غــازي الرســام: هذه  طريقتي في الرسم

غــازي الرســام: هذه طريقتي في الرسم

تركت الرسم الكاريكاتيري أكثر من عشرين عاماً وأنا غير آسف.. فمزاولة الرسم بالنسبة لي هواية وليست مهنة.. وبدايتي كانت مجرد رغبة في العمل الصحفي أقترحها علي أحد الأخوان في إحدى الدوائر الرسمية التي كنت أعمل فيها.. ومما زاد في دفعي للعطاء في هذا المجال هو تشجيع صاحب المجلة ونشره المزيد وبشكل متواصل حتى وجدت نفسي أمام واجب اسبوعي..

 ومن هنا كانت بدايتي في مجلة ((قرندل)) الاسبوعية عام 1947 والتي كان صاحبها وررئيس تحريرها السيد صادق الأزدي.
ولعل من أهم العوامل التي رافقت عملي هذا في أصالتها العراقية الشعبية الصميمية والتي كانت صحافتنا تفتقر إليها آنذاك. وكانت الكثير من الصحف والمجلات تعتمد على اقتطاع ما يحلو لها من الصحف العربية والأجنبية لسد بعض الفراغات وتكملة أبواب الصحيفة ومما زاد في دفعي هو التعويض المادي الذي وجدت فيه تقديراً آخراً علاوة على طابع الصحيفة الشعبي الذي يتفق وطبيعة الرسوم اليت أتعامل معها.
وبعد استمراري بالعمل صارت رسومي تنشر في عدة صحف ومجلات اسبوعية كثيرة.. أذكر منها بالإضافة إلى مجلة قرندل كانت قزموز والحصون وابن البلد والعدالة وجفجير البلد والعصا والآراء والمصور وجريدة الجريدة ولواء الاستقلال وبريد الجمعة والنداء الاجتماعي وجريدة مجلة الاسبوع.. الخ.. وكانت الكثير من هذه الصحف أو المجلات معرضة للغلق والغياب بين حين وآخر لأسباب مادية أو صحفية.. وقد تعاود الصدور باسم جديد وامتياز جديد لتكملة مسيرتها.. وكانت أجور الرسوم وحفر كلائشها يرهق ميزيانية بعض الصحف أو المجلات الأمر الذي يدفعها في كثير من الأحيان أن تعزف عنها أو تضطر إلى إعادة نشر بعض الرسوم والصور بشروحات مغايرة وتعليقات جديدة لا تمت إلى الصورة بشروحات اقتصداً بالنفقات أو لمجرد سد الفراغ، على الأخص وإن انجاز الكلائش أمر يتطلب له وقت لعدة ايام بسبب ظروف ومراحل التقنية آنذاك.
بعض أصحاب الصحف يعتبر الكاريكاتير مسألة كمالية ترهق مالية الصحيفة وقد عمد أحد اصحاب الصحف في أواخر الأربعينيات إلى تزويدي بقنينة حبر صينين وريشة من كيسه الخاص حتى يقلل من أجور الصور التي يدفعها، وصحفي آخر يقتطع صورة من جريدة أو يستحوذ على كليشتها من المطبعة فيعيد طبعها بتعليق وشرح يبتكه مدعيّاً أنها أعجبته.. وأن نشرها سيحقق دعاية لي!!... كل ذلك حتى يتملص من دفع نفقات الرسم والكليشة علماً أن بعض المطابع كانت أشبه بالخانات تحتوي على غرف متعددة. وفي كل غرفة إدارة لصحيفة ما.. وللتاريخ الصحفي أقول أنه كانت لإحدى الصحف الاسبوعية إدارة في غرفة داخل مقهى شعبي!!
كانت الرسوم الكاريكاتورية تطلب لغايتين.. للمدح أو للانتقاد.. ولكن هناك من لا تزجد له رغبة في مشاكل كنت في غنى عنها وجعلني أترك الرسم نهائياً وعلى الأخص السياسة منها/ مكتفياً بممارسة الأفكار الفنية والاجتماعية فأصدرت في حينها مجموعتين عن الأغاني والأمثال الشعبية العراقية مع بعض اللوحات الاجتماعية خلال سنة 1957 وسنة 1960. الكاريكاتير فن صحفي ناقد لاذع أشبه بالسوط فعند تأسيس أي كادر لصحيفة انتقادية اجتماعية أو سياسية يوضع رسام الكاريكاتير على رأس القائمة ومن هنا تكون أهمية الرسام وقوته الفنية سلاحاً من أمضى الأسلحة الصحفية، ولكن من يقبل الانتقاد؟! البعض يعتبر الانتقاد نوع من الذم والاهانة والسخرية وبسبب هذا الاعتقاد يظهر عليه الاستياء وعدم الرضى فيستعمل صلاحياته ويبذل جهوده في سبيل اخماد جذوة هذه الصراحة الفنية متهماً إياها بالقباحة أو الوقاحة الأخلاقية..
الإنسان العراقي يحب النكتة الى حد ما يشرط ان لا يكون ضحيتها، فكم من حفلة سمر أو عرس أو جلسة خلان بهيجة تقلب الى مأساة بسبب نكتة ساخرة يطلقها أحد الحاضرين، فأي نكتة يعتبرها سخرية تحظ من كرامته، لذلك يستوجب على الرسام أن يتجنب الوتر الحساس عند التعامل مع الناس.
طريقتي في الرسم
المعروف عن الرسم الكاريكاتيري ان تكون خطوطه قليلة ومعبرة وشرح قصير والرسم لغة عالمية عندما يكون خالياً من الشرح والتعليق ولكنني ارسم هنا بشكل موسع لانني ارسم ابن الشعب ولغرض فهمه اعلامياً كان علي ان ازيد من تفاصيل الصورة والشرح ولكي اجعله يتابع الفكرة ويبتسم لها فيجب ان اضيف الى الرسم كل ما هو ساخر ومضحك فاخرج له لوحة متكاملة الجوانب يعتز بها فيقضها من الجريدة بعد اكمال قراءتها.
الكثير من الفنانين يتعامل مع الصورة وكان القارئ ان يكون فناناً وصحفياً في وقت واحد فيرسمها بشكل سطحي مختصر ويترك الباقي الى تقدير المواطن الذي يقرأ الصحيفة.
في اللوحات التي اعدها امزج ما بين الرسم التعليمي الأكاديمي والرسم الكاريكاتيري الساخر  علاوة على تفصيلات إضافية لها علاقة بالفكرة الأصلية بحيث تبعث على على الابتسام والضحك ولتشد القارىء اليها كلما وجد شيئا جديدا فيها مزودا بخبر وارد وشرحا وافيا فانا ارسم للجندي والعامل والفلاح والتلميذ وربة البيت وغيرهم وكذلك اجد نفسي مضطرا الى الاكثار من تفاصيل الصورة والشرح لتكون الصورة معبرة عن الغاية التي نشرت من اجلها .
مقدمة المجموعة الثالثة لمرسوم غازي