تاريخ جامع السراي

تاريخ جامع السراي

عماد عبد السلام رؤوف
هو من جوامع بغداد الواغلة في القدم، العتيقة البنيان، بناه على ما ترجح الخليفة العباسي الناصر لدين الله في فترة خلافته الممتدة بين سنة 575 هـ وسنة 622 هـ مقابل سوق العميد في محلة من كبريات محال بغداد في ذلك الحين يقال لها محلة سوق السلطان (نسبة الى السلطان ملكشاه السلجوقي) وكانت قريبة من باب السلطان الذي هو باب المعظم الحالي، تقارب دجلة غربا،

 وتتصل بمحلة الجعفرية شرقا وبمحلة نهر المعلى جنوبا والمدرسة المستنصرية وان كانت قرب الحظائر في محلة سوق الثلاثاء، وذلك يعني ان محلة سوق السلطان هذه اشتملت قديما على ارض اكثر محلة الميدان والبارودية وثبة الكرد والقرغول والحيدرخانة وجديد حسن باشا.
قال المؤرخ يوسف سبط ابن الجوزي (المتوفى سنة 654 هـ) في ذكره لعمارات الناصر لدين الله ما يأتي "ذكر عماراته: رباط الاخلاطية والتربة ورباط الحريم ومشهد عبيد الله وتربة عون ومعين عند تربة الخلاطية، وتربة والدته والمدرسة الى جانبها والرباط المقابل لها الذي كان دار والدته ومسجد سوق السلطان (وهو جامع السراي المقصود) ورباط المرزبانية، ودور المضيف بالمحال ودار ضيافة الحاج، ودار المستاة.. وغرم على هذه الامكنة مولا جليلة.. الخ".
وقد اخطأ الصلاح الصفدي بان ذكر هذه العمارات (ومنها مسجد سوق السلطان المذكور) في ترجمة الظاهر محمد بن الناصر لدين الله، والسبب في ذلك خلطه بين ترجمة الناصر وترجمة ابنه الظاهر. وقال المؤرخ ابو طالب علي بن الجد، المعروف بابن الساعي (المتوفى سنة 674) ما يأتي "وفي شهر ربيع الاول من سنة ثلاث وستمائة المذكورة رتب عبد السميع بن عبد العزيز بن علان المقرئ بجامع واسط مع خاله ابن الدباس ورتب خاله المذكور مقرئا بالمسجد الذي انشأه الامام الناصر لدين الله – رض – بسوق السلطان".
وفي سنة التالية لوفاة الخليفة الناصر، اقام ابنه الظاهر بامر الله الذي تولى الخلافة سنة واحدة (622 – 623 هـ) (1225 – 1226م) واشتهر باعماله العمرانية كقيامه بعمل جسر بغداد باتمام ما بدأ فيه ابوه، فنقل الى المسجد المذكور الكتب النفيسة والمصاحف الشريفة حتى غدا اية في الجمال والكمال. وقد دام هذا المسجد على ذلك حتى ما بعد سقوط بغداد سنة 656 هـ على ايدي المغول: فنجد ان مؤرخ العراق ابن الفوطي يذكر في ترجمة الامام الخطيب محي لدين الحسن بن محمد بن سعيد البغدادي انه كان اماما بمسجد الناصر المذكور قال "شهد عند قاضي القضاة عماد الدين الزنجاني سنة احدى وسبعين وستمائة، وكان اليه الخطابة بجامع بهليقا والامامة بمسجد الناصر المقابل لسوق العميد، توفي في المحرم سنة اربع.. (كذا) ومولده سنة خمس.. وستمائة (كذا)"
ويفهم مما ذكره نفس المؤرخ ان في المسجد المذكور جهة خاصة بتعليم الصبيان. قال في ترجمة عفيف الدين ابو البدر محمد بن عبد الرحمن بن محمد الاربلي الكاتب النحوي ما يأتي "قدم بغداد واستوطنها، وكان مليح الخط حسن المعرفة بالعربية وسكن بمسجد الامام الناصر لدين الله المقابل لسوق العميد وكان يعلم الصبيان، وسافر الى دجيل وكتب عن القاضي بها رأيته واجتمعت به وكتبت عنه وكان دمث الاخلاق كتب لي بخطه من شعره سنة 683" والظاهر لنا ان مسجد الناصر او مسجد سوق السلطان هذا هو الجامع المعروف اليوم باسم جامع السراي او جامع جديد حسن باشا، وهو الظن الذي افتتحنا به هذا المقال، يدفعنا الى ذلك ما نقله الاستاذ الباحث عباس العزاوي من كتاب جامع الانوار في مناقب الاخيار لمؤنفه مرتضى ال نظمي عند كلامه عن الامام الناصر موضحا ان لهذا الامام تربة متصلة بهذا الجامع وانه لا يزال على ايامه (اي في سنة 132 هـ او 1136 هـ وهي سنة وفاة المؤلف مرتضى) وهذا القول على خلافه مع بعض التواريخ الاخرى، كتاب الذهل المسبوك للاربلي وفيه ان الناصر دفن بترب العباسيين بالرصافة "اي الاعظمية") فانه يدل على ان الناس كانوا يعتقدون ذلك اعتقادا راسخا وهو اعتقاد يظهر مدى العلاقة بين الناصر وبين الجامع المذكور، فلعله بانيه ان لم يكن قد دفن فيه فعلا، وفي النسخة المعربة التي بين ايدينا من كتاب جامع الانوار هذا – تعريب وزيادة الشيخ عيسى البندنيجي المتوفى سنة 1823 – ما يختلف عن ما نقله الاستاذ العزاوي بعض الاختلاف اذ جاء فيه ما يأتي "ومنهم الشيخ ناصر الدين عليه الرحمة. هكذا ذكره المؤلف بلقبه ولم يسمه، وقال لم نر مناقبه في كتب التاريخ ولكن أخبر بعض الاخيار انه من السادات الكرام ومن المشايخ ذوي الاحترام ومعتقدي اهل زمانه من الانام، مدفنه في الجامع السليماني (وهو جامع السراي كما سيأتي) قرب دار الامارة" وفي كتاب "غاية المرام) لياسين العمري الموصلي ما يشبه هذا ونصه "مرقد ناصر الدين في بغاد في جامع حسن باشا" وليس (ناصر الدين) هذا – كما يبدو – الا تصحيف او تحريف لاسم (الناصر لدين الله) الخليفة العباسي الشهير.
اما العمارات والاصلاحات التي اجريت على الجامع المذكور فاولها – فيما نعلم – الاعمار الذي قام به السلطان العثماني سليمان القانوني بعد فتحه لبغداد في جمادي الاولى سنة 941 هـ (1533 م) ومن اسمه كتب الجامع اسمه فقيل له السليماني او السليمانية نسبة اليه. وفي سنة 1067 هـ قدم الرحالة التركي اوليا جلبي فوصف الجامع بقوله "وفيه منارة ويقع امام باب السراي (دار الحكومة) .
وفي عام 1094 الهجرة جرت ثاني عمارة على هذا الجامع، قام بها والي بغداد الوزير ابراهيم باشا الذي تولى الولاية في جمادي الاولى سنة 1092 هـ (1681م) وعزل عنها في شوال من سنة 1065 (1684م) وكان شابا استطاع القضاء على عصيان حدث في حاميته وناديب شرطة المدينة المنفسخة الجائرة كما اشتهر بخدماته العمرانية العامة كتعميره لجامع السيد سلطان علي وانشائه سياجا (طرابزينا) للجسر العالم ، وتجديده لجامع لسراي المذكور تجديدا شاملا رصينا، وقد اخذ ذلك شيخ الطائفة المولوية المدعو (يحيى دده) فكان سنة 1094 هـ.
وبعد قرن من الزمان قام الوالي العثماني الشهير حسن باشا فاتح همدان (1192 – 1194 هـ) (1778 – 1780م) بتعمير الجامع تعميرا واسعا كاملا فصار يسمى بجامع جديد حسن باشا تمييزا عن جامع الوزير حسن باشا الذي هو اقدم منه والمسمى بجامع الوزير قال المرحوم سليمان فائق في كتابه المخطوط "حروب الايرانيين" اثناء الكلام عن الوالي المذكور "ثم عمر رصيفي جسر بغداد من الجانبين، وانشا جامعا فسيحا اما السراي ومدرسة جديدة واوقف عليهما ملاكا كثيرة ابتاعها لهذا الغرض فسجلت باسمه ومحق البدع والمحدثات المضرة بالاهالي والتي لم تكن عائدة الى الخزينة ".
في صورة تخطيطية رسمها احد السياح الاجانب الذين زاروا بغداد سنة 1827 م يظهر للجامع بابان سامقان تحيط بهما الافارير المزخرفة ويصعد اليهما بسلالم صغيرة، وبينهما سبع نوافذ عالية ايضا تتوجها زخارف في غاية الجمال والدقة، وفوق البناء قباب فارسية الطراز ذات رؤوس مستدقة، وفي اخر الجامع تلوح مئذنة رشيقة ذات شرفتين لا تقل عن سائر البنيان دقة وجمالات.
وقد وصف المسجد المذكور في اوائل هذا القرن علامة العراق المرحوم محمود شكر الالوسي في كتابة "مساجد بغداد واثارها" فقال "هو من المعابد الشهيرة في الرصافة واقع امام دار الحكومة، وكان مسجدا صغيرا ، فلما اشرف على الخراب عمره ابو المعالي حسن باشا ايام ولايته على بغداد وزاد فيه وصرف مبلغا وافرا على عمارته. وهو رصين البناء متين القواعد والاركان فيه مصلى شتائي واسع جدا وعليه قباب رفيعة معقودة بالجص والاجر وليس فيه زخرفة ولا نقوش وعن شرقي المصلى قامت مئذنة شامخة مبنية بالحجر الكاشاني الملون، وامام المصلى رواق واسع وفي فناء الجامع مصلى صيفي عن يمين الشتائي اي في غربيه، وفيه مدرسة رتب لها مدرس واحد ومحل للتوقيت، وحجر يسكنها خدام الجامع، وله خمسة ابواب يسلك منها المصلون وتقام فيه اليوم الجمع والاعياد وسائر الصلوات المكتوبة".
وفي الايام الاخيرة جرت على الجامع المذكور عدة تغييرات وتعميرات طفيفة، منها ان غلقت احدى ابوابه المفضية الى الزقاق الذي خلفه، ومنها ان الغيت جهة التدريس التي كانت فيه. وفي عام 1927 قامت دائرة الاوقاف بترميم بعضه، وفي عام 1932 م انتقلت اليه الدائرة المذكورة شاغلة بذلك القسم الغربي من فناءه.
والمسجد اليوم مغلق بسبب الاصلاحات فعسى ان يعود كما كان تحفة من تحف الزوراء الفنية ومعبدا من معابدها الدينية.