في ذكرى رحيل رفائيل بطي في 10 نيسان 1956 بين الأب الكرملي وبطي

في ذكرى رحيل رفائيل بطي في 10 نيسان 1956 بين الأب الكرملي وبطي

رفعة عبد الرزاق محمد

وكان رفائيل بطي اول من تنبه لليقظة الادبية في العراق في مطلع القرن العشرين ووجه لها عنايته الفائقة، فاخذ يتابع احوال اعلامها وتقصي اخبارهم وكان تأليفه "الادب العصري في العراق العربي" عام 1923 مظهراً من هذا التنبه والعناية فقال في مقدمته: هذا كتاب جديد، اردت بتأليفه ابراز صورة مجسمة للادب العصري في العراق وتبيان الطريقة التي يتبعها شعراؤنا وكتابنا في نظمهم ونثرهم، فما احوجنا اليوم الى درس ادبائنا ونقد اساليبهم.. حينذاك يتضح الغرض الذي قصدت اليه في كتابي هذا.

لم يصدر من كتاب الادب العصري سوى الجزأين الاول والثاني من قسم المنظوم، والشعراء الذين تناولهم هم: جميل صدقي الزهاوي، معروف الرصافي، عبد المحسن الكاظمي، محمد رضا الشبيبي، محمد حبيب العبيدي، خيري الهنداوي، كاظم الدجيلي، علي الشرقي، محمد الهاشمي، عبد الحسين الازري، محمد مهدي البصير، محمد حسن ابو المحاسن، محمد السماوي، محمد حسين كاشف الغطاء، محمد باقر الشبيبي، عبد العزيز الجواهري. وقد كتب ترجمة الثلاثة الاخيرة من هذا الجزء بالجزء الثالث من قسم المنظوم، ولم يطبع هذا الجزء الى يومنا هذا ويضم الشعراء: احمد الفخري، رضا الهندي، عطا الله الخطيب، محمد مهدي الجواهري، ابراهيم منيب الباجه جي، شكري الفضلي، قاسم الشعار، منير القاضي، عبد الرحمن البناء، جواد الشبيبي.

اما القسم المنثور، الذي لم يطبع منه شيئاً، فقد ذكر في مقدمة قسم المنظوم ان القسم الثاني الخاص بالمنثور من جزأين (واستدرك فيما بعد انه من ثلاثة اجزاء)، ويضم: محمد شكري الالوسي، محمد حبيب العبيدي، رضا الشبيبي، جميل صدقي الزهاوي، محمد حسين كاشف الغطاء، الاب انستاس الكرملي، يوسف غنيمة، ابراهيم حلمي العمر، حسن غصيبة، باقر الشبيبي، علي الشرقي، عطا امين، عبد العزيز الجواهري، هبة الدين الشهرستاني، شكري الفضلي، ابراهيم صالح شكر، رزوق عيسى، الدكتور حنا خياط، سلمان الشيخ داود، سليمان فيضي، منير القاضي، علي الجميل..الخ

المنثور المخطوط

وقد بقي هذا القسم مخطوطاً بمسوداته لدى اسرة المؤلف الراحل، وذلك لاني رأيت الفصل الخاص بابراهيم حلمي العمر، الصحفي والكاتب الرائد وهو في مرحلة (المسودة) وقد استعرته من اسرة المؤلف الكريمة، اما الكتاب المُعد للنشر، فقد ذكر الدكتور جليل العطية (مجلة المكتبة ع 76 لسنة 1971) ان الدكتور داود سلوم سمع من رفائيل بطي سنة 1953 بحضور الدكتور ناصر الحاني والسيدة سافرة جميل حافظ، انه ارسل مخطوطة القسم المنثور من كتاب الادب العصري الى القاهرة لنشره وضاع هناك، ويضيف العطية انه عثر لدى الاستاذ فائق بطي (نجل المرحوم رفائيل بطي) على مسودات الجزء الثاني من قسم المنثور ويضم الاسماء فضلاً عن التي ذكرناها: سليمان الصائغ والقس حنا رحماني

رسائل بين بطي والكرملي

ولقد عثرنا في الرسائل المتبادلة بين الاب انستاس ماري الكرملي (ت1947) ورفائيل بطي، ما يفيدنا في هذا الموضوع فائدة وطرافة ورسالة بطي الى الكرملي لم تنشر سابقاً اما رسالة الاب الكرملي فقد نشرتها مجلة "لغة العرب" في سنتها الرابعة (سنة 1926) وقد كتب الكرملي في وصف الكتاب:

عصري الوضع والتنسيق والتبويب على الطراز الذي يضعه الفرنجة في عهدنا هذا وبعملك هذا خلدت اسمك واسماء الشعراء نوابغ العراق علماً اني لا اخفي عليك سراً، وهو: انك صرحت في صدر عنوان كتابك بان سفرك هو كتاب تاريخي، ادبي، انتقادي اما كونه؟؟ ادبياً فمما لا انا ضلت فيه واما كونه تاريخياً انتقادياً، فما اطالبك به اشد المطالبة فاين التاريخ من كل ترجمة وقد جعلتها نغمة طنبور واحدة تعلي بها كعب الرجل، ولا تحدثنا عن تاريخ ايامه الشعرية من علو وسفل وحطة ورفعة، من ذكر حقائق ونظم شقائق، من جمع اراء غثة في جنب مذاهب سديدة، من اخلاق فيه رصينة وطباع فيه ممقوتة، فكأني بك فعلت فعل المصور الذي نقح صورة الرجل تنقيحاً لم يبق للناظر اليها اثراً من المصور وحتى جاء على غير ما هو من ظواهر خلقه.

فلهذا قلما ينتفع بوصفك من يريد ان يقف على دخيلة الشاعر فكانك فعلت ذلك خوفاً من انتقاض الناس عليك فاذا صح هذا الظن فكان يجب ان يراعى الحق في وضع الالفاظ في غرة الكتاب.

هذا من جهة التاريخ، واما من الوجه الانتقادي فاني لم أر في كتابك ادق اثر لهذا الامر الجلل، فأذا كان الانتقاد هو مجرد المدح من غير اظهار ما في المنتقد من روائع المحاسن ودقائق المعاني ومختار المباني وما بعكس ذلك، فلا يحق للقائل ان يدعي ان في كتابه نقداً، اللهم الا ان يجعل التاريخ ونقد الادب والعلم احراق البخور امام اصنام الهوى والاغراض والغايات، فذلك امر لا اتعرض لذكره..

ومن طرائف نقدات الكرملي في هذه الرسالة التي نقلنا قسماً منها قوله عن ما جاء في الكتاب عن الزهاوي: ثم انتخب نائباً عن المنتفق فذهب الى الاستانة واقفل المجلس بعد اشهر، فقال: هذا امر مضحك لا يليق بان يقال عن الزهاوي وان كان هو كاتب العبارة وكان الاجدر به ان يقول: فذهب الى الاستانة واتفق انه اقفل المجلس بعد اشهر حتى لا يبقى في فكر القارئ ان الزهاوي كان طائر شؤم لذلك المجلس فاقفل بعد نزوله الاستانة.

وفي اليوم التالي (7 آب 1923) بعث رفائيل بطي رسالة الى الكرملي ننشرها هنا للمرة الاولى لاهميتها التاريخية والادبية.

حضرة الاستاذ العلامة واللغوي المدقق الاب انستاس ماري الكرملي المحترم

سيدي المفضال

بعد التحية والاجلال تناولت كتابكم الكريم الساعة وشكرت لكم عنايتكم ولطفكم، وقد سررت جداً بنقداتكم واستفدت منها فائدة جزيلة لكني رأيت ان ابين لحضرتكم بعض النقاط التي وردت في الكتاب، واعدكم ان يبقى خاصاً كما طلبتم.

1- كانت النية جعل الكتاب تاريخياً انتقادياً حسبما يتطلب الفن لكني رأيت ذلك مستحيلاً في الوقت الحاضر ولا سيما في العراق لانحطاط العلم وضعف النفوس لذلك تروني اعتذرت عن البحث التاريخي في تاريخ الادب والنقد ووعدت بوضع ذلك في كتاب خاص هو جزء من هذا الكتاب (كما تجدون في الملاحظات التي تلي (كلمة) في الكتاب) واصرح لكم بان هذا الكتاب آلة للوصول الى غرض شريف جداً ارمي اليه وهو نشره على هذه الصورة ثم يبدي النقاد اعتراضاتهم ويجمعون على اعطاء الموضوع حقه من النقد فانزل الى الميدان في جزء النقد غير هياب ولا وجل ويكون في النفوس عندئذ استعداد لتلقي النقد. حيندئذ يكمل عنوان الكتاب ويحدث التطور الذي ننشده في الادب العراقي.

2- ان الاسراع في اخراجه حسب رغبة ملتزم طبعه جعله محشواً بالاغلاط ثم لا اخفي عليكم ان ابتعادي عن مجلس سيدي الاستاذ قد خسرني في هذا الباب خسارة كبرى.

3-نعم الملاحظة بشأن العناوين لمقاطيع الكلام في التراجم، وسأشير على الطابع في مصر ان يضع عناوين في قسم المنثور.

4-الشكر الوافر يقدمه اليكم جناني على تكرمكم بقبوله والنظر فيه واملي ان لا احرم الاستفادة من فضلكم وان شط المزار وتفضلوا بقبول فائق احترامي سيدي الاستاذ.

المخلص

واخيراً فان كتاب رفائيل بطي، الموسوم "الادب العصري في العراق العربي" بقسميه الكاملين جدير بالتذكير وحري بنشره واهل للتحقيق.