غازي احد الفرسان الاوائل.. ومؤسس لرسم الشخصية البغدادية

غازي احد الفرسان الاوائل.. ومؤسس لرسم الشخصية البغدادية

عبدالجبار العتابي
اهل الكاريكاتير .. نسوا عيدهم!!، او ربما تناسوه ، الذي صادف يوم السبت التاسع والعشرين من ايلول ، وصارت فيه قامة الكاريكاتير العراقي تمتد على طول (79) عاما بالتمام والكمال ، لذلك هم لم يعلقوا الزينة ولم يلتفتوا لاقامة معرض بالمناسبة.. بل لم يمر بنا منهم طيف ولا جاءنا خبر ، رغم هذا العيد الذي سبق وان اتفق اهل الكاريكاتير ذات يوم على جعله عيدا لفن الكاريكاتير العراقي..

 وكانوا الى وقت قريب يقيمون فيه معرضهم السنوي واحتفالاتهم المشاكسة، او كما قيل ذات عام تسعيني (ويضيفون عاما جديدا لعمر الكاريكاتير مليئا بالعطاء والمشاكسة)..
ولكن يبدو انهم نسوا ذلك لانهم منذ وقت طويل لم يحتفلوا وربما الهموم الكبيرة انستهم عيدهم وكنا نتمنى هذا اليوم ان تغرد مشاكساتهم وتلعب في اراجيح صفحات الصحف ، ولكن لماذا يوم 29 ايلول ؟!،
نقول: لانه في مثل هذا اليوم من عام 1931 ظهر في الصحافة العراقية اول كاريكاتير عراقي صميم خطته ريشة الفنان العراقي عبدالجبار محمود ونشر غلافا للعدد الاول من جريدة (حبزبوز) لصاحبها نوري ثابت، ويصور هذا الرسم الكاريكاتيري شخصا هو (نوري ثابت نفسه الملقب حبزبوز) وقد ظهر بملابس الفرسان ممتطيا (طوب ابو خزامة المشهور فلكلوريا في العراق). وقد حمل بيده قلما طويلا، كناية عن رمح الفارس وكلاهما سلاح. وقد توجه بنظراته وابتسامته الساخرة الى القراء. وفوق الكاريكاتير تعليق هو (سيارة حبزبوز الجديدة وقلمه السيال) وتحت الكاريكاتير حوار من سؤال وجواب.
(السؤال موجه لحبزبوز (نوري ثابت) يقول: شنو هاي حبزبوز؟ اشو راكب على طوب ابو خزامة؟ تريد تصير مثل سلطان مراد؟!
ويجيب حبزبوز ـ لا مولانا! لكن مادام بنص اوتيل انضرب ست رصاصات فمنا وغادي. قررت بعد ما اركب بعربانة او سيارة... بل اخذت هذا الطوب من وزارة الدفاع حتى اتجول عليه!.. هم المسألة اقتصادية لان معلوم حضرتكم هذا يلهم التراب.. يصير بارود ويلهم الحجار يصير دان (اي قنابل).. اريد رجال اللي يتجدم) .
وعلى الرغم من ان جريدة (كناس الشوارع) الهزلية لصاحبها (ميخائيل تيسي) التي صدرت عام 1925 قد حملت بجانب عنوانها رسما يمثل شخصا يحمل مكنسة اشارة الى عنوان الجريدة، الا ان الرسم على بساطته كان اقرب الى (الموتيف) الثابت منه الى الكاريكاتير ، لاسيما ان الجريدة خلت اعدادها اللاحقة من اي رسم كاريكاتيري يؤكد اهتمامها بهذا الجانب.
وكنت قبل اعوام سألت الفنان الراحل مؤيد نعمة عن مراحل تطور هذا الفن فقال لي :( الكاريكاتير العراقي بدأ بتأثيرات الصحافة التركية وكان عبارة عن رسوم توضيحية (نكتة لفظية) وفي عام 1931 كانت الصحافة الهزلية قد بدأت تأخذ موقعا وتطور الكاريكاتير في الاربعينيات حيث بدأ الرسام غازي يضع لمسات لملامح فن الكاريكاتير العراقي وبأسلوب متقن كان يضاهي الاساليب المصرية والتركية، لان الصحف كانت تصل من هذين البلدين، وفي وقتها ظهرت اسماء بعد الرسام غازي لكنها لم تترك اثرا، وفي الستينيات بدأ رسم الكاريكاتير يصبح اكثر حداثة وبساطة وتطورت الفكرة، وهذا استمر الى بداية السبعينيات حيث ظهرت الاسماء التي هي الان متواجدة في الصحافة فأخذت على عاتقها تطوير فن الكاريكاتير من ناحية الفكرة واصبحنا نرسم بطريقة الاستغناء عن التعليق، وهذا جعلنا نغامر ونشترك في المسابقات العالمية على صغر تجربتنا وحداثتها وحاولنا ان يكون الكاريكاتير الذي نرسمه عالميا اضافة الى محلية الاسلوب فتمكنا من التواصل مع الكاريكاتير العالمي باسلوب عراقي فكانت مشاركتنا الاولى عام 1975 ولكن في عام 1979 فزت بالجائزة الدولية الثالثة التي كان لها اثر كبير عند الجهة المنظمة التي تنظر الى الكاريكاتير في العالم على انه متواجد في الدول المتقدمة على الاقل وكان اعجابهم شديدا بالتجربة العراقية) .
كاريكاتيرنا العراقي.. كان في سنوات النظام السابق منحسرا.. ولا يقوى على رمي مشاكسة الا من وراء ستائر الغموض.. حتى ناله فقر وحرمان..، على الرغم من ان نجوم هذا الفن تواصلوا في رفد الساحة بألوان من اساليبهم، وبعد سقوط النظام.. كان هذا الفن على موعد مع الازدهار.. وراحت رسوماته تغزو الصحف وتملأ الصفحات وظهر فنانون شباب استطاعوا تأسيس قواعد ثابتة لطموحاتهم.
توجهنا الى الفنان عبد الرحيم ياسر لنسأأله عن احوال الكاريكاتير العراقي خلال مراحله فقال ( انا اعتقد ان الكاريكاتير نما عندنا في مرحلة السبعينيات والثمانينيات ، وهذا ربما شيء غريب اذا ما عرفنا ان هذه المدة الزمنية صعبة ويصعب فيها الرسم ، بل انها من اصعب الفترات على أي رسام كاريكاتير بسبب الايدلوجية الواحدة التي تحيطك من كل مكان بالمخاطر ، فكيف يمكن للرسم ان يكون في الصحافة وسط هذه المخاطر، والسبب في هذا النمووو هو ظهور مجموعة من الرسامين ، ليس من اجل الظهور في الصحافة ، بل من اجل الحصول على جوائز في المهرجانات ومن خلال المعارض ، وظهور كاريكاتير يلامس المعنى الاخر ، التأويلي ، فكان الرسام قادر على ان ينشر العمل دون ان يحاسب عليه او تجري عليه تقولات لانه قابل للتأويل ) ، واضاف رحيم : (وقياسا للظروف التي عاشها الكاريكاتير فقد تخرج عدد لابأس من الرسامين الاكفاء والمميزين ، واتذكر المعرض الذي اقيم في مصر عام 1990 وشارك فيه مجموعة من فنانينا وهناك استغرب الرسامون المصريون وسواهم من العرب وجود هذا النوع والكم من الرسامين العراقيين والذين حصلوا على معظم جوائز المعرض الذي اجتمع فيه معظم رسامي العرب وافريقيا ، واذكر ان احدهم قال : كيف يتسنى لرسامين بهذا المستوى الجيد ان يظهروا في بلد لاتوجد فيه صحف كثيرة ) .
اعدت رحيم من الماضي لأضعه امام الواقع ويقرأ لي مشهده ، وبين ارتفاعات عيونه ولحظات تأملاته قال : (هناك ظروف متشابكة اثرت مرة ثانية مع ظهور صحف كثيرة ، الكايكاتير بحاجة الى حرية اكبر وتفهم اكبر من رؤساء تحرير الصحف ، فما زالت مادة الكاريكاتير غير قادرة على معيشة صاحبها ، فمن المهم دعم الكايكاتير ماديا وجعله مادة ضرورية في الصحف وضمان الحرية وهي بالمناسبة غير موجودة للكاريكاتير الذي هو مادة متفجرة تثير الانتباه اكثر ، وبدون حريات لايمكن ان نواكب الاحداث ونقول ما نقول ) ، وحين عرفت ما يعانيه اهل الكاريكاتير من قيود قلت له : ها هو عيدكم قد مر بلا احتفال ولا اقامة معرض كما كنتم تفعلون ذلك من قبل ، اجاب رحيم وعل وجهه لاحت تباشير ابتسامة :( كل سيحتفل على طريقته الخاصة ) وحين طلبت منه توضيحا ، قال : (الان لانمتلك امكانية جمع الموجودين من الرسامين في هذا الظرف الصعب ، ولا اقامة معرض ، فنحن غير قادرين على ذلك ، فمن سيأتي ومن يضمن امن القاعة ؟، الاحتفال ان نتذكر العيد برسم ما على واجهات الصحف) .
اما الفنان المبدع خضير الحميري احد اقطاب الكاريكاتير العراقي فقد اشار الى الفكرة الاولى للاحتفال بعيد اهل الكاريكاتير قائلا : (كنا مجموعة من رسامي الكاريكاتير العراقيين منشغلين أواخر ثمانينيات القرن الماضي في تقليب ارشيف الصحافة العراقية بحثا عن موطئ قلم او فرشاة تدلنا على الانطلاقة الاولى لرسم الكاريكاتير في العراق ، حين قاطع ( انشغالنا ) اقتراح للفنان ضياء الحجار باعتبار التاسع والعشرين من ايلول عام 1931 تاريخا موثوقا لتلك الانطلاقة ، في إشارة لصدور العدد الاول من جريدة حبزبوز ، وهو ما رست عنده رسالته الموسومة ( رسم الكاريكاتير المعاصر في العراق ) لنيل شهادة الماجستير في الفنون من كلية الفنون الجميلة عام 1990 ، ومن يومها أصدرنا مرسوما نافذا يقضي باتخاذ ذلك اليوم عيدا للكاريكاتير على غرار عيد الفلاح وعيد المعلم وعيد الشجرة كنا نلتقي في ظلاله ونقيم معرضنا الذي انتظم لعدة سنوات ثم انفرط مثلما انفرطنــــا ) واضاف الحميري : (وقد طغى اقتراح الحجار في حينه على فكرة أخرى كانت موضع أخذ و رد ، ترى في تاريخ صدور جريدة ( كناس الشوارع ) لصاحبها ميخائيل تيسي (عام 1925) كأول ظهور لرسم الكاريكاتير في العراق على اعتبار ان الجريدة كانت تضع رسما كاريكاتيريا ثابتا في اعلى صفحتها الاولى ، يعبر بطرافة عن اسم الجريدة ، يظهر فيه شخص حافي القدمين ، رث الثياب ، يجول في شوارع المدينة رافعا مكنسته متأهبا للضرب ( ضرب من .. ولماذا .. لا ادري ) وقد ذيل الرسم بتعليق محور عن بيت شعر يقول : ( من لم يمت بالسيف مات بضرب المكانس .. تنوعت الاسباب والموت واحد ) والرسم موسوم في اسفله بتوقيع سريع وغامض لاسم الرسام ( ربما كان اسمه الاول محمد ) ، تم التخلي عن هذه الفكرة لان صفحات كناس الشوارع كانت وباستثناء ( موتيف الغلاف ) خالية تماما من رسوم الكاريكاتير ، وان صحفا أخرى عاصرت أو تلت كناس الشوارع ، اعتمدت ( الطـُعم ) الكاريكاتيري ذاته بجوار اسم المطبوع من دون ان تكون للكاريكاتير حصة تذكر في صفحاتها الداخلية ، ويعزو الصحفي العراقي صادق الازدي ( صاحب مجلة قرندل ) ذلك إلى تأخر افتتاح اول معمل للزنكغراف في العراق حتى عام 1930 ، فيما نجحت ( حبزبوز ) في اجتذاب اكثر من رسام كاريكاتير للعمل فيها طوال سنوات صدورها التي امتدت حتى عام 1938 ، مثل عبد الجبار محمود ومصطفى ابو طبرة وناصر عوني وسعاد سليم وفائق حسن وعطا صبري فضلا عن نوري ثابت صاحب الجريدة والذي كان ينفذ بعض الرسوم بخطوط بسيطة وتعليقات مسهبة ..) .
واستطرد الحميري في سرد حكاية العيد موضحا : ( الرسم الذي اعتمدناه كشمعة نجتمع حولها للاحتفال بميلاد فن الكاريكاتير العراقي ، رسمه الفنان الرائد عبد الجبار محمود غلافا لعدد الجريدة الأول ، وهذا الفنان كان يرسم الكاريكاتيرمن باب الهواية والتسلية وسرعان ما غادر الصحافة ليصبح ضابطا في الجيش العراقي ، والرسم الذي نحن بصدده يمثل شخصية حبزبوز ذات الصيت الشعبي ، والتي يتقمصها هنا صاحب الجريدة وهو يمتطي مدفع السلطان مراد الرابع ( طوب ابو خزامة ) حاملا بيده ( قلمه السيال ) وقد كتب اعلى واسفل الرسم تعليقا مطولا يسخر فيه من ( تردي الحالة الأمنية ) والكاريكاتير يتحدث بشكل مباشرعن حادثة اطلاق نار كان تعرض لها حبزبوز في ( اوتيل ما شاء الله ) حين اطلق عليه شخص ما ( لم يكن اللثام قد اكتشف حينها ) 6 رصاصات لم يحل بينها وبين رأس الصحفي سوى سوء التهديف ( وهو ما تم تلافيه تماما في أيامنا ) ..، وقد نقلت جينات الرسم الاول بشكل او بآخر كل حسناتها وبعضا من سيئاتها الى مشيمة الكاريكاتير العراقي لفترة من الزمن ، فالرسام اعتمد في تجسيد ذلك الرسم على ما أملاه عليه رئيس التحرير أو ( صاحب ) الجريدة وفق ماكان متعارفا عليه ، الامر الذي فتح الباب لاحقا للكثير من الرسوم البائسة التي يمليها ( اصحاب ) الجرائد او محرروها لاهدافهم ومآربهم وأفكارهم الخاصة وينصاع لها الرسام صاغرا تحت ضغط الحاجة او المجاملة وقلة الحيلة ، ما اورث الصحافة العراقية الكثير من المفاهيم المشوشة عن مهمة فنان الكاريكاتير وحضوره الاعلامي ، وافقد هذا النوع من الرسم خاصية الانسجام المتبادل بين الشكل والمضمون ، وعرّض اسلوب الرسام وتوجهاته الفكرية للتقلبات تبعا لتقلب ( اصحاب ) الجرائد او تقلبه بينهم ) ،.
هنا وجدتني اتوقف عند هذه الملاحظة وتأثيراتها ، لكن الحميري قال : ( قد يكون الامر مقبولا ومبررا إلى حد ما في الخطوة او الخطوات الاولى خاصة ان هذه الظاهرة كانت ( وما زالت ) معروفة في بعض أروقة الصحافة العربية عموما ، بشكل غير معلن حينا ومعلن حينا آخر ، إلا ان العدوى لم تتوقف عند عتبة السنوات الاولى ، وانما اخذت بالانتقال من جيل الى آخر ، حتى وصلت بعض فايروساتها إلى الفيتنا الثالثة ، إذ يكفي أن نتفحص بعض رسوم اليوم لنقف بسهولة على فكرة رئيس التحرير او محرر الصفحة متنكرة في تلافيف هذا الرسم او ذاك ، بل ان بعض الرسامين كان يرسم الفكرة من دون ان يعرف معناها ، فقد اتصلتُ يوما من تسعينيات القرن الماضي باحد الاصدقاء من رسامي الكاريكاتير، مستفسرا عن فحوى الرسم الذي رسمه واثار الكثير من اللغط والتساؤلات حول الوجوه التي ظهرت فيه ومن بينها ( وجهي ) ، فأجابني بصريح العبارة بانه لا يعرف المقصود منه ، واضاف وصلتني الفكرة مكتوبة واعدتها إليهم مرسومة !! وحدثنا الكاتب والصحفي ليث الحمداني عن حادثة وقعت في ستينيات القرن الماضي حين طلب رئيس التحرير من رسام الكاريكاتير (الفنان حميد المحل على الأغلب ) تجسيد فكرة بسيطة لتكون غلافا للمجلة تتمثل بشخصية رئيس الوزراء وهو يصعد نخلة عراقية شامخة ويشذبها من ( الكرب ) القديم ، وهي فكرة تنطوي على اشارات ايجابية لا تثير الريبة ، وحين ظهر الرسم كان رئيس التحرير قد تصرف باعتباره ( صاحب !) الجريدة و كتب على ( الكرب ) المتساقط اسماء بعض الوزراء .. وتعليقا آخر في أسفل الرسم لا يقل توريطا في تجاوزه ( للسقف ) المتاح حينها ، مما فاجأ الرسام وعرّضه للحرج والجرجرة القانونية) .
وحين طلبت منه ان رأيه في احوال الكاريكاتير العراقي قال :( لقد نجح رسام الكاريكاتير العراقي مبكرا في التمرد على املاءات الآخرين ، واصر على تجسيد افكاره ورؤيته الخاصة بعيدا عنها ، وكان الفنان غازي عبدالله من ابرز الكاريكاتيريين الذين رسموا سيرتهم الفنية باستقلالية وتحرر واضحين ، وحتى حين كان يرسم افكار الآخرين فانه يعالجها بطريقته المميزة ، وجاءت ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بجيل جديد من رسامي الكاريكاتير المميزين ، كان من الصعب تلقينهم أو التعاطي معهم بالطريقة اياها ، فنوعوا بالتوجهات والرؤى والأساليب وأحدثوا حراكا كاريكاتيريا مشهودا نتجت عنه تجمعات ومعارض ومطبوعات ، و تم على أيديهم تصحيح الكثير من مفاهيم التشويش والتهميش ).
وبعد لحظات من التأمل كأنه يسترجع الازمنة التي مر بها رسامو الكاريكاتير ، اضاف الحميري قائلا : (غير ان رسام الكاريكاتير في العراق شأنه شأن العديد من الكاريكاتوريين في دول العالم ( الخائف ) ظل مشغولا منذ التاسع والعشرين من ايلول عام 1931، والى ما بعد منتصف العقد الاول من الالفية الثالثة ، بمتانة السقف الذي يرسم تحت ( رحمته ) ، فقد جرب خلال مسيرة الـ ( 76 ) عاما الرسم تحت سقف مرتفع في غرفة ضيقة !! و جربه تحت سقف بلا سقف في غرفة ( بلا جدران )..... ولا أمان ! ، وبين هذا وذاك كثيرا ما لملم أوراقه وانزوى جانبا ( نزولا ) عند رغبة سقف يطيب له أن يهبط أحيانا... إلى مستوى سطح الورقة !! ، وفي رمال السياسة المتحركة عادة ما كانت رسوم الكاريكاتير في الصحافة العراقية تصدح أو يخفت صوتها ، تتمدد أو تنكمش ، تصّرح أو تلمّح ، تشاكس أو تجامل ،يخف أو يثقل دمها ، تعدو أو تحبو حسب ( معطيات المرحلة ومتطلباتها الخطيرة ) ، ومآل رسام الكاريكاتير وسط هذه الثنائيات هو البحث بلا كلل عن أيما فرجة في السقف كيما يمد قامته على طولها ، فينجح مرة و ( ينطح ) السقف مــرات ) !!،
وكان علي ان استطلع رأي فنان شاب وجدت الفنان علي عاتب لأسأله فقال : ( بما ان جميع الفنون تلتقي على خطى الابداع للوصول الى غايتها لعكس حالات عامة او خاصة ولتكون شاهدا على احداث عصرها ، وفن الكاريكاتير من ابرز الفنون القادرة على عكس الاحداث في لوحات نقدية او ساخرة تخاطب الجميع من الناس على اختلاف اطيافهم ومستوياتهم الثقافية وعلى مختلف لغاتهم لتكون اوسع انتشارا من سواه من الفنون ولتكون في متناول الجميع لما يحتويه من لغة شفافة قابلة للتأويل حسب رؤى القارىء ويتناوله السياسي لما يحتويه من نقد لاذع ويتناوله الصغير والكبير لما يتناوله من خطوط ساخر تختزل فكرة عميقة) ، واضاف علي : (الكاريكاتير مسؤولية الفنان تجسيد معاناة الناس ووضعها على طاولة العالم اجمع ثم على طاولة المسؤولين ، كذلك نقد الحالات السلبية في المجتمع ) ، واستطرد قائلا : الكاريكاتير العراقي رغم كل الظروف استطاع ان ينمو وان يثمر رسوما ورسامين ويصبح شجرة وارفة الظلال تتحدى الخريف والشتاء وتثمر اطيب الثمر ، ومازالت تعيش حياتها بكبرياء الاعوام الطويلة من عمر الكاريكاتير الذي عيده يجعلنا سعداء بتاريخه وبالاسماء اللامعة التي وهبت ابداعها لهذا الفن الراقي .