مارغريت دوراس والحب المستحيل...كاتبة مولعة بالرؤى المغيبة والجمل المقطوعة

مارغريت دوراس والحب المستحيل...كاتبة مولعة بالرؤى المغيبة والجمل المقطوعة

حسب الله يحيى
التعبير عن محور جديد في عالم الكتابة لا يمكن ان يلغي ما سبقه، ذلك أن الكتابة، وعي ثقافي وتراكم خبرات وجهد ذهني ورؤى ابداعية. والكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس 1914- آذار (مارس) 1996، تملأ قصصها ورواياتها ومسرحياتها كلها بمحور لا يخرج عن اطار الحب الممنوع أو المستحيل.. على الرغم من أيماء دوراس العميق بضرورة ان يكون هناك وجود حقيقي للحب مادام هناك.. امرأة ورجل.

ففي رواية: (موديراتو اتو كونتابيل) ترجمة نهاد التكرلي- بغداد 1972 يقتل الرجل المرأة التي أحب، تحقيقاً لرغبتها.
ومع ان العلاقة بين المرأة والرجل تبدو في حالة حب متماسك ومتوازن طبقياً في رواية (الحديقة) ترجمة: فاضل ثامر- بغداد 1986- الا أننا نتبين حالة الاغتراب التي يعيش فيها كل واحد منهما في حياته وعمله، الامر الذي يجعل امتداد هذه العلاقة في وضع مستحيل.
والمرأة في رواية (انخطاف لولف- شتاين) ترجمة جاك الاسود- بيروت 1990 تفقد خطيبها الذي- يقع في احدى السهرات- بحب امرأة تتجاوز سنه وتبدو الاستحالة انموذجاً واضحاً في رواية (نائب القنصل) ترجمة: جاك الاسود- بيروت 1990 اذ يتجاهل نائب القنصل الفظائح التي مارسها من دون اسباب واضحة.
وفي (هيروشيما حبيبتي)- بيروت 1961- نتعرف على دمار المدينة اليابانية (هيروشيما).. فاذا الحب ينمو في هذا الهشيم مع مهندس ياباني سحقت مدينته، وسيدة فرنسية متزوجة جاءت لتعكس صورة المأساة.
ونتبين الامر كذلك في رواية (العاشق) ترجمة د. عبد الرزاق جعفر- اذ نتعرف على حياة موجزة خالية من الاحساس بالسعادة.. يخيم عليها الحزن ومآسي الحرب والرعب والاحتلال الاجنبي.. وذلك من خلال امرأة عجوز وشاب نزق.. خال من يقظة المشاعر. ونواجه المرأة العانس التي يستحيل عليها الحلم في القصة القصيرة (الحمى البوا) بعد أن دمر حياتها الزمن المرير.
هذه الحالات.. التي تعالجها مارغريت دوراس لا تخرج عن محور الحب المستحيل الذي يكون الفاعل الاساس فيها غائباً.
ففي رواية (العاشق) نتعرف على تجربة عاشتها دوراس اللامبالية مع رجل.. مخلوق ثانوي، ونساء بلا وجوه وبلا سمات مميزة.
وكانت دوراس قد اكتسبت الكثير من التجارب وذلك من خلال حياتها في الهند الصينية اذ ولدت في (سايكون) ودرست العلوم السياسية والرياضيات والقانون كما عرفت شيئاً عن الزراعة من امها الفلاحة الفرنسية، وهناك حادث مهم يشكل نقلة في حياة دوراس بعد ان تركت امها (مهنة) الشحاذة، فتسعى الى بيع نفسها طلباً للعيش وقد ولد هذا الحادث في اعماق دوراس ازمة حادة كادت تفقدها صوابها وتؤدي بها الى الجنون.
ومنذ ذلك الوقت، ولدت عند دوراس الرغبة في الكتابة، ومن هنا جاء اعتقادها (انه لا يمكن أن توجد كتب عظيمة ما لم يتعامل مؤلفها مع الذات)
والاستمالة في ادب دوراس قريب من تساؤل بلانشو بشأن كتابها (مرض الموت). يقول: (لماذا لا يتحقق التواصل في العلاقة الغرامية الا لحظة يبدو مستحيلاً.. لماذا لا تقوم هذه العلاقة الا في لحظة فائتة؟).أن (اللحظة الفائتة) حقيقة قائمة في حياة دوراس نفسها، فهي لا تقدر على وقف الكوارث فتوضع بمواجهة الملايين (قصة حب)، وفي نص لها تقول (أمي التي ماتت اثناء ولادتي تحت اسرة المعسكر، احرقت حتى الموت مع الاخرين في غرف الغاز. أوربلياشتانير امي تنظر امامها الى المربع الكبير بالفناء الذي يجتمع فيه نزلاء المعسكر).
كل هذا العالم الممتلئ بالحركة الذي عاشته دوراس صار جزءاً لصيقاً في كل كتاباتها (الروائية والقصصية والمسرحية والسينمائية) كما أن الخزين المأساوي كون عندها حضوراً متميزاً ورؤية دقيقة تجسد في مسرحيتها (الموسيقى) أو (اللحن) وبات المصطلح الموسيقي (موديراتو كونتابيل) يعني (رسلاً وشدواً).
وكان توجهها نحو الفن السينمائي اكتشافاً للصوت وابعاده الموسيقية.
لقد نسب الى دوراس كونها تنضوي تحت لواء كتاب الرواية الفرنسية الجديدة (ألن روب غرييه، ميشيل بوتور، ناتالي ساروت) الا أننا لم نجد في كتاباتها ذلك الولع بالشيئية والرؤى المغيبة والجمل المقطوعة والكتابة لذاتها والعناية المطلقة بالصور لا بالمعنى.. التي تتجسد في كتابات غربية وبروتر وساروت بالعكس لقد وجدنا في كتاباتها التأني والتقليدية في طرح المضامين والمعاني التي تصل الى القارئ بيسر.. الى جانب سعيها في البحث والاكتشاف لما هو خفي ومجهول.

المسرح دوراس

عندما يلجأ المبدع الى موضوعه اكثر من مرة وعندما يعزف ذات اللحن الذي عزفه من قبل.. عندما يعمد الى ذلك هل نعده مكرراً لنفسه أو مفرغاً من التجارب الجديدة، أو يفتقر الى التنويع؟
هذا المقال يحاول الاجابة على هذه الاسئلة، وذلك من خلال مقارنة بين مسرحيتين من مسرحيات مارغريت دوراس.. ففي مسرحيتها (الانهار والغابات) نجد المصادفة والعاطفة، والشخصيات المحدودة، والاعترافات المتلاحقة.. تنساب تباعاً، وكأن عضة الكلب لرجل يقف على الرصيف.. قد ايقظت الجميع من الصمت، والعزلة واللامعرفة.. واثارت فيهم الاسئلة والاجابات والتعارف.
المرأة الاولى: (لقد كان في المائة من عمره في الاقل، وكنت قد سئمت ذلك تماماً.. ان مجرد اعتزام الخروج لقضاء عطلة نهاية الاسوبع يرغمنا على ان نستعد لذلك قبلها بستة اسابيع.. حقن وفيتامينات) أما الرجل فيقول: (في ايام الاحاد نذهب معاً في نزهة بسيارتي المرسيدس بنز ونخلي قلوبنا من الهموم).
واما المرأة الثانية فتشكو قائلة: انني لا ارى احد ايام الاحاد، زوجي دائماً، لا احد سوى زوجي لقد مللت ذلك.. من أول العام الى آخره) ومن ثم نتبين الحقائق اللاحقة.
(لقد اشتغلت شاهدة... شاهدة على كل شيء وفي كل زمان، شاهدة اثبات، شاهدة نفي، شاهدة على كل شيء ملعون. جوازات السفر، شهادات الاقامة.. كل شيء كان الناس يبحثون عني) وتعترف الاولى: (لقد كنت أنا التي دفعت بزوجي الى قناة الراين..) ويكشف الرجل حقيقة أمره نافياً ادعاءاته كلها:
(أما أنا فليس لي شأن بمكتبه.. ولم أكن ابداً ذا وظيفة على الاطلاق)
هذه الشخصيات.. لاتبوح بأسرارها دفعة واحدة وانما يجري التمهيد لها باحاديث عابرة لاتثير اهتمامنا ولكن لابد منها.
أما الرجل فيكشف عن كذبة، عن زعمه بالغنى والوظيفة المتألقة والمرأة الاولى تتخلص من زوجها الهرم..
المرأة الثانية لا تتمتع بنـزهة يوم الاحد.. تمتهن شهادات الزور.
وفي الختام يجتمع الثلاثة عند الغناء والالحان...!
واذا انتقلنا الىمسرحية دوراس: (الموسيقى)، وجدنا انفسنا نقع تحت فعل المصادفة ايضاً، اذ يلتقي وفي فندق واحد، زوجان مطلقان ويجري بينهما حوار متقطع، سرعان ما ينمو ويثير المشاعر... ويجعلهما في حالة تجاوز مواقف الكراهية والغيرة التي تنتاب كل واحد منهما بازاء الاخر.
والمكان (الرصيف/ في مسرحية الانهار والغابات) يثير تساؤل المرأة في مسرحية (الموسيقى) كذلك.
- (ماذا حدث على رصيف المحطة؟) وكان هذا المكان مركز الحركة والاحداث وشخصيات المسرحية الاولى، معزولة، ومهمومة، تبحث عن الألفة في ظل ضياع تعاني منه. كذلك نجد الأمر في المسرحية الثانية:
- هو: كنا شباباً..
هي: الآن لا نرغب في اية مضايقات، لا نريد أية هموم...
هو: نحن لدينا اشياء اخرى.
هي: من دون شك..
وتؤكد الزوجة موضحة: بسبب نعم، بسبب لا، اضعنا العديد من الليالي بسبب الارق..) ومثل هذا الحوار يكشف الدوافع الخفية الكامنة في اعماق الشخصيات وهو الامر الذي يجعلنا نتبين طبيعة النوافذ التي تفتحها دوراس على شخصياتها ضمن هموم مشتركة، والحديث عن اماكن متكررة، وعلاقات جديدة لكل منها:
(هي: قابلته على محطة الباص، بعدها انتظرني امام الفندق مرة، مرتين وفي الثالثة اصابني الهلع..)
أما هو... فنجده يوضح طبيعة علاقته.
هو: ذات يوم كان الوقت ظهراً.. رأيتها تعبر الشارع وتتبعتها.. دخلت الى دار السينما كانت تعرض فلماً.. شاهدناه سوية من قبل- يخاطب زوجته المطلقة- انهما في حالة اشتراك خفي يعلن وبوضوح مؤشراً حقيقة الاخطاء التي اوقعها فيها كل على انفراد.. وكانما باعترافهما يعتذران لبعضهما.
واذا كانت الاعترافات قد تمت في مسرحية (الانهار والغابات) بعد ازمة الرجل اثر اصابته بعضة كلب، فان اجراءات الطلاق ومحنته هي التي استدعت هذه المحاورة التي نمت وكشفت عن حب عميق لكلا الزوجين ورغبتهما في العودة الى التوافق والانسجام.. الذي يشكل فعل الموسيقى مثلما شكل الغناء واللحن فعل (الانهار والغابات).
مثل هذا التوافق واللقاء في كلتا المسرحيتين ولدوراس نفسها، لا يكون- باعتقادنا- تكراراً دالاً على عزم الإبداع بل هو تنوع وهيمنة أصلية ومعمقة لهذا الحدث ومشاهده. ان التجارب الانسانية التي نمر بها، تؤلف حالة من الهيمنة التي تسير معنا طوال العمر اذ لا نستطيع الفكاك منها.. ومثلها لا يشكل عقداً ولا ضالة في الابداع. وانما هي حالة من حالات النظر الى طبيعة الاشياء بين وقت وآخر وهو الامر الذي يجعلنا نجدها متجددة ومتباينة والنظر اليها يتم من خلال زوايا عدة..
ازاء ذلك.. لا يمكن ان نعد تكرار الكاتب والفنان عموماً أنه في حالة فقر وكسل عن الابتكار اذا ما عالج الاحداث والشخصيات اكثر من مرة... ذلك انه في كل مرة ينقلنا الى رؤية جديدة تضاف الى الرؤية الاولى، وهو الذي يجعلنا ننظر الى الاشياء نظرة جدية معمقة.

الموسيقى في ثلاث ترجمات:

ترجمت مسرحية (الموسيقى) لمارغريت دوراس الى اللغة العربية ثلاث ترجمات وفي اوقات مختلفة.
واسم المسرحية (الموسيقى) amuska وارد في ترجمة: احمد الباقري واحمد حامد احمد في حين يرد في ترجمة كاظم سعد الدين باسم (اللحن)..
والترجمة العربية التي تيسرت لنا كانت عام 1974 مجلة (الاقلام العددان 7 و8، السنة التاسعة 1974 لاحمد الباقري، والترجمة الثانية في مجلة الاديب المعاصر العدد 21 السنة الخامسة 1977 لكاظم سعد الدين.
أما الترجمة الثالثة فهي لـ احمد حامد احمد، وقد نشرت في مجلة: (شؤون ادبية) الاماراتية العدد 12 لسنة 1990.
ومقارنة الترجمات مع بعضها جعلتنا نقف عند ترجمة: احمد حامد احمد اكثر من سواها لوضوح المعنى ودقة التعبير وغنى الجملة.
ونتبين ذلك بوضوح عندما نقارن الحوار الاخير الوارد في الترجمات الثلاث على سبيل المثال لا الحصر:

1-ترجمة احمد الباقري:
هو: ماذا لو يموت احدنا؟
هي: حتى ولا حينئذ
هو: وعي الحب ينمو سريعاً في الظلام.
هي: نعم.
هو: مثل الناس الذين يبقون منفصلين بقوة الحوادث.
2-ترجمة كاظم سعد الدين:
هو: وماذا لو حضرت الوفاة احدنا..
هي: حتى ولو حصل ذلك..
هو: لندع الحب يظل يترعرع في الظلام.
هي: نعم.
هو: كالناس الذين فرقت بينهم الظروف بقوة.
3- ترجمة أحمد حامد احمد.
هو: إذا متنا.
هي: حتى في هذه الحالة.
هو: في الظلمات في السر نترك الحب ينمو.
هي: نعم
هو: كأفراد مدفوعين بقوة التلاقي.
من هنا تتضح امامنا مسألة تلقي من هذه الترجمات الكاملة لنص المسرحية واثر هذه الترجمات في الاستقبال/ قراءة ثم عرضاً.. وضرورة نقل اسلوب الكاتب وبراعته في الاداء وليس مجرد نقل المعنى.