مالك الحزين وواقعية الأسطح..سطحيـة العالـم

مالك الحزين وواقعية الأسطح..سطحيـة العالـم

د. محمد الباردي
يعد إبراهيم أصلان من كتّاب القص المقلين في مصر، فقبل أن يصدر روايته الأولى "مالك الحزين" لم يعرفه القراء إلا من خلال مجموعة قصصية تحمل عنوان "بحيرة المساء" (1971) ولكنه استطاع من خلالها أن يكون صوتاً متميزاً داخل حركة التجديد التي عرفتها الساحة الثقافية في مصر آواخر الستينيات

إذ أفردت له مجلة "فاليري" 68 عدداً خاصاً نشرت له فيه أبرز قصصه القصيرة، وبعد هذه الرواية لم نقرأ إلا نصاً روائياً واحداً عنوانه "وردية ليل" لم يثر انتباه النقاد، ومع ذلك تظل رواية "مالك الحزين" من الروايات القليلة التي استقطبت اهتمام النقاد باعتبارها مصدراً أساسياً من مصادر ما يطلق عليه المصريون بالحساسية الروائية الجديدة التي حاولت "الإفلات من أثر الرؤى التقليدية ومن العلاقة الآلية بين الأدب والواقع ومن قواعد إحالتها له وقبل هذا كله من الفهم التقليدي للعمل الفني، طبيعته وآلياته المعقدة وغاياته" وقد أدرج صبري حافظ هذه الرواية ضمن "روايات الكتابة" فهي "ليست من النوع الذي يسميه "بارت" بروايات القراءة (Romans Lisibles) أي النص المكتوب للقراءة التقليدية السهلة التي لا تتطلب قراءته جهداً كبيراً من المتلقي ولكنها تنتمي إلى النوع الثاني من الروايات التي يسميها "بارت" بروايات الكتابة (Romans scriptibles) التي تتطلب قراءتها جهداً ملحوظاً من القارئ" ولذلك مهد الكاتب لبحثه عن رواية "مالك الحزين" مستعرضاً أهم ما جاء في نظرية "رولان بارت" كما وردت في كتابه المعروف "SZ"(6) ومتوقفاً خاصة عند الشفرات الصانعة للمعنى التي تتحول فيها جزئيات النص إلى تيمات تتجمع حول مجموعة من البؤر وتساهم بتفاعلها مع الشفرات الأخرى في خلق المجال الرمزي الذي تتحرك فيه روايات الكتابة عبر مجموعة من التعارضات بالثنائية والأنساق البنائية التي تشكل عبرها هذه التعارضات بنية العمل الروائي وبالتالي معناه النهائي" ولاحظ أنه لا يمكن فهم الرواية وتحليلها إلا عبر تحديد مجموعة من الجدليات أو التعارضات الفاعلة التي تطل علينا منذ البداية وهي جدليات زمنية وأخرى مكانية وأهمها جدلية الحضور والغياب وهي تسفر عن نفسها في صورة العلاقة الفاعلة بين الحضور كوجود وكتحقق وكحياة وبين الغياب كموت وضياع وجدلية المفتوح والمغلق وهي "جدلية أكثر تعقيداً" لأن هناك عدداً من درجات الانفتاح والانغلاق في الرواية يتزايد وينقص وفق قراءتنا لها أو تصورنا لمستويات المعنى فيها" وعلى هذا النحو يعتقد المؤلف أنه استطاع أن -يحدد معنى الرواية ويدرك قيمتها الفنية، بيد أن هذا المنهج الجدلي في تحليل الرواية "مالك الحزين" لإبراهيم أصلان يظل محدوداً فقد نقده محمد بدوي في كتابه "الرواية الحديثة في مصر" قائلاً ": ويهمنا أن نشير إلى استحالة الاطمئنان إلى أي ضرب من الإثنينيات الضدية حتى لو وجدت وسائط بينهما. فكثافة النص وامتلاؤه يخلق فضاء سمته التشابك والتعقيد.. فإن مثل هذا التقسيم وإن بدا مبهراً للوهلة الأولى إلا أنه أقرب إلى الشكلية وينم عن معيار أخلاقي ينهض على إثنينية مثالية شر/ خير، بل قد يشي برؤية تنطوي على بعض الرومانتيكية مقترحاً بذلك منهجاً لتحليل الرواية وفهمها وهو الاستفادة من نظرية الرواية الجديدة في فرنسا لأن رواية "مالك الحزين" تعد بالنسبة إليه "نموذجاً متميزاً في وضع إنجازات الرواية الغربية في سياق مغاير لسياقها الذي نشأت فيه على الرغم من أن أصلان "لم يكن يسعى إلى أن يكون مندوب الرواية الجديدة في مصر، وإنما تحدد مسعاه في توظيف إنجازاتها لإنتاج أدب روائي معبر عن واقعه وعلى هذا النحو حلل جملة من الظواهر الفنية المحدودة كالمكان والشخصيات وأيديولوجية السارد وتشخيص الواقع مستنتجاً في النهاية أن المكان أبرز ما يميز رواية إبراهيم أصلان، فهو يصر على منحه "هذه البطولة المتفردة "ذات الدلالة السياسية العميقة ومفادها عند الباحث أنه "على حين تقوم الدولة التابعة بالتفريط في المكان، يحل مشكل التراب الوطني المحتل في إطار خطة المركز الإمبريالي الدولي وما نتج عن هذا المنحى من تغيرات في بنية المجتمع وثقافته وأيديولوجيته السياسية، يقوم نص "مالك الحزين" بتحويل المكان المتعين من مجرد بقعة جغرافية معينة إلى رمز للوطن ومستقبل من يعيشون فيه.‏
وفي الحقيقة لا يقدم الفصل الخاص برواية "مالك الحزين في كتاب محمد بدوي "الرواية الحديثة في مصر" فهما مخالفاً لما ورد في دراسة صبري حافظ المتعلقة بالرواية ذاتها ذلك أن الباحثين يتفقان على أهمية استفادة هذه الرواية من إنجازات "الرواية الجديدة" في فرنسا على مستوى التنظير للرواية إن لم يكن على مستوى الإبداع ذاته فهما يحيلان على أهم ما ورد من آراء أدبية لدى منظري الرواية الجديدة ونقادها وإن كان بدوي، يحيل مباشرة على كتاب ألان روب غريه الشهير "من أجل رواية جديدة (1963)" فإن صبري حافظ يهتم بنظرية الناقد الفرنسي رولان بارت الذي لم يكن بعيداً عن هذه الحركة الأدبية الفرنسية، والكاتبان يلحان على أهمية المكان ودلالته في هذه الرواية باعتباره يجسد إلى حد بعيد كيفية التعامل مع شخوص الرواية وكيفية فهمهم وتكاد لا تختلف في هذا السياق إلا العبارات المستعملة ويظل المعني واحداً، ورغم ذلك فإن دراستهما تؤكدان على أهمية هذه الرواية وتميزها في إطار حركة الحساسية الروائية الجديدة في مصر.‏

مالك الحزين: البنية العامة:‏
تقوم رواية "مالك الحزين" على واحد وعشرين مقطعاً ولكن هذه المقاطع السردية لا تتساوى من حيث المساحة النصية التي تحتلها فالمقطع الأول لا يتجاوز الأسطر الأربعة في حين تبلغ بعض المقاطع العشرين صفحة أو تتجاوزه، وتتخلل بعض المقاطع مجموعة من العناوين ولكن بعضها الآخر جاء صامتاً لا يحمل أي عنوان إضافة إلى أن الكاتب يلتجئ أيضاً إلى بعض العلامات الطباعية للفصل بين المقاطع الثانوية داخل المقطع الواحد والمرقم ولكنه لا يعمم هذا الأسلوب إذ أن المقاطع القصيرة هي مقاطع بسيطة في تركيبها ولا تضم مقاطع سردية ثانوية ولكنها في أغلب الأحيان تكون بمثابة الاختزال الحدثي للمقطع: (صائد العميان - المعلم رمضان يأخذ نصيبه من البرتقال - الشيخان- فاطمة- علاقة- من عواقب ركوب الماء- الولد والمصباح- العم عمران يحمل رسالة من الملك السهران- ليلة العزاء- المستحمة- عبد الله الغلبان- كفوف الدم- سلمان الصغير أضاع الهرم الكبير- رجوع الشيخ إلى عصاه- رحيل - مطر - رجوع) ولعل أهم ما فيها ما يتعلق بصياغتها فهي تحيل القارئ على بعض العناوين المعروفة في الكتب القديمة والحديثة وخاصة كتاب ألف ليلة وليلة كتاب كليلة ودمنة. وقد رأى فيها بعض النقاد شكلاً من أشكال التناص. يقول صبري حافظ إن الكتابين (ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة) "من النصوص الغائبة والفاعلة في "مالك الحزين" وتقيم رواية "مالك الحزين" علاقتها التناصية مع هذين النصين الكبيرين من خلال أسلوبي المفارقة والتوازي".‏
بيد أن هذه المقاطع في علاقتها بالحكاية التي تقوم عليها الرواية لا تثير إشكالية محددة على غرار بعض الروايات الحديثة، فهي لا تعدو أن تكون إشارة إلى الانتقال من صيغة إلى أخرى كالانتقال من الوصف إلى السرد شأن العلاقة بين المقطع الأول والثاني، ففي المقطع الأول يصف السارد حالة الطقس في يومين، "كانت بالأمس قد أمطرت مطراً كثيراً ابتلت منه حتى عتبات البيوت في الحواري الضيقة. أما اليوم فإنها كفت، لم تمطر ولا مرة واحدة ومع أن الشمس لم تطلع وظلت طول النهار وهي غائبة فإن الجو كان أكثر دفئاً. ومنذ قليل، جاء المساء مبكراً" كما يمكن أن تكون إشارة الانتقال من شخصية إلى أخرى أو مجموعة شخصيات إلى مجموعة أخرى أو كذلك من زمن إلى آخر، فالانتقال من المقطع الثاني إلى المقطع الثالث وهما من المقاطع القصيرة هو الانتقال من الحديث عن يوسف النجار إلى الحديث عن بعض الشخصيات الأخرى وأهمّها فاروق السّينمائي حيث تكون المقاطع قصيرة وإن طالت تُجزّأ إلى مقاطع ثانوية لتتحوّل إلى مشاهد اجتماعيّة متنوّعة ولكل مشهد شخوصه ولحظته الزمنّية وحدثه ومؤثثاته.‏
وتأكيداً لكلامنا يمكن أن نقف عند المقطع الرابع وهو مقطع طويل نسبياً بالمقارنة مع المقاطع الثلاثة الأولى، فقد قسمّه المؤلف طباعيّاً إلى أربعة مقاطع ثانوية، ففي المقطع الثانوي الأول يصف السّارد حجرة يوسف النجار مركزاً على الأشياء التي تحويها (الكتب المتراصة وزجاجات خمر فارغة وأكواب، وعلب أدوية وأمشاط كبريت..) ولكنه يهتمّ بوصف لوحتين معلقتين لبيكاسو فيصفهما وصفاً مفصلاً ويشخّصهما تشخيصاً كلّياً تمثل إحداهما "رجلا يركب بغلة عجوزاً، بدرع على الظهر ورمح طويل كالعصا وكان التّابع قريباً من الأرض على ظهر حماره اللاهي ذي الخرجين، يرفع رأسه المدور ويتطلع إلى فارسه العالي وهو صامت وكانت الأرضية مجموعة من الخطوط التي استكملها توقيع بيكاسو والتاريخ..".‏
وفي المشهد الثاني يصف السارد يوسف النجار وهو يستعد للخروج إلى الشارع وعندما يصل يلتقي في المقهى صديقيه جابرا وفاروقاً الذي يخبره بموت العم مجاهد ثم يغادر المقهى "شكره يوسف النجار وقدم له سيجارة، أخذها فاروق وأشعلها وراح يتباعد وهو يغادر الوسعاية ويتمتم" وفي المشهد الثالث يفصل السارد حادثة موت مجاهد عندما تخبر الأم ولدها بتفاصيل الموت "في الصباح، أخبرته أمه أن أمناء الشرطة قد وجدوا العم مجاهد ميتا عند الفجر، داخل دكانه الذي كان يعرفه.." وخلال خروج يوسف النجار من جديد إلى المقهى يتعرف على شخصيات جديدة هي العم عمران، سالم فرج حنفي - الأمير عوض الله ويتقدمها السارد من خلال أفعالها اليومية العادية "وحينئذ رأى الأمير عوض الله وهو يجلس عند مدخل المقهى، صافحه ورأى العم عمران وأراد أن يدخل لكي يجلس معه ويأخذ بخاطره ويرى وقع موت العم مجاهد على نفسه ولكن الأمير أحضر مقعداً وطلب له كوباً من الشاي".‏
وفي المقطع الرابع يركز السارد على شخصيات المقهى: قاسم أفندي- عبد الله القهوجي- المعلم رمضان- الشيخ حسني- عوض الله- عبد النبي الأعرج- سليمان الصغير- جمال ماسح الأحذية- العم عمران، من خلال أفعالها العادية المتكررة "كان عبد النبي الأعرج يقف داخل النصبة أمام المنقد الكبير، يشعل الفحم ويهوي عليه بمروحة من الريش، أما في الناحية اليمنى، أمام قاسم أفندي، فقد كان سليمان الصغير يتفرج بجانب عينه على الأربعة الذين يلعبون الدومينو بالنقود، وكان جمال مساح الأحذية قد ترك صندوقه المقعد واقترب منهم أكثر وراح يتابعهم في صمت. ويعمد كذلك إلى وصف بعض مؤثثات المقهى "وعلى بعد مقعدين آخرين، كان دولاب قصير عليه لوحة من البلور وطبقان أحدهما به كمية من الماركات النحاسية ووراء هذا الدولاب كان مقعد المعلم موضوعاً على صندوق كازوزة فارغ ومقلوب، تحت الرف الذي يحمل الراديو الخشبي الكبير" ولكن الأكيد أن هذه المقاطع الثانوية الأربعة التي تؤسس المقطع الرئيسي محورها شخصية يوسف النجار وما وصف المقهى وشخوصه إلا نتيجة علاقة يوسف النجار به، فعندما غادر يوسف النجار المقهى ظلت عين السارد مستقرة فلم تتابع الشخصية في تنقلها بل ظلت حبيسة المكان تصفه وتشخصه وهو ما يؤكد لنا أهمية تأثير التقطيع السينمائي في التقطيع الروائي.‏
في المقطع السادس يلتجئ السارد إلى أسلوبين للتمييز بين المقاطع الثانوية وهما الأسلوب الطباعي عن طريق نقاط الفصل وأسلوب العناوين الداخلية ولذلك يمكن أن نقول إن هذا المقطع الرئيسي يقوم على سبعة مقاطع ثانوية غير متساوية، ففي المقطع الثانوي الأول يروي السارد الحكاية التي كانت تجول على ألسنة شخوص المقهى وهي حكاية مفادها أن المعلم صبحي تاجر الطيور، اشترى بيت الحاج محمد موسى الذي يوجد به المقهى إلا أنه دفع نقوداً لسكان الدور الأول والدور ولكن المعلم الثاني وأغراهم لكي يبحثوا أنفسهم عن بيت آخر يسكنون فيه.. عطية الذي استأجر المقهى ظل يتلاعب مع المعلم صبحي إذ "عاد يأخذ النقود بحجة تدبير مكان آخر وهو يقسم أنه سوف يتركه أول الشهر القادم ثم لا يفعل فاضطر صاحب المقهى إلى الإيعاز لأحد صبيانه باستعمال السكين حتى يجبر المتسوغ على تركه حتى حصل منه على ثروة كبيرة. أما المقطع الثاني فهو يحمل عنوان "المعلم رمضان يأخذ نصيبه من البرتقال.. وهو نادرة بطلها المعلم رمضان والشيخ حسني يتخللها استطراد يتعلق ببعض شخوص الرواية من خلال بعض مظاهر حياتهم في الحي والنادرة هي أن المعلم "رمضان ناول الكيس إلى الشيخ حسني وقال إن هذا هو البرتقال، وطلب منه أن يقسمه بنفسه حتى يكون مطمئناً لكن الشيخ حسني قسم البرتقالات على طريقته الخاصة فأخذها باستثناء أربع "فاستغرب المعلم غاية الاستغراب وأراد أن يفهم أولاً ثم يثير الموضوع مع الشيخ ولكنه لم يجد الطريقة التي يفكر بها لكي يفهم وينتهي المقطع الثانوي بوصف الشيخ حسني وهو "يسحب زميله الأعمى ويتجه به ناحية الشاطئ ليبدأ المقطع الثالث الذي يحمل عنوان "الشيخان" في هذا المقطع الثانوي يروي السارد قصة الشيخين حسني وجنيد وهما أعميان. فبعدما أورد السارد في مقطع ثانوي سابق "صائد العميان" حكاية الشيخ حسني مع العميان إذ كان يحتال عليهم موهماً إياهم بأنه ينظر ويرى ويبتز أموالهم وكان يستخدم صبي المقهى "ناظور جينا، يروي الجزء الأول من إحدى نوادر الشيخ حسني الذي يقترح على الشيخ "جنيد" أن يستأجرا معاً مركباً ويتجولا في النيل. ويتخلل النادرة شيء من سيرة الشيخ حسني كما يرويها بنفسه للشيخ جنيد. ثم ينتقل السارد إلى المقطع السردي الموالي وهو مقطع قصير عنوانه "فاطمة" يصف هذه الفتاة وهي تتجه إلى شارع فضل الله عثمان قادمة من "قطر الندى" لينتهي أخيراً إلى وصف ما يدور من حديث بين الصديقين "شوقي" و"فاروق" يتعلق بالاستعدادات لليلة العزاء وينتهي المقطع بالعودة إلى فاطمة وهي تلتقي الصديقين عند خروجهما من البيت.‏
ما يمكن أن نستنتجه من هذا العرض هو أن الكاتب يعمد إلى ضرب من التقطيع يتسم بالدقة والكثرة ولذلك تتنوع البؤر وتتعدد بسرعة مذهلة. ثم إن المقاطع - على قصرها- تسعى عموماً إلى تحقيق استقلاليتها السردية، فكل مقطع يتمحور حول حديث جديد أو حول حكاية شخصية جديدة وهذا يعود إلى طبيعة الحكاية في هذه الرواية ولكنه يؤكد أن هذا الضرب من التقطيع هو تقطيع سينمائي إذ أن المقاطع تتحول إلى مشاهد متراكبة تؤسس الرواية كلها.‏
الحكــايـــــة:‏
إن مثل هذا التقطيع المشهدي لا يبني حكاية ولذلك جاءت رواية "مالك الحزين" معادية للحكاية معاداة غريبة. فزمن الأحداث لا يتجاوز يومين، ذلك أن الأحداث تبدأ ذات يوم عندما أزاح يوسف النجّار "البطّانيّة عن نصفه الأسفل وجلس على الكنبة وهو يداري ساقيه بطرف الجلباب" وتنتهي الحكاية صباحاً بعد يوم: "في الحجرة الخارجيّة التي تطلّ على الوسعاية الصغيرة، فتح يوسف النجار عينيه قليلاً ورأى نور الصباح الحقيقي وهو يدخل من فتحات الشيش المعلق" وبين البداية والنهاية، يقوم خط سردي عام هو موت العم مجاهد ودفنه والاستعداد لليلة العزاء بعد الدفن وباستثناء هذا الخيط السردي العام الذي يجمع بين شخوص الرواية، لا يمكن أن نعثر على أي مظهر من مظاهر الحكاية الكبرى شأن الرواية العادية ولكننا نقرأ مجموعة من الحكايات الصغرى هي في النهاية "ميكرو حكايات" وهي لا تكاد تحصى فلكل شخصية من الشخصيات حكايتها الخاصة وهي حكايات قد تتمطّط أحياناً فتتقاطع مع بقية الحكايات شان نوادر الشيخ "حسني" الأعمى وحكاية المعلم صبحي مع المحلاّت التي اشتراها وخاصة مع المقهى الذي يمثّل مركز الحي ومنتدى سكانه ولكنها تأتي أحياناً مختزلة شأن حكاية الأسطى "قدري" مع رأس العجل.‏
وإذا أدركنا أن عدد الشخوص يفوق الثمانين في الرواية فإن الميكرو- حكايات تتعدد بدورها تعددا لافتاً للانتباه وهي التي تؤسس النسيج السردي في الرواية وعلى هذا النحو لا يمكن الحديث عن شخصيات محوريّة ولا عن بطولة فيكفي الحكايات أن تكون وقعت في مكان واحد ويكفي الشخوص أن يجمعهم هذا المكان وهي حيّ إمبابة "وعندئذ تصبح الرواية على حد عبارة فيصل درّاج "رواية عن المكان أو رواية عن بشر لا يتحدّدون إلا في مكانهم هو البداية والنّهاية، ولهذا فإن الرواية تقدّم وصفاً دقيقاً لسمات المكان وتدخل الحواري الرطبة وتصف الجدران وترسم الآنية، تفعل كل ذلك باهتمام وعناية ثم لا تلبث أن تصف المسلسل اللامتناهي للحركة اليوميّة التي تتم في هذا المكان، مسلسل يشمل كل أشكال الحركة في العارض اليومي والبسيط والنافل حتى تكاد الرواية أن تكون سرداً أميناً للحياة اليومية في أمبابة.‏
إن تشعب هذه المقاطع السردية الناتج عن تعدد شخوصها وميكرو حكاياتنا يضعنا أمام مفهومين إجرائيين يسهلان علينا ولوج عالم "مالك الحزين" الروائي وفهمه وهما مفهوما التسطيح والإغراب.‏
التسطيح:‏
عندما نتأمل الوظائف السردية التي تؤسس المقاطع التي إليها أشرنا، نلاحظ أنها تشخص اليومي من الأفعال فأفعال المقطع الثاني من الرواية - على سبيل المثال- هي التالية: أزاح البطانية عن نصفه الأسفل- جلس على الكنبة وهو يداري ساقيه بطرف الجلباب - مد يده إلى كوب الشاي الكبير الدافئ - قام يوسف النجار واقفاً. ويقوم المقطع الثانوي الرابع من المقطع الرابع على الأفعال التالية: كان قاسم أفندي يقرأ شيئاً في جريدة الأهرام - عبد الله القهوجي يستمع إليه- كان المعلم رمضان يجلس وهو نعسان إلى جوار الشيخ حسني/ الذي ثبت كعبه وراح يدق بمشط قدمه على الأرض ليضبط إيقاع الجندول التي تذاع من الراديو.. وكان عبد النبي الأعرج يقف داخل النصبة أمام الموقد الكبير /يشعل الفحم/ ويهوى عليه بمروحة من الريش- كان سليمان الصغير يتفرج بجانب عينه على الأربعة الذين يلعبون الدومينو بالنقود- كان جمال ماسح الأحذية قد ترك صندوقه المقعد واقترب منهم أكثر وراح يتابعهم فيصمت / كان العم عمران وحيداً في بجامة من الكشور وطاقية من نفس القماش.‏
على هذا النحو تمضي الأفعال السردية في الرواية كلها والسارد لا يكتفي بوصف الأفعال اليومية التي يمارسها شخوصه في الحي داخل البيوت أو في المقهى أو في أماكن أخرى ولكنه يبالغ في تفصيل هذه الأفعال وتجزئتها ولذلك تعتني الجمل السردية عموماً بتشخيص الجزيئات من الأفعال على نحو هذه الجملة السّرديّة: "بعد ذلك وقف المعلم على أجولة الدقيق الفارغة وراء الفرن وغسل يديه.. وغادر المكان وهو يخرج منديله ويجفّف يديه ويمسح فمه ويتّجه إلى المقهى".‏
عن مثل هذه الأفعال المفصّلة يمكن الاستغناء عنها في الرواية الواقعيّة التقليدية من بدون أن يؤثّر ذلك في مساق السرد وتطوير الحبكة لكننا لا نستطيع ذلك في هذه الرّواية. إن قيمة هذه الأفعال في ذاتها إذ تخلو الرّواية من حكاية عامة وحبكة وإنما هي مجموعة أفعال مرتبطة بشخوصها تشخّص في مكان محدّد وهو في إمبابة.‏
إن السارد - في هذا السياق- يصف ما يرى ويسمع، وما يحدّد الشخصيّة الروائيّة عنده هو ما تُصدرُهُ من أفعال وأقوال في حيّ "امبابة" ولا شيء غير ذلك ولذلك لا تقوم الشخصية إلا من خلال مظهرها الخارجي، فالعم عمران يقدم من خلال الثوب الذي عليه وعرف به في الحيّ والمقهى والبيجامة الكستور المقلّم والطاقيّة من نفس القماش يقدّم عبد الله القهوجي من خلال هيأته الفزيولوجية المتمثّلة في قامته النّحيلة وعينيه المريضتين والشيخ حسني من خلال جلبابه القديم وسترته المفتوحة وشعره الخشن الذي بقعه البياض ويقدّم عبد النبي الأعرج من خلال عاهته أو من خلال الأفعال التي يؤديها ولذلك قلما نجد في الرواية علامة نفسيّة أو اجتماعية تسم الشخصية أو تساهم في تحديد أبعادها وهذا يعني أن الشخصية في رواية "مالك الحزين" شخصية بلا عمق نفسي أو اجتماعي. إنها شخصية مسطحة، وهي شخصية بلا تاريخ، فقد لاحظ بعض النقاد أن لا تاريخ للشخصية خارج حياتها في "إمبابة" فنحن نعرف ما في المكان حتى ذلك التاريخ البعيد ولكننا لا نعرف ماضي الكثير من الشخصيات. فالمعلم صبحي مثلاً لم يوجد إلا عندما جاء "إمبابة" ووجوده قبل قدومه كالعدم وكذلك سيّد طلب الحلاّق فقد جاء مع أمه هذا الحي الشعبي ولكن القارئ لا يعرف أي شيء عن ماضيه فكأنه خلق مع قدومه إلى "إمبابة" ولعل أعمق هذه الشخصيات شخصية يوسف النجار، فهو مثقف يكتب رواية لم يستطع أن ينجزها وكان شاهداً على بعض الأحداث السياسية والاجتماعية كالمظاهرات العنيفة وتدخل قوات الأمن بأسلحتها التي بلغت حي "إمبابة" وأخرجته من حياته اليومية الروتينية "تقول إنك رأيتهم رأي العين يحرقون وتستجيب لهم حتى أعشاب الشاطئ الخضراء. وتكتب أنك مشيت على كسور الزجاج التي غطت شوارع المدينة وأرصفتها" ولكننا لا نستطيع أن نقرأ شيئاً كثيراً عن حياته الشخصية وعن مواقفها الفكرية إذ يبدو لنا السارد شحيحاً في عرض صورتها فباستثناء الأفعال اليومية، التي تؤديها في البيت والشارع والمقهى أو تلك العلاقة التي تربطه بالمرأة الشابة "فاطمة" ولم تتطور، تظل الشخصية منحصرة في حركتها الخارجية بما تأتيه من أفعال يومية وأقوال عادية عن هوية الشخوص في رواية "مالك الحزين" ليست في ذواتهم بل في انتماءاتهم إلى المكان، إن حي "إمبابة" الشعبي هو الذي يبرز وجودهم وأفعالهم ويكسبهم ملامحهم الخاصة وخارجه يسقطون في "اللاهوية" و"اللاانتماء" ويفقد الفعل ذاته معناه، ولعل أكثر المواقف السردية دلالة في هذا السياق ما يتعلق بعلاقة يوسف النجار "بفاطمة" لقد فكرت وعرفت أنها لو ذهبت معه إلى بيت صديقه (خارج إمبابة) فسوف يمكنه أن ينام معها حتى تعرف ويثبت لها نفسه ثم يتركها. لقد فكرت وهي في الأوتوبيس عندما تصورت نفسها تخلع ملابسها في مكان لا تعرفه وخافت لأنها لم تخلع ملابسها بعيداً عن إمبابة أبداً فالفعل الجنسي بالنسبة إلى فاطمة لا يمكن أن يتحقق إلا في "إمبابة" لأنه في هذا المكان يطور العلاقة بينها وبين يوسف النجار ويحافظ عليها لكنه عندما يقع خارج هذا الإطار المكاني فإنه يبدد هذه العلاقة وينهيها وهو ما لا ترغب فيه فاطمة.‏
إن المكان يظل سيد الموقف السردي، فهو الذي يمنح الشخوص هوياتهم ولكنهم في الوقت ذاته فيه ينغمسون ويمارسون ضرباً من الحياة الجماعية التي تؤلف بين الخصوصيات الفردية وتخلق نفسا ملحمياً واضحاً فكأن الشخوص مثلهم مثل الأشياء والمباني يساهمون في تأثيث المكان وتحديد ملامحه: "عندما وصل إلى هناك، رأى إمبابة على حالها، المداخل المضاءة وعربات الفاكهة والكبدة والسّمين ومطحن البنّ وأولاد صديق واللمّة أمام التلفزيون المفتوح ومطعم الفول والأسطى بدري الحلاق وبيع المصنوعات وكشك الخواجة والمكتبة والجاويش عبد الحميد ومدخل المقهى المزدحم"إن مثل هذه الجملة القصصيّة وما يشبهها كثير في الرواية، لا يفصل فيها السارد بين ذكره المحلاّت والمبيعات والشخوص، فهو يذكرهم جميعاً في سياق واحد، فهم بالتالي عناصر تؤثّث "إمبابة" لا تختلف عن بقية العناصر الأخرى، إضافة إلى أنهم يلتحمون بالمكان التحاماً غريباً، فالسارد يتعمدّ المبالغة في ذكر المواقع والمحلاّت والشوارع بأسمائها وبعض الشوارع تحمل أسماء بعض الأعلام شأن فضل الله عثمان ولكنّه لا ينبّه إلى أنها شوارع وقد يلتبس الأمر على القارئ فيتوهم أنها شخوص والحال أنها شوارع: "كان يعمل عند الأسطى بدوي الحلاّق وراء الكيت كات ويعيش مع أمه الريفية عند التقاء قطر النّدى مع فضل الله عثمان" -"وظلّت توقظه حتى أصبح يقوم وحده ويرتدي ملابسه ثم يغادر أمير الجيوش ويذهب إلى فضل الله عثمان" وعلى هذا النحو تتلاشى الشخصية في المكان وتتقزم وبرغم ذلك، تجد ذاتها فيه: "ومن مكانه عند مدخل المقهى رأى الواجهة الخلفيّة للجامع الكبير العالي، جامع خالد بن الوليد، بلونها الأصفر المبتل من المطر القديم وسوره الحديدي المطلي على طول الطريق الجانبي المنحدر من شارع النيل أمام المقهى وهو يلتقي مع شارع مراد وشارع السلام عند ناصية الجامع والرصيف العريض الذي بدا منحرفا في نقطة التقائها وفي مقدمة ذلك الرّصيف رأى العمود الحجريّ المتآكل، تعلوه تلك الذّراع التي تمسك بالغطاء الكبير المقلوب والمصباح المكسور دائماً، تطلّ من أعلى فوق العربة الخشبيّة التي ترتفع عن الأرض قليلاً المقوّسة مثل قارب صغير أو مثل مركوب والده الحاج عوض الله وهو ما زال منسيّاً تحت سريره النّحاسي الكبير".‏

إن علاقة الشخوص بالمكان تقوم على جدليّة النفي والإثبات ذلك أن المكان يتعاظم ويحوّل شخصية إلى شيء من أشيائه ولكنه في الوقت ذاته يمنحها هويّتها ويجعلها في وضعها هذا تكتشف ذاتها.‏
الإغــــــــراب:‏
من وجهة نظر مغربة غير (RECIT) يعرف الإغراب بأنه تقديم فصل أو مرحلة من الحكاية عادية بواسطة طرف ثالث لا يفهمها بحيث يكون القارئ مدفوعاً إلى أن يرى في الفصل أو في المرحلة تفاصيل وقيما مخالفة لمألوف وهو يختلف عن مفهوم عندما الغرائبي الذي حدّده تودوروف في كتابه "مقدمة للأدب الفلطاستيكي" حصر هذا المفهوم في تشخيص الخارق من الأحداث وبحث عن الصلة التي تربطه بالعجائبي والفنطاستيكي متحدثاً عن القطيعة مع النظام المعترف به والبروز المفاجئ لما لا يمكن قبوله في قلب الشرعية اليومية التي لا تتغير في رواية "مالك الحزين" نسق لا يخرج (SINGULARISATION) إن الإغراب عن النظام المعترف به ولا يتعارض مع المنطقي، بل يتصل ثابت الاتصال بالنادرة. ذلك أن الرواية تزخر بمجموعة من الأحداث الشاذة التي لا يقاس عليها وهي أحداث تتقاطع مع تلك الأحداث العادية واليومية التي يقوم عليها نسيج الرواية ولكنّه تقاطع يحدث مفارقات حدثية عجيبة، فمن غمرة العادي واليومي تنبثق مجموعة من الأحداث الشاذة الغريبة التي قد يقبلها العقل على مضض ولكن تنفرج لها السريرة وينفتح لها القلب وهي أحداث تخرج على الروتين المألوف وتجابه المتكرر وتظهر بمظهر المغرب والشاذ من هذه الأحداث ما يتعلق بحكاية الشيخ حسني مع العميان. ذلك أن الشيخ حسني الأعمى كان يصطاد العميان بطريقة غريبة، فهو يوهمهم أنه يرى فيصطحبهم إلى الأماكن العامة ويبتز نقودهم وقد اتخذ من صبيّ المقهى "عبد الله" ناظورجيّا يشتغل لحسابه إذ "لم يكن عليه، عندما يرى أحد العميان، إلا أن يخبر الشيخ بما رأى، ومع الوقت، صار عبد الله يعرف عمله جيداً ويجيب وحده على بعض الأسئلة الضرورية مثل سن الزبون وأطرف ما في الحكاية الشيخ وثيابه أو ما قد يكون من علامات بارزة.. حسني مع العميان ما يتعلّق بقصّته الغريبة مع الشيخ جنيد فقد أوهمه كالعادة أنه يرى وكان يصطحبه في الشارع والمقاهي ويقصّ عليه بعض مظاهر حياة المبصرين ثم دعاه إلى جولة في النيل على مركب خاص يقوده الشيخ حسني بنفسه وتنتهي القصة نهاية شاذة نادرة وطريفة في الآن ذاته فقد "شمرّ الشيخ حسني كتبه ومال قليلاً وبكل هدوء مدّ العصا في الماء لكي يقيس عمقه ولكنها لم تصل إلى شيء فأخرجها. ومدّ يده الأخرى ناحية مقدمة المجداف ثم سحبها على الفور وأيقن أنه غارق لا محالة وأنّهم سوف يعرفون جثته من ورقة المجلة، وسكت عن الحركة تماماً وفجأة صرخ بكل ما يملك من قوة "غريق، غريق" ولا تقل هذه النادرة غرابة عن تلك التي تتعلق بركوب الشيخ حسني الدراجة النارية، فقد كان -برغم عماه- يركب "الموتوسيكل" ولم يكف عن ذلك إلا عندما دخل بالموتوسيكل من واجهة أجزخانة الامبابي وهو يكسر كل شيء أمامه حتى وصل إلى الدكتور عبد التّواب الذي يشرب الشاي وراء الستارة وخبطه في جنبه الأيمن ثم انقلب هو والموتوسيكل على جنبه الأيسر ولحقه حسين عبد الشافي الذي كان قد تركه وقفز عند مدخل الأجزخانة ومن هذه النوادر أيضاً قصة الأسطى قدري مع رأس العجل، فقد اشترى الرجل رأس عجل وعد به زوجته وركب الترام وأخرج أذن العجل وداس عليها بحذائه كي لا تضيع وراح يقرأ في جريدة الأخبار عن الحكومة التي سوف تخفض الأسعار "لكن سارقاً قطع الأذن وأخذ الرأس وعندما وصل إلى سوق الخضر طوى الأسطى قدري جريدته وانحنى ليحمل رأس العجل ويعبر بها كوبري إمبابة ولكنه وجدها قد اختفت تماماً بينما هو يدوس على الأذن الرمادية الكبيرة التي انفصلت بعناية.‏
كذلك يمكن أن نذكر حكاية الكابتن حسين عبد الشافي التي رواها الشيخ حسني للشيخ جنيد وهو قائد فريق مصر لكرة القدم وقد شارك في الكأس العالمية الأولى التي دارت في ألمانيا النازية فـ "عندما مات والده لم يكن يملك شيئاً ولا السر وإنه احتار ماذا يفعل، لم يكن يريد أن يفضح نفسه وهو الكابتن المعروف على مستوى العالم ويستدين من أجل دفن والده، لذلك أخرج غياراً نظيفاً ونزل بوالده إلى البحر وخلع ثيابه وغطسه في الماء الطاهر ثلاث مرات وتلا الشهادتين ثم ألبسه الغيار النظيف وصعد به إلى الشاطئ وأخذه أمامه على الدراجة وسنده بين يديه كأنه لم يمت وذهب به من هنا حتى سيدي عمر ودفنه هناك بمعرفة عبد الخالق الحانوتي" وتتواتر هذه الحكايات المغربة أو هذه النوادر فنذكر حكاية الشيخ حسني مع برتقالات العم رمضان أو حكايته مع هذه البرتقالات وعصاه ولكن حكاية معزى العم مجاهد تظل أكثر هذه الحكايات خروجاً عن المألوف وإغراباً فلما انتهى الشيخ حمادة الأبيض من ترتيل القرآن في معزى العم مجاهد الذي نظمه سكان الحي غفل الحاضرون عن إغلاق "ماكينة" تضخيم الصوت وعندئذ ظل العم عمران يتحدث ويقص حكاية حي الكيت كات وصوته يبلغ السكان جميعاً إلى أن بلغ بعض سكان الحي المعروفين فشرع يفضح أسرارهم واحداً واحداً على هذا النحو: "إن الذي وقع على أوراق البيع (بيع بيت الشيخ حسني) هو الشيخ حسني الأعمى ولكن الذي قبض الفلوس هو الهرم بائع الحشيش لأن الشيخ حسني كان مديوناً له بثمنه "أيوه، شرب بالبيت حشيش وأفيون.. أيوه الهرم يضحك على أي حد، النهار ده بس ضحك على الحكومة وهرب من اللومان وقاعد دلوقت عند فتحية اللي بيخبي عندها الحشيش والفلوس، فتحية بتاعة حارة توكل".‏
إن إغراب مثل هذه الوظائف السردية تتمثل في أنها تخيب انتظار المتلقي داخل النص وخارجه فالأسطى قدري الذي أراد أن يبعد الشيخ حسني بعصاه في مثل هذا الظرف الخطير: "وحاول أن يسحبه بعيداً عن دائرة القتال ولكن الشيخ حسني عاد يصرخ: "العصايا، العصايا" وقال الأسطى "عصاية إيه دلوقتي، العصايا ضاعت، ضاعت إزاي؟ العصايا هناك أهه" "يا أخي إعمل معروف يلا بينا وإلا أمشي أنا؟ كذلك كان رد فعل بعض من كان يستمع إلى حكاية العم عمران وهو يفضح رجال الحي: "ثم ارتفع في الساحة الكبيرة صوت خبط على الباب وصوت رجل يطلب منهم أن يغلقوا الماكينة أنها مفتوحة ولأنه سمع الكلام وهو يركب المعدية قادما من الزمالك وضرب النار شغال وصاح الأسطى قدري الإنكليزي: "يا نهار أسود"!.‏
لقد استعمل محمد بدري للتعبير عن مفهوم الأغراب الذي استعملناه مفهوم العجائبي فهو يرى أن العجيب في رواية "مالك الحزين" نابع من تحدي الإنسان للقهر بكل صوره، وربما يكون للعجيب الذي يعني كسر قوانين الطبيعة في فضاء روائي يمزج الواقع بالوهم دلالة مختلفة عن العجيب في رواية أصلان التي تعلن منذ بدايتها لقارئها أنها واقع حدث يوما، فله كما يقول غرييه ثقل الحقيقة الإنسانية وهو أمر نلمسه منذ بداية الرواية، حيث الوصف المقتصد الواقعي وعلاقات الأشياء تعضد لدينا أننا في مستوى المعيش اليومي" الروائي الذي اعتبره من باب العجائب لا يناقض الطبيعة البشرية ولا يندرج بالتالي في إطار الخارق ولكنه أيضاً يتحداها أحياناً دون أن يتجاوزها وفي هذا السياق ندرج كل الأفعال التي يمارسها الشيخ حسني الذي يرفض طبيعة القاصر الضرير ويسلك سلوك المبصر ولكن هذا السلوك يوقعه في مأزق تحول الوضعية إلى نادرة بمعناها الأدبي واللغوي كذلك ندرج تلك الوظائف السردية التي ذكرناها فهي أفعال (شاذة) نادرة الوقوع وتكتسب شرعيتها من تعارضها مع العادي المألوف المتكرر الذي يغرق حكاية "مالك الحزين" ولذلك فضلنا مصطلح الإغراب بالمعنى الذي أوضحنا معتقدين أن للعجائبي دلالة مغايرة تماماً لمفهوم الإفراد أو الإغراب وتظل المسألة مسألة مصطلح كان بإمكان محمد بدوي أن يتلافاها بين نسقي التسطيح والإغراب علاقة وطيدة تحدد تعاملا جديداً مع الواقعية وهو تعامل لا يخلو من مفارقة عجيبة فبقدر ما تسعى الرواية عبر نسق التسطيح بما يحوي من أفعال سردية عادية مألوفة ويومية إلى تكثيف الإحالة المرجعية، تحاول عبر نسق الإغراب أو الإفراد إلى تكسير النسق الأول والاقتراب من خانة الخارق إلى درجة أن بعض النقاد تحدث عن العجائبي وهو يحلل هذه الأحداث المغربة وهكذا يتقاطع الواقعي واللاواقعي تقاطعاً عنيفاً إذا اعتبرنا الواقعي تشخيصاً للعادي والمألوف والطبيعي وفي حدود هذا المفهوم تختلف رواية "مالك الحزين" عن رواية "صخب البحيرة" فلئن أكدنا في تحليلنا رواية محمد البساطي على تلك النزعة الفريدة المتمثلة في تقليص التشخيص الواقعي في اتجاه التشخيص الرمزي برغم عدم الوقوع فيه والاكتفاء بمقاربته ومحاذاته فإن رواية "إبراهيم أصلان" تحدث هذه المفارقة العجيبة بين الواقعي واللاواقعي. فهي تغرق من تشخيص الواقعي تشخيصاً محايداً اجتماعياً ولغوياً من خلال تشخيص حيّ شعبي في مدينة القاهرة الكبرى هو حيّ إمبابة بسكانه ومستوياته اللغوية إلى حد الإغراب إنها واقعية الأسطح الخارجية التي تظهر مدى زيف الواقعية التقليدية ومدى تشويهها للواقع وترفض المفاهيم الرومانسية القديمة وتتخلى عن ميتافيزقيات العمق حيث تسترد الأشياء ألقها باستقلالها ووجودها الصلب وحيث يستعيد الإنسان حضوره الحميمي في العالم الذي يعيش فيه.‏

ذات صلة