قراءة في كتاب (حجرتان وصالة): إبراهيم أصلان يفسـر العالم من ثقب إبرة

قراءة في كتاب (حجرتان وصالة): إبراهيم أصلان يفسـر العالم من ثقب إبرة

عزة حسين
أحيانا، أحار وأتوقف لأيام عند محاولة كتابة السطر الأول عن كتاب جيد، وكثيرا ما أقاوم أن أملأ كل البياض المنذور للحديث عن هذا العمل بما يحتويه العمل ذاته، وكأننى على يقين من أن القارئ سيفهم ويشعر بكل ما هو مفروض أن يقال.

أتذكر أول مرة تلبستني هذه الفكرة، بعدما قرأت نصوص «شيء من هذا القبيل»، التي كانت أيامها أحدث أعمال الأديب الكبير «إبراهيم أصلان»، حتى صدور كتابه الأحدث «حجرتان وصالة» والكتابان عن دار الشروق لتتجدد معه هذه الحالة، بحيث يهدد المحو كل كلماتي بدافع أن من الظلم كتابة هذا الكلام عن ذاك الإبداع.

 انطباعات شخصية أولى, وذكريات حميمة تجمع العارض مع الكاتب والكتاب.
 معلومات مبدئية عن اسم الكاتب, والكتاب ودار النشر وفترة (سنة) النشر.

حجرة الأولاد، دولاب الهدوم، المرآة الداكنة، حبات الطماطم، والزجاجة التى بلا غطاء فى الثلاجة، والكنبة التى إلى يسارك وأنت داخل، والكنبة التي إلى يمينك، والخمسون جنيها المطوية فى جيب البنطلون، والطبق المكسور، والفول أبوعدس أصفر، هذا هو نوع المفردات التى ستصادفك فى كتاب أصلان الجديد، حيث كل مفردة هى تفصيلة صغيرة فى تفاصيل أكبر، على بساطتها وعاديتها هى موضوع ومركز الكتاب.
 انتقاء مفردات وعبارات ذات مغزى من أعماق الكتاب, لتضع القارئ أمام العالم الذي هو على وشك الدخول إلى تفاصيله.
فلا هموم ضاغطة، ولا قضايا معضلة، ولا مشاكل وجودية أو واقعية أو حتى فانتازية متورمة، لكن هذا فقط للوهلة الأولى، لأن قراءة هذه المفردات داخل كتابة إبراهيم أصلان يمنحها تاريخا خاصا، نفس الأشياء بمعانيها الاصطلاحية والإجرائية القديمة، ستكتسب بين أصابعه وظائف جديدة يمكنها أن تفسر العالم من ثقب إبرة.
 الحديث بسلاسة بالغة عن "نوع" الكتاب –القصصي- الذي نحن بصدده, من هذه الفقرة ندرك مثلا أننا لسنا أمام كتاب يتحدث عن الخيال العلمي أو الأدب البوليسي, وإنما الحديث عن "قصص" تنتمي لمدرسة "الواقع".
فى هذا الكتاب كتابة مورست عليها كل أشكال التقشف، بدءا من اللغة الوظيفية مقصوصة الزوائد، مدببة الأصوات، والمكان المسور بـ«حجرتان وصالة»، ونافذة فى الغرفة الداخلية تطل على الرصيف ومنه إلى العالم، وحتى الشخصيات التى لا يتكرر فيها سوى البطل وزوجته وشبح ولديهما المتزوجين، إضافة إلى ما يستدعيه الراوى عبر حياة بطله من شخوص، هؤلاء الشخوص يتوهج كل منهم فى الحكاية التى تخصه ثم ينطفئ، إلى أن يعيد أصلان استدعاء كل شخصيات قصصه الجديدة فى القصة قبل الأخيرة «آخر الليل» ليسلموا على الجمهور قبل أن تنزل ستائر الكتاب.
 الحديث عن الشكل اللغوي المستخدم في الكتابة, ولأن الكتاب المستخدم في هذه الدراسة كتاب أدبي, فمن المهم جدا الإشارة للأسالبي اللغوية والأدبية المستخدمة, بينما لن يكون ذلك مفيدا إذا كنا نعرض لكتاب علمي أو سياسي على سبيل المثال.
 الولوج داخل عالم الكتاب, والحديث عن بنيته السردية العامة, هنا يتم ذكر "أبطال" الكتاب, ودورهم في "بنية" الكتاب: فلكل منهم دور في الـ "حكايات", يظهر حينا ثم يختفي ثم يعاود الظهور, وهكذا. أي أن الكتاب ليس مجموعة من "القصص" المنفصلة تماما, وإنما يربط البنية رابط أساسي.
أما الزمن الذي تنامى بخفوت عبر هذه القصص فأعتقد أنه إلى جانب الشعور بالمسئولية الفنية هو السبب في تصنيف الكاتب لعمله الجديد بالمتتالية وهي: شكل روائي جديد، يتألف من قصص متشابكة منفصلة متصلة لها نفس الراوي المشترك مع اختلاف الأحداث وبعض الأشخاص وإن كان ما يجمعهم مكان واحد.
 استكمال الحديث عن "نوع" الكتاب بشكل أعمق, فالكتاب بشكل عام "مجموعة قصص", لكنه بشكل أكثر تخصيصا "متتالية". ويتم شرح ما معنى "متتالية"؟ ولماذا تم التصنيف الكتاب على هذا الأساس؟
في قلب حكاية أصلان المنزلية يسكن الأستاذ خليل وزوجته إحسان، التي شاركته طوال النصف الأول من المتتالية إلى أن «رن جرس التليفون في الفيلم المعروض بالتليفزيون في الصالة. وهي سمعت هذا الجرس وقالت: «حد يرد على التليفون يا ولاد» ومالت إلى جانبها الأيمن ولم تقم بعد ذلك أبدا».
لكن هذا لا يعني غياب إحسان، الزوجة دائمة الضيق والتبرم من زوجها الأقرب إلى غرابة الأطوار، فدورها محفوظ في أغلب الحكايات التالية، وسيتذكرها خليل وهو يرفع إلى فمه الزجاجة الخضراء التي بلا غطاء ليشرب، وهي التي كان يؤذيها ذلك دائما وتظل تردد:
«يا ريت اللي يشرب من قزازة يرجع الغطا مكانه»،
وسيتذكرها عندما يعود في آخر الحكاية إلى شقته القديمة ليبعثر الصور مفتشا عن وجهها الجميل بزينتها الكاملة وشعرها المنسدل وبنطلونها القطيفة، وسيظل إلى يوم الأربعين يحكي لأصدقائه أنها ظنت أن رنين التليفون في الفيلم كان في شقتهم فطلبت أن يرد أحد، إلى أن قام الممثل عباس فارس ولبس طربوشه ورد، وعندما قام خليل ليخبرها بأن عباس فارس سمع كلامها «من باب الهزار يعني» كان السر الإلهي قد طلع.
سيبقي خليل وحيدا يروي عنه إبراهيم أصلان مواقفه ولحظاته الإنسانية وصدفه وذكرياته، مع «البواب التخين» الذي لا يُري إلا نائما، وأم عزت البقالة التي ماتت رغم أنها أصغر من خليل وابنها صاحب السوبر ماركت، والأسطي محمود الإسكافي الذي منذ توفيت زوجته «وهو يقلع هدومه ويقف عريانا في الطرقة ولا يدخل الشقة أبدا إلا بعد أن يلبس الغيار النظيف»، وزوجته الحاجة ثريا التي لا يموت أحد من أهلها قبل أن يتصابي ويعود بعمره إلى الوراء، ثم يلحق بالأموات في اليوم التالى، والأستاذ مصطفي وزوجته الأستاذة كوثر العائدة من الإعارة بـ«باروكتها» التي «تلبسها منحرفة مثل الطربوش بحيث تكون مرتفعة عن جبهتها من جانب ونازلة لغاية حاجبها في الجانب الآخر».
خليل الموظف المتقاعد بهيئة البريد يجرده أصلان في هذه المتتالية من أبسط حكاياته وأكثرها غرابة، كأن يروي عنه حدوتته مع الكتكوت البني الذي خرج من البيت «وما رجعش»، وبعدها بفترة طويلة، وخليل عائد من صلاة الجمعة مرورا بالزقاق الجانبي رأي فرخة بنية بنفس لون الكتكوت، فذهب إلى صاحبتها الجالسة «علي بسطة السلم» يستفسر عما إذا كانت الفرخة عندها منذ أن كانت كتكوتا أم أنها الكتكوت الذي «هرب من الحاجة زمان».
يمكن للجميع أن يستغرب هذه الحكاية برغم أنها ليست الأغرب من بين بورتريهات خليل الـ(28)، لولاها هذه العبارة الفلسفية الإنسانية، التي فسر بها خليل حكايته للمرأة ذات الكتكوت البني وللقارئ قائلا:
« شوفي حضرتك. أنا ضيعت ستين سنة من عمري علي الأقل وأنا عندي أسئلة من هذا النوع، نفسي أسألها ولا أقدر، لأني كنت محرج. ودي مأساة يا هانم، والدليل هو اللي حصل دلوقت، هل في أي ضرر أصاب حضرتك من السؤال؟»
وهي قالت:
«ربنا ما يجبش حاجة وحشة».
 الجزء الرئيسي من عرض الكتاب, وفيه غوص داخل "المحتوى", واستخدام أكثر طريقة في العرض:
 رسم صورة بانورمية شاملة لأجزاء الكتاب, والتعليق عليها, بحيث يتم لفت نظر القارئ للـ "وحدة" التي تجمع بين تلك الأجزاء الصغيرة التي تم تلخيصها.
 الاستعانة بمقتطفات من نصوص الكتاب
 في دراستنا الحالية, نجد وقد تم التركيز علي "شخصيات" الكتاب, و الـ "مكان" الذي تتفاعل فيه, و "الأشياء" من حولها.. الخ. وكأن من يقوم بالتلخيص, يحاول أن يرسم لنا عالم الكتاب بقدر ما يستطيع, ليقوم عقلنا برسم أفضل تخيل ممكن لمحتوي ذلك الكتاب.
إبراهيم أصلان الذي لا يعرف أنه تقدم في العمر «إلا من خلال تطلعي في وجوه الأصدقاء»، ضمن تدوينات خليل قصة غاية في العذوبة، عن الرجل ذي الشعر الأبيض المنكوش الذي اكتشف فجأة أن «الواد سليمان» ابنه الأكبر قد صار أطول منه وهو الذي كان قبل شهر يماثله في الطول، الرجل سيكتشف السر فجأة وهو ينظر إلى مرآة الدولاب المعتمة المصقولة فيفاجأ «بالعجوز ضئيل الحجم الذي يتطلع إليه من عمق المرآة»:
«حينئذ غادر الرجل، أو خليل، أو إبراهيم أصلان المكان وعبر الصالة إلى المطبخ. فتح الثلاجة وأغلقها، ورفع غطاء الحلة الموجودة علي البوتاجاز ووضعه ثم ترك المطبخ ودخل الشرفة الصغيرة واستند بجسده إلى سورها الحجري القصير، ورأي النوافذ والشرفات البعيدة الخالية. وهناك، كانت الشمس تغيب مع ارتجافة أخيرة من ضوء النهار في الأفق البعيد».
يذكر أن هذه القصة التي حملت عنوان «آخر النهار» قد تحولت إلى فيلم قصير قام ببطولته الفنان التشكيلي صلاح مرعي وأخرجه شريف البنداري وحمل عنوان «ساعة عصاري».
 الاستعانة بمعلومات (ربما لم ترد في الكتاب نفسه), لكنها تهم القارئ بشدة, لأنها تربط بين "العالم" خارج الكتاب, وبين الكتاب نفسه والمؤلف. مما يزيد في ثراء الكم "المعرفي" الذي يتفاعل معه القارئ.

وأذكر أن في هذه القصة وكل قصص الكتاب تبدأ الحكاية قبل أن يعرف القارئ وتنتهي قبل أن يتوقع، لكن الرهان علي المتعة، علي حيوية وبشرية الشخوص، فهو أصلان الذي يري أنه «إذا اخترعت شخصية واخترعت لها سيكولوجية.. واخترعت لها مصيرا.. فأنت بهذا قد اخترعت جثة».
أما لغة الكاتب في هذه النصوص وغيرها فهي سره الخاص، الذي لا يمنح نفسه إلا له ولن «يستطعمها» القارئ إلا منه، هي الكلمات التي تحدث صوتا معينا وتخلق صورة بصرية بعينها تتراص منتجة حياة.
في هذه المتتالية سيصدق القارئ بشدة تصديرها الذي علي غلاف الفنان الكبير «محيي الدين اللباد» حيث «ثماني وعشرين حكاية منزلية عن زوجين، أودع فيهما أصلان خبرة نادرة في تخليق نوع من القصص لا تكاد تبدأ قراءاته حتي تكتشف في الكاتب والكتابة والحياة اليومية درجات من الدهشة ربما لم تلتفت إليها أبدا،ما يجعل هذه الحكايات تعيش في ذاكرة القارئ طويلا».
أخيرا وكعادة مبدع «مالك الحزين» سينهي إبراهيم أصلان نصه المتقطع بقصة يبدأ فيها نهارا من أوله، بعدما يعود بطله المراوغ إلى شقته القديمة بالحي الشعبي ويتناول الكوب الألومونيا ذا الرقبة الضيقة والشفة العليا المقلوبة إلى الخارج، ويبعث به طفلا من سكان العمارة ليملأه من عند «منصور بتاع الفول»، قبل أن يجلس البطل «منتعشا مثل رجل غلبه النوم في مكان يعرفه ثم قام ليجد نفسه في مكان غريب».
 ربط العمل الحالي, بأعمال المؤلف السابقة, واستنتاج "المساحات المشتركة" بين تلك الأعمال. وهنا نستمر في ملاحظة أن كاتبة هذا العرض تتوقف كثيرا عن وظيفة "التلخيص", ولا تنفك تقدم لنا "استنتاجات" و "أفكار" و "وجهات نظر", وتربط لنا عرضها بـ "معلومات" و "ملاحظات". مما يعطي العرض قيمة كبيرة تتجاوز وصف "الملخص" بمراحل.
هكذا ينتصر إبراهيم أصلان علي غربته ويستجيب للنوستالجيا ويعود، بعدما كان قد أعارنا همه في عمله الفائت «شىء من هذا القبيل» الذي صدره قائلا:
«أُنزع الآن عن إمبابة/ كما تنزع قطعة لحاء جافّة/ وإن كانت حية/ عن جذعها الطري كي تلتصق بجذع آخر».