عندما حل الرسام غازي ضيفا علينا

عندما حل الرسام غازي ضيفا علينا

رضا حسن
ذات مساء شتائي وفي اوائل سنوات الستينيات ببغداد دخل خالي الى بيتنا وهو يحمل بين يديه كراساَ صغيراَ وقال لشقيقي الأكبر: (لقد جلبت لك كراس الرسام غازي من شارع المتنبي والذي كنت تبحث عنه منذ فترة) قفز أخي من على الأريكة واخذ الكراس بعد أن شكر خالي وصار يقلب صفحاته بفرح عارم. صادف ان كان بيتنا في ذلك اليوم يعج بالضيوف من الاقرباء

 فلاحظت ان الكثير منهم انضموا الى اخي وهم يشاهدون صفحات هذا الكراس العجيب الذي حول جو تلك الامسية الى عالم مختلف..! السعادة والفرح غمر المكان بصورة مفاجئة وشيء اشبه بالسحر!!
بدأت نوبات من الضحك والقهقهات الطويلة تعلو المكان,  كنت اراقب وجوه الكبار بدهشة فتعابيرها هي نفسها عندما يشاهدون احدى افلام (لوريل وهاردي  اوشارلي شابلن) مالذي حدث لهم ؟ كنت أسمع احدهم يقرأ الأمثال الشعبية العراقية او  مقاطع الأغاني العراقيه الشائعة في صفحات هذا الكراس  لينفجر المتحلقون حوله بعدها بضحكات قوية لدرجة ان بعضهم يذرف الدموع من شدة الضحك!! كنت اشاركهم الضحك والفرح بصورة تلقائية ولا اعرف مالذي حدث؟ الجو العام تحول من حالة الوقار والجديه الى حالة من المرح , لقد أثارني فضول كبير لمعرفة سر السحر الذي يكمن داخل هذا الكراس الصغير!! كان الغلاف على ما أتذكر باللون الأصفر والبنفسجي والأبيض والأسود وعليه بعض الرسوم.  مسكته بلهفة بعد الحاح وتوسل طويل مني لأن الكل ينتظر دوره لأجل التبارك برؤية رسومه الكاريكاتيريه المضحكة.  تصفحته على عجل لعلني أجد ضالتي المنشودة, لقد كان يخلو من الالوان ولكن اثارتني تلك الأشكال الآدمية الكاريكتيريه: انوف كبيرة وطويلة  عليها بعض الشعيرات.. عيون مبحلقة.. شخصيات بعضها بدين جدا والأخر  نحيل.. رجال ونساء ذو أشكال غريبة  بملابس بغدادية تقليدية واخرى بملابس ريفية او كوردية,  أمّا التعليقات أسفل الصور فلم أتمكن من قرأتها لكوني  طفلاً في الصف الأول الابتدائي على ما أذكر. ما شاهدته للتو من رسوم,  شيء اخر يختلف كثيرا عن تلك الرسوم التي في مجلة سمير او مجلة ميكي التي كنت اتابعها بشغف واجمع نسخها في درج خاص مقفل بمفتاح. هذه الرسوم تختلف كثيرا.. فلا وجود لتلك الألوان الزاهية كما في مجلات الأطفال,  ولكنها رغم ذلك كانت جميلة ومضحكة,  فالأشكال والناس الذين شاهدتهم بتحويرات كاريكاتيريه تشبه تماما الناس الذين كنت أراهم في الشارع والأحياء الشعبية والمقاهي والأسواق وفي المحافظات (الالوية كما كانت تسمى في ذلك الزمان) وفي كل مكان.  حتى الكلام  تحت الصور هو نفسه الذي نتداوله في البيت والشارع والذي يختلف عن كلام الكتب المدرسية والمجلات والافلام المصرية التي اشاهدها  في التلفزيون!  حيث لم أكن اعرف حينها الفرق بين الكلام الفصيح والكلام الدارج.
صار ولعي شديداَ بهذا العالم الفاتن الذي يضحك الناس ويدخل الى نفوسهم المرح والسرور, ليتحول هذا الولع  بسرعة الى رغبة عارمة لتقليد تلك الرسوم وامتلاك  نفس القوه السحرية التي ترسم الضحكة والابتسامة على وجوه الاخرين. كنت معجباً كثيراَ بأشكال ( الشقاوات) المضحكة التي يرسمها غازي بطريقته المبدعة: شوارب طويلة مفتولة , وجه صارم عليه آثار الشجار وطعنات السكاكين, طاقية على الرأس والتي يسميها البغداديون  بـ (عرقجين عصفوري),  صدر منتفخ بغطرسة إلى الأمام,  عضلات مفتولة عليها وشم على شكل عقارب أو قلوب تخترقها السهام .. كوفية (شماغ) طويل على الكتف, سكين او مسدس في الحزام.  ويحتذي الشقي نوع من الخف الشعبي المعروف بالگيوة . مرت الأيام والأعوام وبقى هذا الحلم يراودني (كيف اصبح مثل الرسام غازي وأُضْحك الكبار واحوّل الأجواء الحزينه الى اجواء مفرحة كما حدث في بيتنا ذلك المساء؟) لقد حاولت تكرار ونقل هذه الرسومات باسلوبي البدائي  البسيط بقلم الرصاص وكنت أجلس لساعات ارسم دون أن اجد من يشجعني على جهدي لا في البيت ولا في المدرسة. اتذكر كيف كانت والدتي الغالية تنهرني وتقول:( لك كوم اقره دروسك وواجباتك احسن من هالتشخبط الما يوكل خبز ....) لكني لم اكن استسلم لكلامها وكلام الاخرين.

 لقد كانت تلك التجربة, وذلك الكراس السحري العجيب, هو أول لقائي مع  الرسام غازي ولقائي بعالمه الذي كان المحفز والمشجع لي لدخول عالم الكاريكاتير. بعدها صرت اتابع اصدارات هذا الفنان من كراسات كاريكاتيرية رائعة,  فقد شاهدت له ثلاث اخرى, احدها عن ثورة الرابع عشر من تموز وقيام الجمهورية العراقية بقيادة الزعيم المرحوم عبد الكريم قاسم الذي كان ولازال اقرب الى قلوب كل الطيبين من ابناء الشعب العراقي.
 بعد ذلك اختفى اسم الرسام غازي عن الساحة الفنية بعد الانقلاب الفاشي الغاشم ضد الزعيم في اليوم المشؤوم من الثامن من شباط 1963 وكان نصيب الفنان غازي كنصيب أي وطني وتقدمي ومحب للعراق وللزعيم المرحوم من الاضطهاد والسجون والتعذيب. لم نعد نرى نتاجات غازي ورسومه الجميلة بل اختفى عن الساحة الفنية تقريبا الا ببعض ما كان ينشره  في مجلة الفكاهة والمتفرج.  وتوجه غازي بعد ذلك  للتصاميم التجارية والخط العربي لاجل توفير لقمة عيشه, واعتقد انه ترك فن الكاريكاتير بعد ذلك وعلى الأغلب لأسباب سياسية. كان اخر ماشاهدته له  في بدايات السبعينيات عن طريق الصدفة هو ملصق جداري (بوستر) عن القوة الجوية العراقية بتوقيعه المميز المألوف الذي ترسخ في الذاكرة! , لقد تألمت وانا اشاهد توقيع هذا الفنان العملاق على عمل تجاري متواضع بعيدا عن فن الكاريكاتير  الذي اعتدنا عليه كل هذه السنوات الطويلة!. بعدها لم يعد أحد يسمع أو يشاهد أي شيء عن هذا الفنان الأصيل الذي كان المثل الأعلى للكثير من فناني الكاريكاتير العراقيين وحتى العرب . لقد انطفأ ذلك الضوء الباهر برحيل هذا الفنان الرائد في عام 1999 ولكن شعاعه بقى  ينير ضمائر وقلوب كل محبيه ولا زالت اعماله الفنية الرائعة  مدرسة عراقية بحته يقتدى بها الكثير من الفنانين لحد الآن.  رافقني كراسه السحري حتى كتابة هذه السطور منذ  قرابة 46 عاما.  لقد أصبح لون صفحاته البيضاء بنياً وصارت  بعض الأوراق مهترئة, واخرى مفقودة,  أماَ الغلاف فلا اعرف ماحل به. بقى هذا الكراس يشدني  بحنين وحب غريب لتلك الأيام السعيدة.. ايام الطفولة.. لقد اصبح شاهداَ عليها رغم شيخوخته.  حاولت بعد جهود طويلة اعادتة للوجود مرة اخرى وانقاذ ما اتلف الدهر منه على الرغم من ان ورقه التالف صار يسبب لي نوعاَ من الحساسية والزكام وحرقة في العيون. لقد قررت اعادة ذكرى مثلي الاعلى لكي ارد الجميل الى الفنان الذي لا يمكن نسيانه,  فبسببه وبمساعدته حققت حلمي القديم وصارت رسومي الكاريكاتيرية تدخل قلوب الناس في كل العالم مثل المرحوم غازي, ولم انس قط ذلك المساء السعيد الذي حلّ به الرسام غازي ضيفا علينا لأول مرة.