نص نادر.. تاريخ الديوانية يكتبه شيخ عشائري

نص نادر.. تاريخ الديوانية يكتبه شيخ عشائري

د. حسين علي محفوظ

قد يظن الاكاديميون ولاسيما الجدد منهم في بدايات الطريق ان البحث وقف على المختصين الجامعيين، وان المعرفة لا تتجاوز طلبة العلم المنهجيين، وان خريجي المدرسة الجديدة وحدهم هم العلماء والادباء، ولا ادري لعل الحدود بين الناس والفروق غير الطبيعية بين هذا الجيل وذاك هي التي صنعت هذه الاعراف.

والحق – ان في العامة من الخبايا امثلة قد لا يوجد نظائرها في الخاصة، وان بين العوام من لا تظفر باشباهه في غير قليل من جماةع العلماء احيانا، واهم ما تحسه في المحيط العامي جو يخلو من المظاهر الفتالة التي قد تشبه الحسد تسيطر بعض الاحيان على العلماء ويحب بعضهم ان يعتبر هذه الظاهرة من صفات من ينتسب الى العلم في القديم والحديث.. وامثلتها كثيرة اليوم وبالامس.

اخرج العراق العظيم – على كل حال – من العامة والخاصة، من هؤلاء واولئك انموذجا صالحا يفخر به الفاخر ويعتز به المتمثل.

ولعل من خيار اولئك – اعني غير المنهجيين من الباحثين المطلعين المتتبعين الافاضل – المرحوم الحاج وداي العطية.

ولد (رحمه الله) في الشامية سنة 1310 هـ (1892م) وانه سكن كربلاء في مطلع العقد الخامس من القرن الماضي، منذ سنة 1361 هـ (1942م)، وان نسبه هكذا: "الحاج وداي عطية آل غضبان آل مشيمش"، وكلمة (آل) ولفظة (آل) و(ابن) بمعنى واحد عند عشائر الفرات والجنوب.

وهو من رؤساء الحميدات في قضاء الشامية، ومن اهم عشائر هذه البلدة الاخرى: بنو حسن، وآل علي، وآل بدير، وآل فتلة، والكرد، والعوابد، وآل شبل، والخزاعل، وآل زياد، وكعب، وجبشة، وآل عياش، وبنو سلامه، وخفاجة، اضافة الى السادات وهم (29) بطنا وعشيرة.

سكنت الحميدات ارض الرغيلة وما يجاورها في الشامية منذ زمن غير قرب، وهم من بني مالك القبيلة العربية المعروفة في تاريخ العراق والمنتفق المعرفة في الاصالة والنسب والمشيخة. وقد ذكر (بني مالك) العلامة المحقق المؤلف العبقري النسابة المرحوم السيد مهدي القزويني المتوفي سنة 1300 هـ في كتبه (انساب القبائل العراقية).

وقد ذكر (بني مالك) ايضا المرحوم الاستاذ المحامي المؤرخ الباحث عباس العزاوي في الجزء الرابع من (عشائر العراق) كما خصص فصلا للحميدات اشار فيه الى آل مشيمش من بيوتات الرئاسة، والاخوة الاربعة الاعلام الاعيان الرؤساء من هذا البيت وهم الحاج وداي واخوانه المشايخ الكرام الحاج رايح، والحاج سوادي، وابا ذر، وعبد الكاظم.

كان المرحوم الحاج وداي علامة نسابة راويا واعيا محيطا بالاخيار والروايات والنقول والنصوص والقصص والانساب والسلاسل والطبقات والوفيات.

روى الحاج وداي جانبا من الاخبار والحوادث والمعلومات عن العديد من المعمرين والمطلعين والمتتبعين احصى منهم في آخر تاريخ الديوانية (95) رجلا. ذكر اسماءهم وانسابهم وامكانتهم واعمارههم وحدد تواريخ وفياتهم. وهو فصل في غاية الاهمية ونهاية الامتاع.

الف الحاج وداي عدداً من الكتب المهمة عرفت منها تاريخ (الحوادث والوقائع المهمة في الفرات) و(عشائر الفرات) و(مشجرات العلويين ورؤساء العشائر في الفرات) و(العشائر والاسر العلوية في الفرات) وكتاب (وفيات الرؤساء والزعماء) ومجموعات مشجرة في الانساب في مجلدات ودفاتر كثيرة ضخمة، وقد طبع من مؤلفاته كتاب (تاريخ الديوانية قديما وحديثا) سنة 1954 في 396 صفحة، وكراسة (على هامش العراق بين احتلالين) في نقد الجزء الخامس من كتاب (تاريخ العراق بين احتلالين).

اهتم الحاج وداي العطية بالفرات، والفرات يمثل جانبا مهما جدا من تاريخ الامة وتاريخ العراق وحضارة العراق. وقد فاز سكانه بمعانقة البادية والجزيرة والصحراء. وهو صلة العراق بجزيرة العرب ام العراق. وقد قامت على ضفتيه عشرات المدن والقرى المباركة والبلدان يعود تاريخ بعضها الى تاريخ العراق القديم. ويعود بعضها الى بدايات الفتح وايام الدول العربية والاسلامية.

تعتبر مؤلفات العطية في تاريخ الفرات مخازن عامرة بالمعلومات وارشيفا حافلا بصور الوثائق والاسانيد والتواريخ، وبحورا زخارة تطمو بالاخبار وتزدحم بالحوادث والمعارف والنقول يحتاج الباحث والدارس والمتتبع والمؤلف والمؤرخ الى كل حرف والى كل سطر والى كل فقرة فيها.

والحق ان كتاب (تاريخ الديوانية) يعد انموذجا كاملا للتواريخ المحلية، وقد ملأه المؤلف بسيل من المعلومات لو ان جماعة من الباحثين فرغوا لها ما استطاعوا جمع بعضها في عشرات السنين.

استوعب الكتاب تاريخ البلد فحقق لفظة (الحسكة) اولا. وهي اسم الموضع الذي تقوم عليه (الديوانية) الحالية وبين اخبار الحسكة هذه في المصادر والمراجع، وبين ان الكتب وصفت الحسكة بانها من احسن ضياع العراق.

في سنة 1117 هـ، 1705م. وتابع تريخها اعتبارا من اول القرن الثاني عشر واليها بنسب (الشعر العامي) المعروف الذي يسمى (الحسكة).

يعود تاريخ الديوانية في هذا الكتاب الى زمن حمود آل حمد المتوفي سنة 1192 هـ، ويرجع تاريخ رئاسته الى حوالي سنة 1160 هـ و(الديوانية) في كلام الاعراب هي المضيف المبني بالاجر والطين، والمضيف عندهم لابد ان يتخذ من القصب والحصر.

وقد بين ان الاشارات الى الديوانية في الكتب والرحلات من سنة 1168 هـ - 1754 م. وكان اسمها الاول (ديوانية خزاعة) ثم جردت عن الاضافة واكتفى بلفظ الديوانية.

فصل المرحوم العطية تاريخ الديوانية في ايام الدولة العثمانيةن وفي زمن الاحتلال البريطاني، وفي العهد الوطني.

والحق – اني لم ار كتابا يقارب هذا الكتاب في كثرة المعلومات والوثائق والانساب والاخبار. ويمثل فصل الاسر والبيوت نهاية الدقة والاحاطة والاستقصاء والتتبع الشامل العميق.

واثبت المؤلف المصادر في قائمة مفصلة تحتوي على عشرات الكتب (المخطوطة والمطبوعة) والوثائق والتواريخ والمذكرات والمراسلات والمجاميع والمجلات والسالنامات والدواوين والجرائد القديمة والالواح والسجلات اثبتها في (835) فقرة فضلا عن اسماء الاشخاص الذين سألهم واخذ عنهم اطرافا من معلومات الكتاب.

وانا اتمنى ان تخص كل مدينة في العراق بكتاب مثل هذا الكتاب في الدقة والصدق والاحاطة والاستيعاب والمفاكهة والامتاع.

ومن الفوائد التي نقلتها عن الحاج وداي العطية ومن اوراقه تاريخ "سنة رزنة" وهو 1265 هـ) وتاريخ "سنة برشه" وهو (1288 هـ) والعرب – منذ القديم – يؤرخون بالايام والوقائع والسنين ومن ذلك عام الفيل، و(سنة الامر) وهي السنة الثانية من الهجرة لانه امر فيها بالقتال، و (سنة التمحيص) وهي السنة الثالثة من الهجرة، و(سنة الترفيه) وهي السنة الرابعة من الهجرة، و(سنة الاحزاب) وهي السنة الخامسة من الهجرة، و(سنة الاستئناس) وهي السنة السادسة من الهجرة، و(سنة الاستغلاب) وهي السنة السابعة، و(سنة الفتح) وهي السنة الثامنة، و(سنة حجة الوداع) وهي السنة العاشرة، و(سنة الوفاة) وهي السنة الحادية عشرة.

توفي الحاج وداي العطية (رحمه الله) ظهر يوم الاحد 14 شهر اب سنة 1983 عن 92 سنة.

وترك خزانة عامرة بنخبة من الكتب النادرة والمؤلفات المعتبرة، والمصادر القيمة، وعددا من المؤلفات النفيسة تحتوي على اصول مهمة جديرة بالاعتماد، ووثائق فريدة قمينة بالتوثيق.

ج. العراق 1958