعية متوازنة وبحكاية شعب كامل وهو يروي مأساته، وبصوت جماعي يقترن التاريخ القديم بالمعاصرليمتد بهذه اللغة الفنية العالية إلى عصور اقدم. يقرب الفنان محمد غني حكمت لنا ما نعيشه اليوم من أحزان تفوق طاقة البشرويدمجها بتاريخ شعب لم يهدأ نضاله. فالمنحوتات ليست صوتا شعبيا فقط أريد له أن يعلو في مثل هذه المرحلة ليخفت في أخرى، بل هي تعبير عن قيم جمالية كامنة في الأحزان إلى حد انها تفجر ثورة مضادة لكل أنواع السلب التي تمارسه ثقافة الاحتلال على وعينا، وبمقدورها ايضا أن تجسرالهوة بين المتلقي العادي الذي يرفض ما يراه من حزن وموت، والمتلقي المتذوق بالقيمة الجمالية للحياة الشعبية وهي ترفض بطريقة الحركة واللون والفعل واقتصاد التكوين، هذه القيمة التي تضمرها المنحوتات الاثنتي عشرة التي لو اتيح لها التنفيذ الهيكلي المتكامل لأن تصبح لوحة مهمة في تاريخ العراق السياسي والفني كلوحة نصب الحرية لجواد سليم. فمحمد غني حكمت إذ يعبر عن أحزاننا المعلنة والدفينة مكنته لان يستثمر طاقة مخزونة في الذات الجمعية العراقية ليعبربها عن مواقفنا المهمة في مرحلة تمنح فن النحت حرية أكبر للقول بعد أن مر فن النحت طوال سنوات مقيتة بحال من السكونية. ففي هذه اللوحات الهائلة الحركة والعنفوان والمتطلعة لان تحوي في بنيتها كل احزاننا الكربلائية يتمرد محمد غني حكمت على السياق الذي وضع النحت فيه لسنوات طويلة، وهو سياق فرض ايديولوجية خارجية على مكونات الحال التي نعيشها يوذاك، فعندما ينقل وعينا من الأستقبال السلبي الذي كان إلى التفاعل الإيجابي الذي يجب ان يكون، نجد الفن نفسه يكتسب طاقة تأويلية كبيرة تمكن المتلقي من أن يجدد وعيه ويتمرد على كل ما من شأنه أن يعيد الإنسان إلى الوراء. ولذا فمحمد غني حكمت يواصل مسيرة وطنية النحت العراقي المعبر عن موقف تاريخي نضالي معروف. فالنضال ليس حالة آنية تمتد لاربع أو عشرين سنة، بل هو تكوين جمالي كامن في المادة النحتية نفسها التي تخضع لحساسية الفنان في ان يفجر فيها مكنونها المعرفي عندما يجد ثمة توازن جمالي بين الحادثة ومادة النحت.فطريقة إحساس الفنان بالمادة، وهي طريقة مغايرة لما نعرفه عن هذه الواقعة أو تلك،تسعى للتنفيذ بستعمال شكل فني يتميز بانه ذو حركة غير طبيعية لما يمور في داخل الشكل نفسه. ولذا بدا التكرار في بعض المنحوتات وكأنه فعل مكرر، بينما هو دراسة لحال الرفض المستمر الذي مضى عليه عقودا ليجد افضل صورة له الآن بوجود احزان كبيرة نشأت بأيد أجنبية وايد عراقية طائفية ودينية. .إن لحركة الرفض والمقاومة لحالة القمع والسجون هي سياقات لوضع الأطر المانعة لممارسة الحرية، كما لو انه يختار شخصيات محددة تاريخيا لتنفيذ ما يريده هذه الشخصيات هي فلاحية وعمالية وشعبية، وهي النماذج الأكثر استجابة للأحزان وللرفض معا، كما أنها تمثل تاريخ الفن التشخيصي العراقي، عندما لا يجد الفنان في الفئات المترفهة مادة قول كبرى ومهمة لإيصال هدفه. هذا المعين الشعبي هو الذي اعطى لفن النحت عندنا طاقة التأويل الشعبية التي مكنت الثقافة الفنية من ان تلامس اليومي والحياتي. فنحن لا نملك كنائس او جوامع أو حسينيات رافضة يمكن أن يوضع على جدرانها نصبا لشخصيات، إنما نملك قطاعات شعبية مختزنة موروثا نضاليا وحقيقة صوتية ولغوية ومادة ثرية تكشف عن عمق ما تعيشه من أحزان، فكانت هذه الجماهير هي مادة ومكون الثقافة والفنون والسياسة، وهي جدار الفن العراقي منذ الواسطي وحتى شاكر حسن آل سعيد مرورا بعشرات الفنانين العراقيين الكبار داخل العراق وخارجه والذي يمدونا يوميا بمئات الصور التي لا تفقدنا مسارنا في بحار قلت فنارات النجاة فيها.. من هنا تصبح لوحات ومنحوتات محمد غني حكمت تعبيرا عن جموع شعبية رافضة وعن حال احتجاج كامنة في تاريخ الشعب العراقي، حال توكيد للتاريخ. وما تكرارحركة شخصياته إلا لغة في استمرار النضال والرفض.. فكل نقلة في اللوحات الاثنتي عشرة هي نقلة لسياق حكاية متدرجة بفاعلية بصرية ونحتية تحكي قصة صراع بين قوتين: القوى الشعبية وقوى المحتل وقد نفذت بادوات الناس العادية ؛ الأيدي بمواجهة السلاح. هذه المقاربة الحكائية في اللوحات المرقمة تسلسلا من 1 إلى 12 هي حكاية نضال شعب لم يهدأ يوما على ظلم او تعسف أو ضيم. كل هذه العناصر تشكل ما نطلق عليه التعبير بالمغايرة عن حال معاصرة، وهو توليف يتألف من إحساس الفنان التاريخي بما مر،لكنه يغاير مثل هذا الاستقبال العادي في توظيف ادراكنا الشخصي في ان المنحوتات تتحدث عن المعاصرة فقط . ومن هنا أشعر ان الفنان محمد غني حكت قد جسر الهوة بين نحت الخمسينات وهذه المرحلة متجاوز كل النصب والتماثيل المسخ التي ارادت أن تكون شاهدا تعويضيا عن تاريخ نضالي عريق.كما تجاوزت كل القصائد التي باع اصحابها فيها أنفسهم للشيطان، قصائد تمجد الطاغية أوتمجد الطائفة. فالفن احساس جمالي ذو تاريخ بقيم الشكل الذي سيحوي هذه المغايرة.
إن قيمة لوحات محمد غني حكمت تكمن في ان احساسه بالحياة قوي إلى حد أنه يوظف طاقة الحركة باقصى ما يستطيع كي يظهر لنا ما في داخل الأشكال من أفعال محتدمة وضاجة ومرنة.وفي الوقت نفسه، ثمة بدائية يضفيها الفنان على منحوتاته، وكأن العنف والسلام، الموت والحياة، ليست إلا دوافع أكبر من صفاتها اللغوية لإظهار مخزون الحركة بوصفها طاقة تستجيب لإرادة الفنان وليست مجرد تغييرات في مسارات وانحناءة الخطوط والكتل.إن ما يميز محنوتات محمد غني حكمت أنها تحاكي ثقل الأجسام وفي الوقت نفسه ثمة مرونة في الأشكال المعبرة عنها. هذا الثقل اعطى للمنحوتة طاقة الرسو الضاج والمعبر عن رفض الموت المجاني، إن القيمة الجمالية لا تكمن في الملمس وحده وهو شرط استقبال، بل في تلك الفعالية المؤكدة للحرية المعبر عنها بالحركة وتغاير الخطوط ومرونة الكتلة حيث نعومة الملمس طريقة لبث مشاعر الطمأنية والأمل، ان انتفاضة الشخصيات التي تنهض من قبورها لتعترض على مجانية موتها كما هو في الأدب المسرحي والقصصي تتخذ هنا صياغة بصرية مقروءة بالرؤية العميقة لفاعلية التجسيد الذي لا يكون سطح المنحوتة وحده هو المعبر عن هذا الموقف، وهذا ما يمكن أن نفرق بين الفن والطبيعة. أن صور الإيحاء بالرفض هي صورة الحركة الضاجة والعنيفة والصراخ الكوني الهائل الذي تطلقه الأجساد الذي هوالحواربين
قبول الوضع الحالي ورفضه، هنا نجده يعود للطاقة الذاتية لمعنى فن النحت نفسه فيجد الفنان فيه الموقف الذي لا يمكن أن يكون مهادنا مع اي تاريخ يتثمر العنف. إن فن النحت وجد للرفض حتى تلك الأشكال العارية الجميلة التي تدربت عليها أعيننا لدى ميخائبل أنجلو أو روفائيل، ولكن تلك المنحوتات بعيدة عن اي احاسيس عاطفية بمجانية الجسد، بل هي ثورة ضد سكونية المواقف لانها ترفض ان تكون مثالية صرف، في حين أن محمد غني حكمت يوظف احاسيسه الواقعية وقدرات فن النحت نفسه بطريقة تجعل عري الأجساد موقفا رافضا لكل انواع الأستلاب الفكري والطبيعي.نجده قريبا من رافائيلو الفنان الذي احس بان بلده فقدت حريتها وحقها الطبيعي بالاحتلال بعد أن فقدته في الحكم الدكتاتوري هذه هي محنة المغايرة لما كان عليه فن النحت في زمن صدام حسين وهو زمن سيء سيذكره الفنانون أنهم كانوا مجبرين على تجميل القبح السياسي.وبين ان تتيح لك حرية التعبير عن الرفض كقيمة جمالية تعمق مسعى الفن العراقي وتؤكدة تاريخيا.
في السياق العام نجد محمد غني حكمت يوظف الفضاء الخارجي كبعد تكويني للمنحوتات هذه الايدي المرتفعة في الفضاء أو الحركة للعربات وللأقدام وهي تتحرك خارج تكوين اللوحة مستعيرة الفضاء، انما هي امتداد للحركة الرافضة خارج اية اطر تحدها او تقولبها، حرية الاعتراض والرفض تحتاج دائما إلى فضاء خارجي واسع كي تصل اصواتها وهذا ما اراده غني للوحاته التي تبدو لنا أنها جموع تسير على ارض العراق من شماله إلى جنوبه وهي تستصرخ الناس أن انهضوا فما مر على العراقيين لا يسكت عليه، ما يميزيها ايضا أن لوحاته او منحوتاته لم توضع في السجن أو العزل او الأمكنة القصية أو على حائط ما انها منطلقة في فضاء العراق وفي مدنه وقراه لانه ليس للحزن قبيلة أو مدينة او قرية أو حزب اوطائفة أو قومية فهو حزن العراقيين كلهم، لذا خرجت لوحاته للشارع وللمدن وللقرى وللفضاء، وها هي تنتج خارج العراق في عديد من دول العالم لتلامس الناس في كل الامكنة وتتيح لهم المقارنة أن ما يحدث في العراق يمكن أن يحدث في بلدان أخرى مادامت اسباب قيامته قائمة في بنية مجتمعات لا تريد أن تتقدم، مجتمعات مشدودة لذلك الحزن الدفين الذي يقيدهم إلى ماض استهلك، وإلى نص جمد وإلى افعال انتجت الحياة بديلا لها