فوزي كريم .. وغجر الاحزان

فوزي كريم .. وغجر الاحزان

جورج جحا
عنوان مجموعة الشاعر العراقي فوزي كريم "اخر الغجر" يفيض في الكلام عن اوضاع كثير من العراقيين شعراء وغير شعراء ممن شردتهم في انحاء العالم سنوات الاسى المتتالية في بلادهم. العنوان يجعل -ومن قبيل المجاز- العراقيين المهجرين عن بلادهم او الشاعر نفسه في هذه الحال اخر الغجر بمعنى الذين

 لا وطن لهم فهم في ترحال دائم يطرقون ابواب اناس العالم باستمرار. الا ان الصورة التقليدية للغجري المغني والراقص المرفه عن الناس لقاء ثمن طبعا لا تنسجم مع صورة هذا الشاعر العراقي لان اخر الغجر هذا لا يقدم لنفسه وللناس فيما يغنيه سوى الاسى. فهذا المشرد هو واحد من غجر الاحزان.. عراقيي هذا العصر والشعراء منهم بصورة خاصة.كثير من قصائد المجموعة يصور فعل الزمن والاحزان والغربة في الانسان. فالعمر يمر ويترك وراءه شيبا في الرؤوس وتجاعيد في الوجوه وانحناءات قاسية في الاجسام تنذر بعجز قادم بعد خطوة او خطوات.اشتملت المجموعة على 39 قصيدة وردت في صفحات متوسطة بلغ عددها 102 ورسم غلاف بريشة الشاعر نفسه. صدرت المجموعة عن دار المدى للثقافة والنشر في دمشق حيث يبدو أن الشاعر اقام مدة من الزمن.قصيدة "اخر الغجر" التي أعطت اسمها للمجموعة قد تكون مثالا واضحا لتلك السمات التي ميزت قصائد المجموعة وجاءت كأنها رثاء للذات بل لعالم ولعصر ولامال واحلام.يقول فوزي كريم علانا المشيب ولم تعد الريح ترعى ضفائرنا وأفراسنا سمنت ومراقد من مات صارت مزارا وينتقل إلى مجال آخر يذكرنا فيه باجواء تي.اس.اليوت في قصيدة "الرجال الجوف" فيقول " كلما فاجأتنا رياح الهضاب  انصتنا كأنا عظام مجوفة و بلجهة ابي العلاء المعري صارخا خفف الوطء" يقول الشاعر  ليس يجرؤ ذئب على سحنة الليل فينا ولا الشمس تدخل ابارنا غير أنا  بذات التواتر لم نبطل النسل...ايها المتحاشون منا اقترابا خففوا وطأة الحذر قد ترون مرابعنا طللا وهياكل  لسنا ضحايا وباء مضى  ووقود حروب جرت  بل مرايا لكم في قصيدة "لا تعد النفس" أجواء تساؤل ميتافيزيقي يبدأ في حيرة وبتساؤل قديم جدا على غرار ما دار بين الالهيين والدهريين لينتهي في شيء من الاستسلام المنسوج من خيوط قدرية وصوفية.يقول في القسم الاول لا تعد النفس بما لاترى من نعم الا على راحتيك فانت يا هذا مدين ولن تعرف ما عشت من الدائن -الرب ..ام هذه الارض التي تأكل ابناءها ..أم كائن فيك يعزيك في مخاضة التاريخ بالاسئلة أما النتيجة التي توصل اليها فهي لا تقتصر على انسان معين في منطقة محددة لكنها أزلية أبدية وفحواها ان الانسان في كل حال وحيد مسكين يموت وفي فمه اسئلة كثيرة يخلفها لمن يأتون بعده ليتركوها بدورهم لمن يخلفهم.يقول أبيت ام شئت ستمضي إلىمرتفع التل وحيدا ومن مرتفع التل ستلقي على المدينة الزائلة نظرتك العاجلة أما الزمن الذي يلتهم الانسان واحلامه فمن المفجع انه يسرق الاعمار دون ان يعطينا ما وصفه المتنبي بانه الحلم والتجاريب. فهو عند كريم بخيل قاس لا يقدم حكمة لقاء ما ما ينتزعه من الانسان.في القسم الاخير من قصيدة "تراكمت على ردائي" يقول الشاعر أقول للشواهد التي على امتداد بصري  انتشري انتشري  فحيث تلقين من الظلال فهو حقلي وأنا  مشرد في حقل حكمتي وقد  أتلف حكمتي الجراد وفي "الدورة الدامية" تتحول الحياة الى عملية قتل دائمة ..اعادة انتاج مستمرة والقتيل والقاتل يتبادلان الدورين بانخداع مفجع . يقول كريم "أعوف مدينتي لكمو - واخرج هاربا بدمي - فكم أدمت ثيابكم الشعائر و الطقوس- وها انتم على عجل - تعيدون القتيل بهيئة القاتل- وما أن تنضج الثمرات حتى ينضج القتلى -بهيئة قاتلين- واذ يحين قطافهم يستبدلون بهيئة القتلى...- بذا تقضي الفصول تعيد دورتها ولا تبلى.في قصيدة "في انتظار الاعداء" يتحول الانسان بفعل الخوف العتيق الذي يتاكله إلى حالة رهاب وشعور بالاضطهاد. ما يطرحه الشاعر يزيل الحدود النظرية بين تلك الحالة النفسية وبين الواقع ليصبحا واحدا.يقول في الليلأنتظر مجيء الاعداء أكتشف ضياع الوقت بين اصابع كفي ...منذ سنين  والساعة لا تتردد في وقع خطاها البلهاء وانا أتمثل خطوتها في نبض وريدي فأجن   وألوذ كأي عراقي بالخمرةمن يربكنييربك هذا الرتل من الاحياء في جسدي نحو الهوة غير مجيء الاعداء اما القصيدة الصغيرة "في المحطة" فهي نموذج عن نتاج كريم الحافل باحزان الغربة. هي تعبير تصويري موح عن حالة الترجح بين البقاء في الوطن على رهبة ما في هذا البقاء وبين مغادرته على ما في ذلك من الم ووحدة ووحشة. يقول تحت وقع المطر ورائحة الخشب الرطبما كان متسع للمسافر بين لفافة تبغ واخر  سوى ان يعيد النظرفي احتمالين ..أن ينحني لرياح القدرويعيد الحقيبة للبيت او في احتمال السفر وعلى رغم الاهوال والفواجع القديمة يبقى الامل يرافق المشرد في غربته فلا وطن بديلا عنده حتى بعد تشرد ربع قرن.في قصيدة "سأعود يوما" يقول الشاعر سأعود غدا او بعد غد وأعيد السمك من الحوض الراكد لمياه التيار وغنائي من منفاي الى الخمارة يا خمار عريني من وطأة ذاكرتي عري الفتيان من وطأة موتاهمما أطول درب العودة يا بغداد  ما أعمق رائحة الجلاد ما بين غضونك ما أطولها سنوات المنفى من دونك طمعني ربع القرن بأن اختلق بديلا عنك  فهلّ رماد من رأس.
عن جريدة النهار اللبنانية