تهافت الستينيين.. أحلام المثقفين وخيباتهم وقضايا الشعر والفن وهموم الحياة

تهافت الستينيين.. أحلام المثقفين وخيباتهم وقضايا الشعر والفن وهموم الحياة

ابراهيم حاج عبدي
"تهافت الستينيين" للشاعر والناقد العراقي فوزي كريم، وبالرغم من أن العنوان يشير إلى أن الحديث سيتناول مثقفي الستينيات في العراق، والآمال اليوتوبية التي كانت تكبر في دواخلهم، والسمات الرئيسة لتلك المرحلة المهمة في تاريخ العراق، غير أن الباحث لا يتقيد بهذا العنوان، ففي الوقت الذي يناقش فيه موضوعه الرئيس

 ببعض الإسهاب والتحليل، فانه يذهب إلى ابعد من ذلك إذ يناقش قضايا ثقافية وفكرية أثيرت في العراق والعالم العربي، فيتوقف مطولا عند مفهوم قصيدة النثر، والعوامل التي أدت إلى انتشارها، ويناقش تاريخية مصطلح "قصيدة النثر"، وأهم روادها في العالم العربي، ويتحدث عن المفكر الفرنسي جوليان بيندا، وعن الناقد الأدبي الأمريكي المعروف هارولد بلوم، وينتقد، في رد متأخر، دعوة الناقد السعودي عبد الله الغذامي إلى "النقد الثقافي" بدلا من "النقد الأدبي"، وتتمثل وجهة نظر الغذامي في أن النقد الأدبي (العربي) أدى دوره في الكشف عن جمالية النص كفاية، حتى "أوقع نفسه وأوقعنا في حالة من العمى الثقافي التام عن العيوب النسقية المختبئة من تحت عيوب الجمالي..."، وإذ يرد كريم بان هذه الصيغة اليقينية مملاة على الغذامي من الكتب النقدية الغربية، فانه يضيف بان هذا "النقد لم يؤد دوره كفاية، فكيف يدعو الغذامي إلى موت النقد الأدبي أمام عشرات الشعراء العرب المحرومين أصلا من إضاءات ناقد واحد، تسلط على حياتهم المنسية أو على شعرهم المهجور، وأمام مئات القصائد الظامئة إلى قراءة واحدة من حنجرة غير حنجرتهم".
في هذا الكتاب، يستعيد فوزي كريم، وبحساسية شعرية هادئة، صورة الستينيات العربية والعراقية، ويعود بالذاكرة إلى سنوات "النضال الحالم" حيث كان المثقف يبحث عن التغيير، وهو يعقد مقارنة بين ستينيات العراق وستينيات روسيا القيصرية، قبل ذلك، بقرن كامل، ويستهل موضوعه بالحديث عن رواية "الشياطين" لديستوفكسي، التي علمت المراقب بان "مثقف الفكرة المقدسة المتعالية أو "الحلم الفردوسي"، منشطر على نفسه، أناني بطبعه، وكاذب".
وإذا كانت روسيا قد حظيت بديستوفسكي، فان العراق ـ كما يرى كريم ـ قد ابتلي "بالكاتب الثوري الذي يرقب الظاهرة ليمنحها، بمزيد من العواطف والخيال، شرعية وطأتها كالصخرة". وهو يستعين، في هذا المقام، بما يكتبه سامي مهدي عن تاريخ هذه المرحلة ليؤكد أن الأكثرية من كتاب الستينيات كانت تنتمي لتنظيمات حزبية، وأنها منيت بانتكاسات سياسية ونفسية لم تؤد بهم إلى مراجعة النفس والحكمة، بل إلى ميول وأهواء فكرية أكثر تطرفا. ويقتبس من كتاب مهدي (الموجة الصاخبة) الفقرة التالية: " فكان أن تسللت إليهم، بدرجات متفاوتة، الأفكار الوجودية والعدمية والتروتسكية والفوضوية، حتى أن نفرا منهم أعاد الاعتبار لتروتسكي وأفكار الأممية الثانية. وحين تألق نجم الغيفارية صار أرنستو غيفارا نجما محببا لدى أغلبهم، وراحت صور مقاتلي الجبال والأدغال تداعب مخيلاتهم، بل كان بعضهم يحسد الكاتب ريجيس دوبريه على ما وصل إليه من شرف...، وحين انفجرت أحداث أيار 1968 م في فرنسا كان هناك من عثر على بغية أخرى، فصار أبطال هذه الأحداث من النجوم التي يتطلع إليها...كان أكثرهم يبحث في هذا الخليط المتنافر من الأفكار عن خلاص ما غير الخلاص الذي وعدتهم به الأحزاب التي كانوا ينتمون إليها.
ويسخر كريم من كيفية تعاطي هؤلاء المثقفين مع التيارات الفكرية، والفلسفية التي ظهرت في الغرب، فيقول "أسرنا الكتاب الغربي وبواسطة الترجمة, تعلقنا بثقافة غربية على ورق سيئ الطباعة، وكان أشبه بتعلق مراهق من "باب الشيخ" بحسناء في فيلم أمريكي. في اتحاد أدباء مرحلة أول ثورة تموز تعلق أدباء اليسار الشبان بإضاءات همنغواي، وفي "مقهى السمر" بالمسافة بين تروتسكي ولينين، وفي "مقهى المعقدين" بدخان الوجودية، وفي "مقهى البلدية" بفضلات الشوفينية القومية الألمانية....كنا في الهفوة التي يغفلها التاريخ. هفوة لغوية، بيانية، وليدة وهن استثنائي في القوة الإنسانية الحية"، معتبرا أن فاضل العزاوي في حماسه الستيني، ابرع ممثلي هذه الهفوة.
ورغم أن حديثه يشمل الثقافة بمختلف تجلياتها، إلا أن الشعر يكون دائما ميدانه المحبب، بوصفه شاعرا، إذ يشير إلى أن الشعر العراقي كان قد "قطع، في مرحلة ما قبل الستينيات، شوطا مثيرا في إنضاج صفتين متناقضتين، الأولى صفة الشاعر المتسائل، الحائر: السياب، الملائكة، البريكان، الحيدري، مردان... والثانية صفة الشاعر اليقيني: كالبياتي، مثلا. ويرى كريم انه و"بعد انقلاب 1958 اضطربت القاعدة بعنف، بحيث اندفع شعراء من موقع الحيرة إلى موقع اليقين، وبالعكس. صارت نازك الملائكة ذات حمية قومية، ثم دينية على اثر فزعها من المد الشيوعي. حسين مردان اطمأن لكذبه، وكذبه ابيض ككذب الأطفال. بدر شاكر السياب تعرض لضغوط قاهرة هرست قدرته على البقاء شاعرا رائيا. بلند الحيدري فضّل الانتساب إلى الحياة العابرة، وجعل الشعر ملحقا بها. في حين انتسب محمود البريكان للشعر وبقي داخله حتى مقتله. بينما غامر البياتي مرات في التخلي عن حقل يقينه، ودخل خبرة شاعر الحيرات بنجاح تجاوز فيه صوته الآخر".
وفي هوامش أحد الفصول يشن كريم هجوما قاسيا على من يسميه بـ"مثقف الإعلام العربي" مختارا الروائي اللبناني الياس خوري في رؤيته لاعتقال صدام، ففي حين يصرخ العراقي بعد الاعتقال مبتهجا "لا جريمة قتل بعد اليوم من صدام حسين وزبانيته"، فان الياس خوري يكتب "كان أشعث الشعر، طويل اللحية، يلبس عباءة أو دشداشة، ويجلس تحت ضوء بطارية الطبيب. هذه هي الصورة الايقونية الأمريكية التي يراد تسجيلها في الذاكرة..."، ويعلق كريم بان رؤية خوري هذه "ليست وليدة كراهية للقاتل. ولا وليدة تعاطف قلبي مع مئات الآلاف من قتلى حربيه الداميتين، والآلاف من جثث المقابر الجماعية، والآلاف من القتلى الأكراد، والملايين من الهاربين في المنافي الغامضة. بل هي وليدة رأس المثقف العربي الذي يتعامل طيلة حياته النضالية مع الأفكار المستعبَدَة من قبل كراهية الغرب البالغة السطوة، ومع الرموز التي أخلت الحياة من الإنسان تماما". لقد جرد خوري بضربة ساحر المشهد من الحدث، والحدث من أي ارتباط بالضحايا، حتى مشهد الضحايا الذين خرجوا مترددين، خائفين بفعل الخوف الذي سكنهم ثلاثين عاما، لإسقاط نصب صدام حسين في اليوم الأول من تحرير بغداد لم يستطع الياس خوري أن يراهم إلا "...مجموعة قليلة العدد من العراقيين تم تجميعهم على عجل". وهنا، ومع الإقرار بصحة ما يقوله كريم، غير أن اختياره لإلياس خوري لم يكن صائبا، ذلك أن ثمة العشرات، بل المئات، من الشوفينيين العرب الذين باركوا الديكتاتورية البعثية بوضوح، على مدى عقود وحتى اللحظة، دون أي شعور بالخجل أو الندم، لكن خوري لم يفعل ذلك، ولئن أخطأ في تحليل حادثة اعتقال صدام فان له مواقف معروفة تناصر الضحية دائما وتقف ضد الجلاد، وكان الأجدر بكريم أن يختار مثالا آخر غير هذا الروائي اللبناني المتميز.
ويقدم الباحث في فصل تحت عنوان "قصيدة النثر ودربة الأذن" مجموعة انطباعات بشأن قصيدة النثر في الشعر العربي، وهو يقر بان هذه الانطباعات لا تزيل إرباكا، ولكنه يسعى إلى تحاشي مضاعفة الإرباك، والتعتيم. هو يسعى إلى تأمل الظاهرة التي يقول بأنها "اجتاحت كحريق حقل شعرنا الظامئ، الشاكي من اليباس، خاصة في الثمانينيات والتسعينيات"، ويسعى إلى تأمل تفرد هذه القصيدة في الساحة الشعرية التي يزعم أنها ساحة "ثقافة إعلام" لم تسهم المواهب الشعرية إلا في تعزيزها، ولذلك لم تكتسب هذه المواهب صفة الفرادة والشخصية، بل صارت، تحت ظلها وفي غمرة مناخها المفروض بخفاء، مواهب ذات صيغة جماعية، تنعكس جماعيتها على تقارب النصوص، وعلى الخصائص المشاعة الموزعة فيما بينها.
ومثل هذا التأمل يستدعي من الباحث محاولة متابعة ما جرى لقصيدة النثر في الغرب الإنكليزي إذ يستفيض في الحديث عن تاريخ ظهور هذه القصيدة، وكيفية ظهور المصطلح، وأبرز روادها ليقف عند تجربة الشاعر الأمريكي جون آشبري، وقصيدة النثر لدى الشاعر الأمريكي مايكل بندكت،. وإذ يؤكد، كريم، بأنه لم يكتب قصيدة نثر إلا بفعل حاجة ليست بالضرورة واعية، ويعتبرها ضربا من الكتابة الشعرية يلبي حاجة جانبية طارئة، فانه يبدي استغرابه من أن يواصل شاعر مثل محمد الماغوط، وانسي الحاج، وتوفيق صايغ وآخرين كتابة قصيدة النثر طوال حياتهم مع انعدام كلي للمحفز الأساسي لقوى الغرائز الدفينة، مكمن المشاعر والرؤى، وهو محفز الإيقاع والموسيقى. متسائلا باستغراب: كيف يمكن لشاعر أن ينهي عمره الشعري في مسار لا أثر فيه للإيقاع والأوزان، وللموسيقى؟
ويضيف كريم، في هذا السياق، منتقدا الشاعر الثوري الذي تماهى، من حيث يعلم أو لا يعلم مع خطاب السلطة، فيقول بان "إعلام السلطة العربية منذ الستينيات كان وليد أفكار المثقف الثوري وطموحاته وشعاراته. الركائز التي تعتمدها توجهات الإعلام تكاد تنعكس، بصور فنية في قصائد ومقالات الكتاب الثوريين الانقلابيين، دون أي فارق يذكر. وينتقد آلية تفكير الكتاب والشعراء الذين غرقوا في أحلامهم المؤجلة، غافلين عن حقائق الواقع التي تدحض تلك الأحلام. "الشاعر الثوري، شأن الإعلام الثوري، لم يغن الإنسان الأرضي، ولم ينطلق من آلامه، وآماله(كما يدعيان). بل غنى وانطلق من نمط أنشأه خياله وفق معايير أفكاره، وأيديولوجيته. هذا "النمط" هو "بطل" قصيدة الشاعر الثوري، ولا يمت لإنسان الحياة اليومية بصلة. إنه بطل ينتسب لشريحة أو نخبة لا وجود لها في الحقيقة الأرضية...هي وحدها التي تستحق المديح والتمجيد، أو المرثية والندب.
وبعد أن يسهب في شرح طبيعة الموسيقى علميا، وتأثيراتها في النفس، والفرق بين الكلام المنثور والموزون، يستنتج كريم بان "ضعف الأذن موسيقيا يشكل أحد العوامل التي دفعت عددا من الشعراء إلى خوض تجربة قصيدة النثر". وثمة من رأى في قصيدة النثر البديل الحقيقي والضروري الذي يفرضه الانتساب للحداثة، وسبب ذلك أن الشعر الغربي الحداثي إنكليزيا أو فرنسيا أو ألمانيا إنما يكتب نثرا.
ويسترجع بنبرة وجدانية مؤثرة قصة صداقته مع هادي العلوي، منذ سنوات "محلة العباسية" ببغداد وما تلتها من محطات لم تستطع أن تفرق بين الرجلين رغم الخلاف الفكري، واحتدام الأفكار بينهما حول العديد من المسائل. غير أن الخبر الذي وصله في خريف العام 1998 م، والذي يقول بموت هادي العلوي، كان مفجعا، وهذا الرحيل كان السبب الوحيد الذي فرق بينهما، وبقي كريم مخلصا لصديقه فيدون هذه الانطباعات، ويتحدث عن رجل زاهد عن الحياة ومباهجها، مؤمن بقوة الفكر، ويتمتع بنزعة انسانية رفيعة.
يكتب كريم عن لقاءاتهما في لندن، وكيف استأجرا معا شقة أوائل الثمانينيات في هذه العاصمة، ويقول بان هادي العلوي "كان يتعامل مع قوة الحياة عبر الشاعر والمتصوف فيه، وينعكس ذلك في فيوضات نثره وشعره، ولكنه، مع واقع الحياة المحيطة، كان يتعامل عبر العقائدي.
وينعكس ذلك في نتاجه السياسي والصحفي حتى أنه، هو الذي أشبعه الحرمان والعزلة بالتساميات، ولّد من هذه الصوفية "عقيدة صوفية".ونحن نعرف أن الصوفية كالشعر عصية على يقين العقيدة. ولقد أطلق على صوفيته تلك اسم "الصوفية الاجتماعية". والتفت إلى التاريخ ليمد لها جذورا فانتخب لاوتسه، تشوانغ تسه، أبا ذر، الحلاج، النفّري، أبا العلاء، عبد القادر الجيلي، وانتهى بالمحدثين: غوتيه، ماركس، تولستوي. ولو أن العلوي أخصب تربته بهذه النزعة وهذه الجذور كشاعر راء، إذن لحقق صوتا فريدا، ولكنه وظفها في غير حقلها فأعطت ثمارا دامية، لا تختلف في شيء عن الثمار التي طلعت علينا من معترك العقائد المشهود.
وبما أن الحديث يتناول المشهد الثقافي العراقي فان كريم لا يمكن أن يغفل عن اسم ترك أثرا عميقا على هذا المشهد على مدى قرن كامل، انه الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي يفرد له الباحث مساحة يتحدث فيها عن الجواهري، وأهم المحطات في تاريخ هذا الشاعر، والمناسبات التي ألقى فيها قصائده المشهورة مع شواهد كثيرة يقتبسها من تلك القصائد ويدرجها في الكتاب، فالجواهري يعد واحدا من الشعراء القلائل الذين احتلوا مكانة بارزة في عالم الشعر ودنيا الأدب، باعتراف خصومه قبل أصدقائه. عاش قرنا كاملا ليكون شاهدا بالكلمة والموقف على مرحلة مليئة بالاضطرابات، والخيبات والثورات فلم يكتف بالتفرج على ما يحدث، بل لعب دورا فعالا في مختلف المسائل والقضايا والمناسبات، وجلبت له قصيدته الكثير من الخصومات والعداوات، ورغم كل ما كتب عنه فان ثمة سؤالا مشروعا يعاد طرحه في كل حين يتمثل في: من هو هذا الجواهري الذي استطاع بصوته الجهوري الهادر، وقصيدته الرصينة المتوغلة في بحار الفصاحة أن يصنع صوتا شعريا متفردا انتزع إعجاب القارئ والناقد معا، ليكون آخر الشعراء الكلاسيكيين؟. هذه التجربة الطويلة والغنية يحاول فوزي كريم أن يسلط بعض الضوء عليها، محاولا تبيان السمات الرئيسة في شعر الجواهري عبر رصد للمحطات الأساسية في هذه التجربة. وينهي كتابه بتقديم إضاءات حول تجربة الشاعر محمود البريكان، ويقف كذلك عند تجربة الشاعر صلاح عبد الصبور، والشاعر محمد بن طلحة، وزاهر
الجيزاني.
"تهافت الستينيين" الموقع باسم فوزي كريم يكشف عن ثقافة واسعة يتمتع بها هذا الشاعر العراقي المقيم في لندن منذ سنوات، والذي يعمل بصمت، بعيدا عن الأضواء، ففضلا عن لغته الأدبية الرشيقة ثمة إحالات إلى مراجع ومصادر مهمة عربية وعالمية، ناهيك عن اقتباسات كثيرة يستقيها الكاتب من النصوص التي قرأها، وهو يدمج كل هذا الرصيد الثقافي بتجربته الحية وانطباعاته المباشرة، وتأملاته، ومشاهداته ليقدم نصا غنيا يكشف عن كاتب لا يسحره شيء في هذا العالم سوى الكلمة، قراءة وكتابة.