في رحلة استذكار لتاريخها ..بغداد استأثرت بعشرات الاسماء

في رحلة استذكار لتاريخها ..بغداد استأثرت بعشرات الاسماء

علي الكناني
* ذكر المؤرخ الشهير الخطيب البغدادي في كتابه ((تاريخ بغداد)) قائلا: ((لم يكن لبغداد في الدنيا نظير، في جلالة قدرها وسعة اطرافها وازقتها وحماماتها وخاناتها،وطيب هوائها، وعذوبة مائها، وبرد ظلالها، وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها)).

 فمنذ إثني عشر قرنا ونصف من الزمان قد مر على تأسيسها وبنائها وهي ما تزال ترفل بشموخها وعنفوانها رحبة بأهلها، عصية على اعدائها.. فهي دارمحبة وسلام وعاصمة لكل العواصم.
قالوا عنها الكثير في الماضي والحاضر وشغف بها وعشقها الكتاب والشعراء والعلماء وفتنوا بسحرها وجمالها فكانت الملهمة لهم في كل ما أبدعوه من مآثر القول والشعر والمعرفة.. ولعل من بين اجمل ما قيل فيها.. (إن من لم ير بغداد.. كأنه لم ير الدنيا).
وحسبنا ان نراها اليوم تصب فيها المعارف وكنوز العلم والفن فتضيف هي اليها من ذلك المعين السرمدي الذي لاينضب ابدا من الابداع والمعرفة.. فبقدر مانريد لها اليوم في ان تكون مدينة حاضرة لهذا العصر ومستقبله فان علينا جميعا ان نسعى لتكون جديرة بذلك الارث العظيم والمجد المؤثل الذي تكلل به ذلك الماضي العريق من تأريخها المجيد والذي كان وما زال مناراً للفخار والاصالة تهتدي اليه الاجيال المتعاقبة من ابنائها وتعتز وتفتخر به جيلا بعد جيل على مر السنين والايام. لتبقى بغداد تلك الدرة الساطعة تزين بنورها جبين تلك الامة ا لعظيمة التي انجبتها. لتكون بذلك مفخرة المدن العربية وقبلتها.. على هامش احتفالية يوم بغداد، كنا قد التقينا عددا من كبار المهتمين بهذه المدينة وتأريخها من بينهم العلامة الدكتور حسين علي محفوظ والباحث المؤرخ والوثائقي الاستاذ سالم الالوسي والعلامة الراحل الشيخ جلال الحنفي (قبل رحليه) في محاولة لاستذكار اسماء واصل تسميتها الى جانب اصل تسمية مدن عراقية اخرى.
* العلامة الراحل الدكتور حسين علي محفوظ قال مستذكرا ما استوحاه من معاني ودلالات عميقة استنبطها من احرفها الخمسة حيث يقول:
_ كلما ذكرت بغداد أوحت إلي حروفها الخمسة من الاعماق والافاق مالا اعدده. فتشير الباء الى البراعة، والغين الى الغنى، والدال الى الدعة والالف الى الإباء. والدال الاخيرة الى الدراية. لقد جمعت ما قالوا في بغداد، في كتاب مخصوص ورسمت (صورة بغداد في التراث) في رسالة طبعتها الامانة في سنة 1986، وكرر طبعها الاستاذ محيي الخطيب قبل سنين، وللمرحوم السيد جمال الآلوسي كتاب مستطرف، جمع فيه ما وصل اليه من اشعار الشعراء في بغداد.إقترحت في اواخر الخمسينات (الفية بغداد والكندي) وقد قامت احتفالات بغداد والكندي في شتاء 1962. جمعت الفية بغداد العالم، والتقى فيها الشرق والغرب، وباركها العلماء والفضلاء والمختصون. وحياها الفيلسوف الكبير (برتراند رسل) برسالة صوتية مازالت تملأ الاسماع.وبغداد مدينة عجيبة، وبلد مدهش، وموضع يتحير فيه البيان، ويعجز فيه القول. قالوا في بغداد ماشاءوا، وهي فوق ما قيل. قالوا (عين العراق) و(جنة الدنيا) و(جنة الارض) و(حاضرة الدنيا) و(مصر العرب) و (المدينة العظمى). وقالوا (البلدة الحسناء) و (مدينة العلم وينبوع الاداب). وهي عشرات، بل مئات، لابل الوف من الكلمات والاقوال. وانا اكتفي من اسماء بغداد بلفظ (بغداد)، ومن اوصافها وصفاتها بـ (مدينة السلام) اي مدينة الله، والسلام من اسماء الله. واكتفي من كناها بـ (أم الدنيا) ومن القابها بـ (سيدة البلاد). قالوا: حدث عن البحر ولا حرج، وانا اقول حدث عن بغداد ولاحرج بغداد سماء مرفوعة لاتطاولها سماء، وبحر لجي لايساجله بحرهي الدنيا بأجمعها وسكانها هم الناس. قال الامام الشافعي (رض) ليونس بن عبد الاعلى: يا يونس، دخلت بغداد ؟ قال: لا. قال: يا يونس، مارأيت الدنيا، ولا رأيت الناس. وهو قول ما وراءه قول. وقال الصاحب بن عباد لاستاذه ابن العميد، وقد سأله عن بغداد، عند منصرفه عنها. بغداد في البلاد كالاستاذ في العباد. قصد بغداد اهل المشرق واهل المغرب. فقد ضم مجلس ابن الاعرابي مثلا رجلاً من (اسفيجاب)، من بلدان ما وراء النهر، وفي حدود تركستان. بأقصى المشرق. وآخر من الاندلس في اقصى المغرب. اسست بغداد في سنة 145 هـ (762 م) وتمت في سنة 149 هـ (766 م). وعمرها في هذا العام 1263 سنة قمرية. بغداد وهي تعانق اثني عشر قرنا ونصف قرن تقريبا، من عمرها الطويل المديد، هي شيخة شابة، ما زالت في غضاضة الغصن وعنفوان السن، تختال في ثياب الجمال والشبيبة وحلل الفتاء والحسن. هذا في الاسلام. اما في تاريخ العراق القديم، فأن بغداد ترجع الى الالف الثاني قبل الميلاد. اي ان عمر بغداد يزيد على اربعة الاف عام. وهي سيدة المدن الباقية، وست البلاد وحديثاً، من قبل ومن بعد.
* اما الباحث والمؤرخ الاستاذ سالم الالوسي فقد تحدث لنا عن اصول تسميات بعض المدن العراقية تاريخياً ومنها مدينة بغداد حيث يقول:
* فيما يخص اسماء بغداد، هناك فرق بين ما دونه المؤرخون البلدانيون واللغويون في معاجمهم ودراساتهم اللغوية، فقد ذهبوا في مذاهب شتى في معنى الاسماء وليست فقط بغداد. انما بغداد حظيت بسمة وصفة تختلف عن بقية المدن لان لها عشرات الاسماء والالقاب، وهناك فرق بين ما كتبه المؤرخون والبلدانيون وبين ما اسفرت عنه نتائج التنقيبات الاثرية منذ منتصف القر ن التاسع عشر الماضي، مثلاً كانت بعض التخريجات وتفسير المعاني لبعض المدن اقرب ما تكون الى الاساطير والروايات، وهناك امثلة كثيرة، ولكن اكتفي بما جاء عن النجف من بقايا طوفان نوح، وهذا البحر كان يطلق عليه اسم ((ني)) ولما جف من الماء قيل ((ني ـ جف)) فأختصرت الكلمة وحذفت الياء اختصاراً فقيل (نجف). وهناك ايضاً (بابل) التي جاء اسمها من تبلبل الالسنة وكذلك (اربيل) جاءت من الربل وهو الزرع الاخضر الذي ينبت بالربيع وعندما يأتي الصيف بحرارته الشديدة يصيب الاوراق اليباس ولكنها تبقى خضراً فقيل تربلت الارض اي اخضرت فسميت ((اربيل)) وهذه من الاشياء التي كان يعالجها ويتناولها المؤرخون والبلدانيون اللغويون. بينما كشفت الاسماء والاثار عن اصول الاسماء وهي حجة ووثيقة ثابتة معاصرة لايرقى اليها الشك. فبابل هي من ((باب ايلو)) اي باب الآلهة حسب النصوص المسمارية وكلمة ((اربيل)) هي آربا إيلو (مركز الآلهة الاربعة) وهكذا نعود الى كلمة بغداد التي لها اسماء كثيرو واوصاف كثيرة ولكن بقيت بغداد هي السائدة فذهب المؤرخون والبلدانيون واللغويون مذاهب شتى في تفسير الاسم الى انه تم الكشف عن نصوص مسمارية، ومن اقدم هذه النصوص وجد في مدينة سبار(ابو حبة) بالقرب من المحمودية ويعود تاريخ هذا النص الى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وهناك نص اخر عثر عليه في منطقة سلمان باك يعود الى القرن الثاني عشر قبل الميلاد في مسلة صغيرة او حجرة حدود تسمى (الكودرو) والتي كانت توضع بين مدينة واخرى وتعرف بصخرة ((مي شو)) وهو عالم كبير من علماء النبات الفرنسيين الذين عاشوا في بغداد في تلك الفترة وكان يلتقط النباتات والاعشاب من بغداد لاغراض طبية. وعثر احد الفلاحين على قطعة من الحجر وعرضها على هذا العالم واتضح ان زمنها يعود الى (1780) قبل الميلاد ومكتوبة بالخط المسماري وركنت في احد اجنحة متحف اللوفر حيث كان لايعرف اسرار وفك رموز الكتابة المسمارية انذاك. ولما جاءت الحركة العلمية في فك رموز هذه الكتابة عثر على اسم بغداد في هذه المسلة او في هذه (الكودرو) وفي نينوى ايضا عثر على بعض الكتابات التي ذكر فيها اسم بغداد. وهناك عدد كبير من المصادر المسمارية التي تشير الى اسم بغداد، ولعل العلامة الراحل طه باقر كان له الفضل الكبير في حل الكثير من رموزواسرار هذه الكتابة.
وفي حديث سابق مع العلامة الشيخ جلال الحنفي (رحمه الله) كان قد ذكره لنا قبل رحيله وهو يتحدث عن حاضرة المدن العربية بغداد قائلا:
بغداد قديماً وحديثاً..
انشئت بغداد من قبل الخليفة العباسي ابي جعفر المنصور إبّان خلافته فجعل لها عاصمة لملكه بعد ان كانت عاصمتها في الانبار التي تستقبل بادية الشام فهي من هذه الناحية عرضة للغزوات الطارئة التي يصعب تداركها بسهولة..
وقد اختار ابو جعفر المنصور بغداد بعد اتخاذه عناوين جغرافية لها واضحة اذ اتخذ لها كلاً من تل حرمل وتل عفرگوف والمدائن التي فيها طاق كسرى وكان نهر دجلة يمرّ أزاءها وماؤه يجري..وكان الجناح الخاص بمسكن الخليفة وبداره ودار القضاء والسوق والمسجد الجامع وهيئة الحراسة الخاصة بالجيش.. أجل كانت هذه الجهات مبنية على شكل مدينة مدورة اما بقايا ما بني من محلات وأحياء تجاوز الاربعين حيّاً فأنها كانت مستطيلة متجهة الى جهة الجسر العتيق..
ولم تكن بغداد كلها مدورة لأنها اذا كانت كذلك ماهو جنوبها في بغداد وما كان شمالها في الانبار والرمادي ولم يكن الامر كاملاً..
وجعل طرف مدينته بعيداً بعداً ظاهراً عن شاطئ دجلة إتقاء مشاكل الغرق وما اليه..
وبمرور الزمن الحقت بهذه المدينة مبان بنيت في الرصافة وكانت الرصافة يومذاك قريبة من الاعظمية.. وبعد زمن طويل اذ كثر سكان الرصافة قام الخليفة ذاك الزمان باتخاذ سور يحيط بالمدينة من جهاتها الاربع وكان نهر دجلة من هذه الجهات..
وكان السياح الاجانب قد قاسوا طول هذا السور من جانب البر بعد انهدام قسمه الرابع الذي يقوم على دجلة وكان بعضهم قد قاس سور بغداد بالساعات فقال انه نحو الساعتين والنصف وقاس بعضهم بالمترات وبعضهم بالياردات على وفق ما عنده من اجهزة قياسية تلك الايام..
وكانت بغــــداد عامرة الا جهتها الشمالية والشرقية وهذا ما أدركناه ورأيناه بأم عيننا..
ولقد لبثت باب محلة الده خانة التي يسمونها الدهانة قائمة في مكانها الى وقت متأخر..
ان شق الشوارع ببغداد غير كثيراً من الجغرافية وكان اول شارع شقّ في جادة خليل باشا التي تسمى اليوم شارع الرشيد وكان شقها قد تمّ حلول القرن العشرين وجرى شق شارع الملك غازي في حدود الثلاثينات وشق شارع ما يسمى اليوم بشارع الخلفاء في أواسط الخمسينات..وشارع الخلفاء كان يسمى شارع الملكة عالية ثم صار شارع الجمهورية ثم صار شارع الخلفاء.. وسمّوا شارع غازي في بعض الفترات شارع الكفاح..