في تجارب محمد غني حكمت..مكونات التجربة وبنية الخطاب النحتي

في تجارب محمد غني حكمت..مكونات التجربة وبنية الخطاب النحتي

عادل كامل
ليس النحت جمع سطوح ،واختلاف أبعاد ، وتنويعات للرؤيا الزمكانية فحسب ، بل هو ، وعند محمد غني حكمت، إعادة صياغة اقدم الحداثات اتصالا بالحضارات وبالمفاهيم الفكرية المعاصرة : انه لا ينسحب الي المندرسات ،

ولا يبحث في الأثر ، بل يكمل الامتداد . أتراه بلا أسئلة ، ولا يتركنا نتصدع في تأمل إنسانيات تتدحرج نحو الهاوية ، أم يتضامن ، بجدلية الشعور مع مخفياته ، لصياغة هذا (الامتداد) عبر الأثر / النص -الأسطورة / الحاضر/اللامرئي/ الواقع - الخ ليجعل من الاختلاف ،بين غياب كلي للحضور ، حضوراً أبدياً للغياب ؟ أليس النحت ، قبل ان ينتمي الي النحات ، ضمنا ، هو في جوهر الاختلاف .. وان تقنيات النحات ، لا تعدو ، بعد ان أصبحت معمارا ورموزا ومشفرات ، إلا الحضور المستعاد ، والمغاير ، داخل الامتداد. انها لغة ، لغة داخل اللغة ، لكن هذه اللغة تتكلم ، مثل النحات ، كلاهما يولد بشروط ولادته .
لكن غني حكمت ، يحقق المعني - في خطاب النحت أو ما يريد ان يبث- كتجاور علاقات . فالنحت يستقل كلما منح الحوار - العلاقة - دافعا آخر للإضافة . فالنحات لا يبشر بزوالات أو نهايات أزمنة ، أو ينغلق داخل نصوص لا تفارق حتميتها ، بل يوازن ، في هذا القانون ، بينهما : بين النحت السابق في وجوده ،وجود النحات ، والنحات الذي يعيد صياغة أسئلته . انه ، يرافق أطياف سومر ، وما خلفته من أرث في الحضارات التالية (حتي حاضرنا) ليعيد لها مأواها في الفضاء - وفي الحضارة . فالنحت ليس قوة مجمدة للتصادم ، أو عملية داخل عمليات الاستهلاك ، بل هو أحد مبررات الانبثاق، والبناء . فالناحت لا يري في نصوصه إلا تتمات الضرورة مع الرائي . ولم يقلب النحات معادلة الزمن ، فالحرية ليست بلا رأس أو بلا أطراف (كما تفعل حداثات أوربا، بعد نيتشة وهيدغر وفوكو مثلا) فالزمن - كما في الحرية - كلاهما ينتميان لعمل اليد والمعرفة. فهما لا يهبطان من العدم. فكما قال اقدم حكماء بابل (ساجيل- كيناموبيت) وهو من كبار حكماء الأزمنة القديمة في حضارة العراق - فانهما لا يتصلان بما لا يري ،ولا يزدادان التصاقا بالأرض حد العماء : انهما - مع آليات عمل القوانين - يمثلان لحظة الحضور داخل إرادة الفعل : حضور الأسئلة بكامل الصياغة . فمحمد غني حكمت يأتي ليمثل لحظة تجمع مورثاته ، والعمل بها كأبعاد تحمل مبرراتها الشرعية . فحداثة النحات ، لا تمارس القتل ، أو الإزاحة ، كتصادم حضارات ، بل أنها تعمل علي صياغة موقف الكائن ، في كوًن يتكلم ، عبر خطاب النحت أو عبر ممارسته لدوره ألا دائي . آلم يبذر جواد سليم بذور الأسئلة ، داخل النحت ، لكيً يأخذ الفنان ، ومسارات هذا الاتجاه في النحت العراقي كله دوره في صياغة تقنيات النحت ، كمكان يعيد للمكان مغزاه .. وإلا فأن لا حافات الكون ، هي منحوتات أبدية ، لكن النحت يغدو- كتماثيل الأسس والأختام والمعابد القديمة في سومر وما بعدها : حيث النحت لا يعًرف إلا بالنحت .فالأخير لديه استجابة متوازنة مع قانونه : انه ينحت النحت الذي لا يحدث إلا بفعل النحات . فالكلام سابق علي المتكلم ، لكن كيف سيتشكل حضور الكلام خارج المتكلم؟ ان محمد غني حكمت يصغي لأصوات ليست مسموعة لكيً تصبح صمتا يتكلم . أليست المعاني تبقي ترسل ما تريد نحو ممارسة الآخر لوجوده معها . لأن النحات يصنع ، مرة بعد مرة ،علامات حضوره ، المعلن داخل مجهولات النحت . فهو يمارس دور محركات انبعاث أساطير ما زالت كامنة ، ليست ميتة ولا تريد ان تذهب الي العدم : انها مادة أسئلة النحت ، لكي تصبح ، توقيعات النحات في الاخير. السنا ، أمام أبواب تدعونا الي التوغل داخلها ، وأمام نصوص لا تخفي مرجعياتها؟ ولكنها لا تكف عن صياغات حاضرها ، وحضورها ؟ لأن النحت يصبح - من الجسد الي الفكرة ، ومن الأساطير الي المرئيات ، ومن الموت الي الميلاد - واخيرا من اللاحافات الي الحافة مرئيا بفعل الرائي الكامن في مرئيا ته : فالنحات لا يعًرف ذاته إلا بما غادره ، واختفي ، لكن الذي غادر واختفي ، يبقي يشتغل بشغل [الباث ذاته : انه النحات داخل أثره - نصه - امتداد للحظة تتكون بالتجاور . كأن الأستاذ محمد غني حكمت يعيد لنا قدرة سماع ذلك الذي كان قيد ان يقال ، لحظة تسبق النطق ، حيث النحت يبقي يحافظ علي سر هذه الديمومة . لأن الصمت لا يعّرف بمعزل عن صمت أبعد .. مثل الكلام ، لا وجود له خارج ارتدادا ته . فالنحت عنده يعرف تعريفا عاما : انه كتلة الضؤ : طاقة متحررة ، لكنها لا تذهب ابعد من الرائي ، لأن النحات لا ينحت عدمه . انه يستكمل مرجعيا ته وعناصره ومخفياته مادة للأبعاد ، والحركة ، والأسئلة : فالذاكرة لا تتراجع ، ولا تكرر أفعالها، حتي عندما يمتلك زمنها سحره الاستثنائي أو النادر . انها تمتد، ليشكل الحاضر قوة امتداد وصلة . فليس ثمة قطيعة بالمعني الذي اشتغلت عليه الحداثات الأوربية . هكذا- علي سبيل المثال - عمل الفنان في منح أطياف الماضي ، حضوراً ينحاز لنا ، بقوة الحاضر ، مع استذكار الجذور ، كوثبات الطيف عبر المسافات الكبري . ثمة - عند النحات - ذلك الولاء للوحدة ، وليس للانفصاليات . فهو وليد الزمن الذي يمتلك حركته الداخلية ، واختلافه بعيدا عن التناقض الخارجي .. الأمر الذي جعل عمله علي صعيد الذاكرة علاقة، إضافات ، فالشكل يكمل الشكل ، كأن النموذج لا يكتمل إلا بالبنائية التكاملية . انها ذاكرة الخيال ، حيث الاخير ، ضمنا ، لا يفقد شرعيته ، لكنه لا ينفصل حد الاستقلال . ان غني حكمت يجعل من العمل دافعا لمخيلة تتذكر . مخيلة لها انحناء الزمن نحو المركز ، بعيد ان أصبحت الذاكرة ذاتها الفضاء والمحيط والوسط . فالعلاقة تبقي تكاملية ، ولا يحصل الامتداد إلا بما تمتلكه من امتداد ولا تشكل غزارة إنجاز النحات ، الأكثر تفردا في النحت المعاصر في العراق ، إلا توكيداً لحضارة امتلكت ، منذ حفرت الكتابة مصيرها العنيد ، خيالها وأطيافها والهواء الأقل تصلبا إزاء انبعاثاتها المتواصلة . فالغزارة جعلت التوكيد مانحاً التكرار سمة الإرادة ، والبناء ، والتتابع : انها الحفر في فضاء الفجوات غير المرئية، وقد راح النحات يعيد لها ثوابتها بهذا التوكيد . فهناك ، أمام المتحف ، ذاكرة الامتداد : التعاقب والتتابع حيث لا يمتلك النحات - في مداه وعمله - إلا صياغة وثباته : الإضافات والاختلافات والهوية بما ينسجم وواقعية النحت ، وحداثته المستعادة . لقد صارت منحوتا ته تستجوبنا قبل أن نشاركها الحضور ..فثمة أسئلة كامنة تدمج الأشكال بمحركاتها مشهد الحركة والتأمل معا الأسس الى جوار التمرد والغضب حد الانفجار فالاختلاف مع حداثات اليوم المجاورة لبلدان ما زالت تبحث عن السلام والاكتفاء جعلت من خطابه توقيعات لا تتخلي عن تساميها المأساوي إزاء عصر( قتل ) الإنسان وليس موته . فالنحات لا يرث ، بالمعني الاستهلاكي، مرجعيا ته ، بل يتكوًن معها ، في مشهد التوكيد ، والصراع ، والتوثيق ، وموضوعات الحياة اليومية . فالواقعية دفعت باليد الي مهارات الوعي ، وبالجسد الي الرمز ، وبالمحدود الي الشفافية : واقعية تحمل معها جذور الأرض ، وخصب استذكار دورات الزمن ، وتعاقب الفصول فالأطياف التي سكنت النحت الأول ، تجد مأواها ، في منحوتات محمد غني حكمت اليو هذا المغامر ، منذالاختام المبكرة ، وتماثيل الأسس ، وابواب المعابد ، وشوا خص المدافن ، والطوفانات ، وحكايات الليالي ، والنقوش الإسلامية ،يدخل ذاكرتنا المكونة من العناصر والأساطير . فالحرف ، أو أصوات الكتابة ، صار حواراً ، ومساحة بلا جدران . فالنحت المكون ، بهذا الدافع ، يغدو مركزاُ لفضاءات الضرورة : فضاءات المدن . فالأطياف لم تغادر أسلوبه أو رؤيته ، فالنحت ، علامات انبثاق ، وفي الوقت ذاته هو الذي يجعلنا ننظر نحتا للمعاني والإيماءات . فالوجود نحتا يحرر النحت من الوظائف ، ويسمح بالنحت ان يكون شريكا في الحضور.
اللاحافات والمعني: فضاءات الامتداد
يصعب تخيل ماهية العدم ، أو ما الذي يشغل الفراغ ، بعد أن برهنت الفيزياء المعاصرة ، وفلسفات الحداثة ، استحالة القبول بالميتافيزيقيا . لقد أرجعت التصورات الي الذات - منذ ديكارت - بعد ان اخذ الجدل مداه غير المنغلق . فالذات - والتصورات - والإرادة - لا تتشكل بمعزل عن الجانب الآخر . بيد أن العلاقة ليست تناحريه ، تصادمية ، وليست حوارية أيضا ً . فالمعني يبقي يجرجر الباحثين عنه كلما تسني للوعي ان يعي - ويتأمل - عمليات إنتاج الوعي ، والذهاب الي المناطق المجهولة . فالمجهول ليس هو العدم ، والتصورات غير الثابتة ، لا في العلوم ولا في القيم الأخلاقية ، ليست عشوائية .. فآليات الوجود، لايمكن ضبطها، كما مكث (الوعي ) - وما ينتج - قضية غير قابلة للانغلاق . لقد فكر محمد غني حكمت ، مثل أسلافه ، في : ما المعني .. وما الوجود .. وما قيمة ان يكون للمعني معني ، مع الكائن ، أو في الوجود ، أو خارجهما .. وهل يحق للكائن إلا يكون كائناً ، ويموت اختياراً ، عندما لا يكون معني المعني جديرا بالتأمل والممارسة ؟ قد يتساءل المتابع ، ما هذا .. كما سألني الفنان د. علاء بشير ذات مرة ، بقوله ( أتريد تقصي الأسباب الكامنة وراء الأسباب ؟ ) أجد ان الكتابة ، واختيار النحت ، والنحات ، وموضوعات هذا الفن ، كلها ، تبقي معلقة بين المركز والمحيط . فأزمة الفكر العربي خلال القرن الماضي ، تتناسل . انها لا تنتج كائنات حية ، ولا تكف إلا ان تكون ، كأبواب محمد غني حكمت ، لا تتركنا في العراء ، ولا تسمح لنا بدخول مأوانا الأبعد . فالمعني ، إذا ،لا ينفصل عن عوامل تشكله. وأسئلة النحات - والنحت في العراق والوطن العربي - لا تغادر دائرة الإخصاب . فليس المهم استهلاك المعني ، حتي عندما يتم تحديده ، والقناعة به .. بل المشكلة لا تكمن في الاستهلاك ، بل في الذي يعيد للكلي مكانته الأقل ذاتية . فالنحات ، في الخمسينيات ، اصطدم بالحداثات الأوربية ، في إيطاليا ،حيث الفلسفات والتطيبقات لا يمكن تفكيكهما لتحديد المعني الجديد بالاختيار . ثمة مستقبليات وسورياليات ووجوديات وماركسيات وفاشيات وديمقراطيات ..الخ تعمل داخل بنية يصعب حصرها . والمفكر العربي ، مهما أستقل في وعيه ، لا يجد انه يمتلك فهما مقاربا للذي يجري داخل تصادمات عالمنا . فلم ينجز النحات الا الإطار النظري ، ويتوهم حلاً أخيرا. ان حسنة [الشك فتبقى تبحث عن يقين ، ولم يكن الاخير ، عند النحات ، إلا البحث في المنجز الفني .فما المعني ؟ ان مليار سنة ، منذ توفر مناخ ظهور الكائنات أحادية الخلية، وحتي تبلور ظهور اقدم آثار علامات التحدي ، بين الكائن والكون ، لا تسمح بالقفز خارج الوعي الذي سمح لنا بهذا الإنجاز . أن إلغاء المعني لكل المعاني ، صار ، بعد ان بدأت الميتافيزيقيا تتفكك في بنائها الأسطوري والخرافي ، خارج موضوعات البحث . ان الكائن يصنع معني كيانه . بيد ان الصراع المرير بين عالمنا والحدود الأبعد لا يفضي الي سلام ، أولا ، كما ان الصراع المرير للآخر ، بين الكائن والكائن ، لا يمنح المعني قيمة جديرة بالبحث . لكننا مازلنا نبحث في المعني الكامن ، في المعني ، أو خلفه ، بلا أسف . ان أبواب محمد غني حكمت تظهر لنا نزعة تأملية انطلوجية تأتي استجابة لفكرة العراقي القديم . فالمعني ، عنده ، لا يجعل من القلق بلا حافات ، ولا من الموت قضية خارج الحياة . انه المعني الكامن بين استحالة معناه ، السابق ، ومعناه ، في المدي البعيد ، لأنه يكمن في (عمق الحاضر) داخل النص /الأثر : في النحات الذي صار نحتاً ، لغة ، ولكن هذا المعني ، مثل النص ، لا يتكلم ليقول كل ما يريد أن يقول : انه لا يتكلم من اجل ان يتكلم ، لان مليار سنة سابقة تشتغل بنظامها داخل نظام وعي الفنان أمام أسئلته . لكنه لا يمسك بالموضوع الذي تجرجره أليه . فهو مثل الذي يجمع انفس الكنوز ليجد نفسه أخيراً انه فقدها . كالحب الذي لا يعًرف كلما بدا لنا انه قد أعطانا معناه . لكن محمد غني حكمت لم يختر الفلسفة ، لا لصعوبة تقنيتها واستحالة ظهورها عربيا فحسب ، بل لأنها - بعد نيتشة وبزوغ الحداثات وما بعدها - لا تقود الفكر الي السلام . وقد عاش الفنان معني الصراع داخل فنه بلا هوادة . فالخير لم يبرهن ان له معني - ما - بمعزل عن ضده ، حتي صار الشر ، في تفكيك بنية التصادم ، أحد عوامل ظهور الوعي ، أو هذا الوعي تحديدا . فالجدل له مرجعيا ته ، وله، في الوقت نفسه ، مساحات ما زالت غير مكتشفة .لكن السؤال المربك غالبا : عندما يكون المنتصر ، كالضحية ، كلاهما منذ كلمات جلجامش وهو يتأمل المقبرة من فوق أسوار أوروك متساوية ..لكن غياب الأمل يدفع بالمعني الي الذهاب ابعد من حدود تشكله ..لنجد الفن ، وليس المراقب أو الفيلسوف ، اكثر صلة بمادة الكائن . فحدود البنية الفكرية صنعت تاريخها.. وهذا التاريخ ، هو الآخر ، يعيد تفكيك المعاني المقترحة . فالخلود ، لا حضور له وسط الزمن الذي لا يخضع للرقابة ، والرصد ، والتصور . فالكلمات تصبح حجابات ، والمعني ذاته يصبح جدارا. مرة ثانية يوثق الفنان - محمد غني هنا - هذا ( الباب ) و ( الشاخص ) في أحد دلالات النحت . فالأخير ، حيث النحات يجعل من الشاخص علاقة بين الفضاء والميت ، يختار الرمز ، امرأة . انها مفارقة متحركة ، مفارقة في المفارقة . فالموتي لا يذهبون ، طالما الشاخص يشهد لهم بحضورهم السابق ، الممتد . انه الشاخص والشاهد الذي سيدفع بالموتي- بعد تبلور ظاهرة عبادتهم - الي حياة ثانية . والشاخص ، عند النحات ، رمز أنثوي، رمز لولادات محبطة ، أو دالة علي كيان مؤجل . مع ذلك ، انها ( إينانا ) بكل دلالات معني ( الحياة ) لا معني الخصب وحده . فالشاخص كالباب ، وكالتمثال أخيرا ، يمثل وراثة خارج الملكية . انه المعني الذي يصدم مخيلتنا أمام استذكار الخسران والآسف . فالانتصار كله محض لعبة ، وكله ، يهشم معناه حد اللامعقول ، خاصة ، عندما برهن الإنسان انه المثال المتقدم لصياغة الأذي والخراب . فهل جعل النحات المرآة ، كما فعل السومري ، تحمل محنة معناها داخلها - وخارجها أيضا ، ام جعل الشاخص ، المرأة والام والطفل - وعياً للبحث عن الوعي الآخر ؟ معاً ، لا يقول المعني كل ما يريد ان يقول .. فالكتابة التي هي بلا حافات تتكون ، كالمطلق أو العدم ، من الحافات والموجودات والمعاني . انها تبقي خارج فعل الفعل . فالنحات - كما فعل أول إنسان حمل خطاب فن الطين والحجارة دوًن كل الذي مكث متحركاً . أليست غزارة أعمال النحات تشكل صلة تخص عمق وعيه الذاتي أمام فضاءات اخرى ؟ لأن ذكري الميت ، عبر الشاخص ، مع الرائي وصانع الأثر ، كلها تولد بفعل حريتها المتحركة . والمعاني ، في البعد ، لا تجد أكثر من مأواها المؤجل ، حيث ( الأطياف ) توهمنا بوجودها دائما . أليست المرأة ، من منظور عصر سيادة الرجل ، لغة غير قابلة للحذف ؟ ان محمد غني حكمت ، وكل نحات بهذا الانشغال حد غياب ( موضوعة ) الانشغال ، يحدد سمات بنية نموذجية لتفحص المعني المتجدد، للمعاني ، ولكل معني له سماته وملامحه محركاته .فالمعني ، مثل النص ، يسمح لنا بالقفز نحو فجوات تتقدمه . انه كالذي يحدق في الفراغ الذي يرقد فيه ، يدرك ، انه لم يحذف ، بل خضع للتحول . لكن تحول [ المعاني ف هو الآخر ، عبر التصادم والازاحات ، لا ينغلق ، ولا يتحجر . والنحت ، في هذا المعني ، ليس كتلة : انه ، علي العكس ، يدفع بالآخر - المراقب - الي هذا الوهم . فأنا هو النحت . بيد ان تفكيك الرائي والمرئي سيقودان ، مرة بعد مرة ، الي العلة التي أنتجت هذه السلاسل من العلل ،عند المعني ، وبعيدا عن الميتافيزيقيا ، عند حافات الارتداد . فالنحت ، ليس هو الفضاء المتجمع ، والمتصلب ، الذي أخفي مرجعيا ته اللاحافاتية ، فحسب ، بل هو الذي يحمل رمز الفضاء ، والمعاني الكامنة . فهو لا يخضع لأبدية المعني الأحادي ، بل الذي يواصل نفيها . ألم يكرر محمد غني حكمت الضرب بمطرقته فوق أسئلة لا تولد إلا الأسئلة . لان البحث عن المعني ، بالانتماء الي وجود قيد الزوال - وقيد الانبعاث - يولد كينونة الامتلاء ، هذا الذي يبقي ، في قانونها، ممتداً . لان المعني يبقي يعًرف ذاته بهذا الامتداد ، وليس بالميت الذي لا يترك إلا شاخصاً يؤكد زوال زمنه ، وبدء زمان لا ينتظر إلا إحداث فجوة لاحقة في كون لا تكف فيه المعاني من الظهور، بصفتها ، غير قابلة للتحديد. أليس تعلق النحات برمز الخصب والحرب ، اللذة والموت ، اينانا ، قد لخص هذا التزامن مع الأطياف السومرية - والمعاصرة - له مغزاه في تأمل الوجود: هذا التحديق في المعني وبواسطته ، يجعل الشيء في ذاته - قبل تحديدات عمانوئيل كانت - صائرا لأجل ذاته - وبعد سار تر والوجودية - نحو المعني الذي لا يقبل إلا ان يظهر لا معناه ، أو المستحيل ، الذي توقفت عنده حداثات أوربا . ان الأستاذ غني حكمت ، مع اينانا ، يجعل من المطرقة أداة حفر ، وتدوين ، للامتداد الذي صار علا مة ، ليس له، أو لنا، بل للكتلة التي صارت لاحقا فاتها كل هذا الذي لا يدوم ، ولا يمكث اكثر من الحضور الذي لم يكن -غائباً- حاضراً ، بل الذي سيدفع بنا نحو فراغات تنتظر مرورنا بها.

الذاكرة والانبثاق
في التقاليد القديمة، مع بزوغ عصر التدوين في سومر ، أو في فضاء الحداثات ، يتكرر السؤال : هل يكمن المعني في النص الاختزالي ، في الإيجاز ، أم عبر التتابع ، والانتشار ؟ في الواحد أم في الواحد المكرر؟ في الواحد تحديدا أم في التنوع ؟ ما علاقة توفر المعاني خارج حضور النص .. ما دور اللاشعور عبر أسئلة الذات ؟ وليس أخيرا : ما الفن خارج أومع الخبرة .. ما الخبرة ، أولا ، باعتبارها حاملة لمعناه عبر الحذف والإضافة ، ما الخبرة ، ثانياً ، بصفتها تعمل علي تكيفات تلازم تراكمات علوم مستحدثة ؟ وهل نتساءل ، مرة بعد مرة : ما المعني ..أم لانجد أغراءً يماثل انشغالنا بالتطبيقات . لأن الفضاء الذهني ، حتي عبر المدوًن ، له قوانينه الفيزيائية وما بعدها، كدوافع المصادفات والعشوائيات وهي تفتتح عصر التدحرج الى الهاوية ؟ الأستاذ محمد غني حكمت ، منذ منتصف القرن الماضي ، وقد سبقه محمود مختار في مصر ، وجواد سليم في العراق ، وجد ذاته تحاصر بفراغ الحاضر : الحاضر أو الإزاحة المبرمجة.هذا الحاضر ، عنده ، غير مشغول . فالجغرافية التاريخية لبغداد الخمسينيات ، ككل المدن العربية ، تحمل نزف دماء بلا حدود ، ولكن بلا أثر . فالناس لا يمتلكون حتي الحد الأدني من ضرورات الحياة .. ليست هناك ظاهرة (ذات) عاملة ، وليست هناك كتلة اجتماعية ترتقي الي ماضيها القديم . هذا الحاضر ، أمام نحات مزدحم بالمعاني والطاقات والأسئلة ، خال من الحاضر . لان النحات امتلك مقارنة مع : ما لا يحصي من النصوص النحتية ، المكتشفة مع بدء زمن التحديث في المدن العربية ، وثمة كتابات راحت تنقب - وتحفر - في الحفريات والآثار المكتشفة ، مؤسسة برؤية الحداثة : اندريه مالرو / بارو / وما لوي ، مثلا .. فالمتحف دفعه لرسم الجغرافية الحضارية ل(500) مدينة سومرية دفنت تحت الرمال ، ولم يظهر منها ، إلا بضعة شواهد . لكن هذا الضؤ - مع اكتشافات أخري في العصور اللاحقة لسومر وحتي الذي ذكره المرحوم الأستاذ محمود تيمور باشا حول النحت في الوطن العربي وفي بغداد العباسية يكفي لأحداث صدمة ، صدمة : من نحن ؟ وما الذي بالإمكان عمله ، خارج الصمت أو الانشغال بالمسرات العابرة . فالماضي لم يعد حكايات لتزجية فراغ ساعات الليل ، أو أحاديث المقاهي ، مع انه صار يتزامن مع الوعي بالهوية: جغرافية الذات - الأفقية- وتاريخها الحضاري - عموديا - لكي يكون الحاضر ، كما يفكر النحات ، أمام الفراغ الكبير . ففن حضارة فجر السلالات ، والعواصم الكبري ، تحمل أسئلة حداثات زمننا ، ومنذ عصر النهضة : أسئلة ذات صلة بالنضال الوطني / القومي / مع صلة دائمة بالمصير العام للحضارات . وأمام حداثات أوربا ، بكل النزعات والاتجاهات والمعاني ، لم يعد الفنان بلا أسئلة. فأوربا ما بعد الحرب العالمية الثانية ، لاتفكر في استرجاع موروثاتها . انها أصبحت أمام فراغ آخر . ماذا بعد تفكيك أزمنة عصر محاكم التفتيش ، وويلات الحروب ، ومنها إذلال الشعوب وتخريبها، وماذا بعد ان دحضت سلطة الأساطير ، وبزوغ أسئلة كامنة في حفريات تضاف للمناهج التي أعقبت الماركسية والوجودية . ان محمد غني حكمت كان يراقب الخطاب الفني وغزارته، بصفته لغة متداولة . فكما كانت المدن العراقية القديمة زاخرة بالرموز الفنية ، فان المدن الأوربية ، وفي إيطاليا تحديداً ، شاهدة علي ذلك .ماذا تراه يفعل .. حيث الماضي - بحداثته التي تحمل توهجها خارج زمنها - وحداثات أوربا المثيرة للقلق والشك ، والصدمات - وبغداد- التي تحمل ذكري انها كانت عاصمة للحضارة في زمن سابق - لا تفتخر إلا بعدد قليل من التماثيل للجنرال مود والملك فيصل الأول وعبد المحسن السعدون وتمثال السباع .. وقد انجزت بأيد أجنبية .. حقا، كانت بغداد تنتظر عملا بلا حدود ، في المجالات كافة ومنها الفن . ثمة في هذا المجال ، والفنان يستذكر ما لا يحصي من الشواهد الحضارية ، في الماضي أو في أوربا ، ماذا تراه يفعل ، وقد ظهرت المدينة - بغداد - مساحة بلا علامات ؟ أن هذا الفراغ ، عند فنان يحمل ذاكرة البنائيين الأسلاف، جعله يجد المعني في الإنجاز . لقد راح يعمل بطاقة كامنة تبدو للبعض انها حرفة ، ولكن هل بإمكاننا أن نقارن ، بعد نضف قرن ، بين فنان أنجز بالرموز الفنية ما يعادل العدد الذي أنجزه كل النحاتين الآخرين؟ هل تراه كان يتسلي ..هذا الذي كان يعمل بدافع البًناء العراقي ، أمام زملاء له ، ليس لديهم ، حتي في بحثنا عن المرجعيات ، إلا بضع تماثيل ، ومنجزات متفرقة . ان هذا الكم ، بنوعه ، يلفت نظرنا للطاقة الجماعية الكامنة عند النحات . فالذات عنده كانت تعمل بالبركان الاجتماعي الداخلي ..لأن الذات - سيكولوجيا ومعرفيا - تخلت عن مجدها الشخصي ، مع ان هذا المجد لا ينفصل عن مدينة تضم أعماله أليها ، كما هو واقع المدن العراقية . انه الموروث في ديناميته ، فالمدينة - بغداد - أصبحت رمزاً للاستعادة . وفي مجال آخر يخص اللغة - وستكون لهذه العلاقة مع النحت أثرها في مسيرة النحات الأسلوبية فان [ لغة تتكون من بضع مئات من الكلمات لا تكوًن فضاء يماثل لغة تحتوي عليً ملايين الكلمات ( مثل اللغة العربية ، وعدد من اللغات الأخري ) قال فتغنشتين بحق بان حدود عالم الإنسان هي حدود لغته ف تصح للمقارنة تماما .
فقد شغف الفنان بالأساطير والديانات والثقافات المختلفة .. وكانت اللغة وسيلة للمعرفة . أما النحت ، فكان لغة تتضمن الإرسال الي الآخرين .
بياض مضيء أعلي الرأس وسمرة خفيفة على الوجه وابتسامة مرحّبة، ولهجة بغدادية حميمة أفتقدها منذ زمن.. آلة تصوير في اليد وألبوم صور سنكتشف بعد حين في جلسة الغداء أنه يحتوي صوراً لآخر أعمال الفنان.
تمضُّ القلب شكوي الفنان من الغربة وما تعرّض له في جحيم العراق القائم: ابتعاده عن محترفه، تجربة خطف ابنه وفديته بأموال طائلة، كان يهوّن عليَّ تعرّضي لتجربة مماثلة مازلت أعيش فصولها القاتلة..تنقّله مقيماً بين عمّان والمنامة ــ تقطع تلك الإقامة أحياناً سفرات فنية ومناسبات ومحاضرات كهذه التي أتاحت لنا لقاءه غير المنتظَر ــ لكنّ ما يؤلم حقاً شكواه من غياب أبناء جيله بالموت أو العجز والهجرة.. وإحساسه بالوحدة.. يذكر فناني جيله واحداً واحداً بينما يرينا دفتر الصور.. كنت متلهفاً لأري انشغالاته الأخيرة وأعماله النحتية، وهو الذاكرة الحيّة لسلالة النحت العراقي الضاربة في التاريخ والمتعددة الأساليب والرؤي: في بابل وأور ونينوي، ولا أنسي a في لقاء منشور معه بأنه يحس أنّ في داخله روحَ فنان آشوري، كأنما يريد القول إنه يتناسخ معه أو يبادله الرؤية والعمل، ولا غرابة أن يتنبه محمد غني حكمت إلي ثراء بلاده بالمنحوتات المنتشرة في أرجاء أرضه بأساليبها المميَّزة التي يذكر منها ــ علي وجه الخصوص ــ ثيران أشور المجنحة التي تجمع إلي دقة تنفيذها وضخامة كتلتها خيالَ الفنان العراقي القديم، ووعيَه الذي جعله يرمز إلي الحلم والسمو فوق الواقع بوجود الأجنحة علي جانبي الجسد الضخم للثيران، كأنما ليفارق الأرض أو يطير في أجواء علوية خارج الزمان والمكان، رافضاً الجمود، معبراً عن ذلك بحركة الرِّجل التي تظهر وكأنها رِجل إضافية.
محمد غني المولود ببغداد عام 1929 كرّس حياته لعمله النحتي دراسةً وإنجازاً. ومثل أستاذه جواد سليم خرج محمد غني بمنحوتاته إلي الفضاء المكاني لمدينته هاجراً المتاحف والصالونات.. فكانت منحوتاته تنتشر في المدينة لتدل علي الصلة بين الفن والمكان، وهكذا ظلت كهرمانة ــأو مرجانة ــ تصب الزيت علي اللصوص في الساحة الشهيرة عند مدخل حي الكرّادة ببغداد، بجسدٍ رشيق وحركة جميلة منحنيةً علي أوعية تحيط بها لتملأ المكان الدائري، بينما كان الماء المنساب يخفف حرّ بغداد ويشعرنا بالرّي، كلما عبرنا الساحة يساراً باتجاه مبني اتحاد الأدباء، محمّلين ذاكراتنا بعبق حكايات ألف ليلة وليلة التي كان لها في مخيلة الفنان أثر كبير يدل علي تنوع مرجعياته الثقافية وتعددها، وانتمائها كمحصلة إلي الإرث الثقافي العراقي العريق.
هكذا ينجز الفنان تماثيل ومنحوتات أخرى ذات مرجعيات ثقافية، متأثرة بالسرد العربي القديم و حكايات الليالي العربية وأساطيرها خاصة، من بينها: الجنيّة والصياد، والسندباد، وبساط الريح، شهرزاد وشهريار التي تمثل الإطار الحكائي لهذا الكنز العجائبي الخالد والغني وتؤكد قراءته الواعية لهذا الأثر الشعبي، ولقد كانت انتباهته تلك تعزز انهماكه في تمثيل الموروث الرافدينبي القديم كما يجسّده عمله المميز: حمورابي.
ثقافة الفنان محمد غني ستقوده ليجسد شاعر العربية الأعظم المتنبي في تمثالٍ يُقدّر له أن يعاني طوافاً مكانياً كما عاني صاحبه القائل: علي قلق كأن الريح تحتي..فقد تغير مكانه، ثم تعرض للسرقة في الهيجان والفوضي العارمة التي تأتي الآن علي كل شيء في وطن الشاعر والفنان، ويأخذ منها الفن حصة كبيرة، حدثنا الفنان بمرارة عن سرقة تمثال السعدون ، وتحطيم رأس أبي جعفر المنصور، وسرقة عشرات الأعمال الفنية واختفائها.
لكن ما يؤلم حقاً هو ما يحصل للإنسان في وطننا، فقد أراني الفنان صوراً لأعمال حديثة له تتسلسل لتسرد مأساة المهجّرين قسريأً عن بيوتهم لدواعٍ طائفية وعرقية، وفقدانهم فجأة لما يربطهم بأمكنة ولادتهم وحبهم وعيشهم وجوارهم..وقد لاحظت أن الفنان عاد ليؤكد علي الثقوب والفجوات التي تنخر كتل منحوتاته لتعبر عن الاختراق الذي يحدثه الألم والعناء في نسيج الحياة اليومية للناس، ويهدد وجودهم ويسرق سعاداتهم وألفتهم وإنسانيتهم.
تحدثنا مطولاً عن مبررات العنف ومسوغاته ودوافعه وأهدافه ثم ساد بيننا صمت يرمز عندي لعجزنا عن فهم ما يحدث من جنون وجرائم وانهيارات، تزيد مرارة احتلال الوطن وفقدان أمنه وسلمه. بينما رحت أتأمل يدي الفنان التي عكفت علي طين أرض السواد ــ منذ الطفولة ــ لتكوّره وتكوّن منه أشكالاً وهيئات وكتلاً تعيد صياغة الحلم الجميل..كنتُ أتأمل عينيه اللتين أتعبهما النظر الحزين للخراب والحرائق وأتذكر أنهما ذات العينين اللتين رأتا القباب والمآذن واستوحت قدسيتها وجمالياتها وتكويناتها، وأعادت تمثيلها في أعمال الفنان المبكرة.
ذاكرة تجلس أمامنا تعيد سرد حكاية نصب الحرية الخالد الذي يتوسط صحن الباب الشرقي لبغداد ويشير لعبقرية جواد سليم، ويذكّرنا بأن لمحمد غني إسهاماً فيه مساعداً لأستاذه حين حلّ في فلورنسا بإيطاليا ــحيث يواصل محمد غني دراسته ــوذلك ما يؤكده دارسون كثيرون مثل جبرا إبراهيم جبرا وشوكت الربيعي وزوجة جواد الفنانة لورنا سليم ــ كما كان واحداً من أعضاء جماعة بغداد التي أسسها جواد بعد عودته للوطن..والتي استقطبت النحاتين فضلاً عن الرسامين.
اللقاء بمحمد غني يزيد اللهفة لرؤية وطن قادم لا يلفظ أبناءه بقسوة لتنفرد بزمنه لحظات العنف والدمار.

جريدة الاتحاد الاماراتية
اذار 2008