السياسات الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية

السياسات الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية

محمد عبد الأمير عبد
ليس علينا أن نقول بأن السياسات الاقتصادية التي أتبعت في السنوات الثمانية السابقة، اعتمدت نهج استنساخ التجارب الفاشلة على الغالب، علماً أن التجارب الناجحة عالمياً في مجال التخطيط والتنفيذ الاقتصادي (الصين، ماليزيا، كوريا، اليابان)

 كانت تجارب استثنائية وغير مسبوقة، وتم تصميمها وتنفيذها وفقاً لخصوصية هذه الدولة أو تلك، ووفقاً لطبيعة اقتصادات هذه الدول أيضاً، ورغم إن العراق بلد ينعم بموارد خام كثيرة يضاف إليها موارد بشرية متميزة في المنطقة، إلا إن سوء التخطيط يقف حائلاً دون استثمار الموارد البشرية والطبيعية في باطن الأرض.
إذ يمكننا أن نقول بأن هنالك عوامل عددية من شأنها أن تحد من أي تطور من الممكن أن يحصل في ظل السياسات الاقتصادية المتبعة حالياً والمرتبطة إرتباطاً كبيراً بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وشروطهما القاسية جداً بالنظر لظروف العراق من جهة،ومن جهة أخرى سعي العراق لتأكيد انضمامه لمنظمة التجارة العالمية وما يترتب على ذلك من إضرار كبير للصناعة العراقية في الموحلة الحالية والتي تتطلب تشجيع المنتج الوطني.
ولعل ارتفاع أسعار الوقود وفق توصية من صندوق النقد الدولي إلى نتائج مباشرة على ارتفاع الأسعار، وأرخى بثقله وتأثيراته على القطاع الصناعي والزراعي أيضاً، اللذين بدآ بالتراجع عاماً بعد عام، وهذه خطوة واحدة في سلسلة من الخطوات التي أضرت بالاقتصاد والمواطن على حدٍ سواء، إذ ارتفاع أسعار الوقود والطاقة في العراق يؤدي إلى زيادة أسعار المنتجات بما لا يسمح لها بمجاراة المنتجات المماثلة والمستوردة من بلدان تكون الطاقة والأيدي العاملة رخيصة.
لهذا فإن الانفتاح الاقتصادي الذي يعيشه العراق يعتبر إلى حد كبير انفتاحاً غير مضبوط أو منظم، وأدى إلى إغراق السوق العراقي بالمنتج الأجنبي على حساب الوطني، وما رافقه من انهيار الصناعة الوطنية، وأيضا الزراعة التي تراجعت بنسبة كبيرة.
وهذا ما ترك أثارا كبيرة من خلال توقف الكثير من المصانع لا سيما في القطاع الخاص عن العمل رغم تحسن الأوضاع الأمنية إلا إن هنالك أسبابا أخرى أهمها ارتفاع أسعار الوقود المنتجة للطاقة الكهربائية في هذه المصانع من جهة، ومن جهة ثانية وهي الأهم سياسة إغراق السوق العراقي والتي أشرنا إليها مما خلق منافسة غير متكافئة بين المنتج المحلي والمستورد وفي كافة المجالات.
ولكي نضرب مثلاً على ذلك سنجد بأن الكثير من ورش النجارة قد أغلقت أو تم تحويلها لمحال عرض ما مستورد  من الموبيليات الجاهزة بعد فتح باب الاستيراد على مصراعيه، وهذه أيضاً كانت حال صناعة الغزل والنسيج  وغيرها من الصناعات المحلية.
وبالتأكيد فإن هذه التأثيرات لم تكن اقتصادية بل تتعداه للجانب الاجتماعي، وبكل تأكيد فإن للسياسات الاقتصادية نتائج اجتماعية كارثية، فالمقدمات الصحيحة تفضي لنتائج صحيحة، وبالتالي فإن المقدمات الخاطئة ستكون لها نتائج كارثية، فالحقيقة الاقتصادية تؤكد أن لظاهرة البطالة تأثيرات سلبية ذات أبعاد متشعبة تشمل الاقتصاد بأكمله، حيث أن ارتفاع البطالة يعني عجز الاقتصاد عن استغلال القوة البشرية التي يملكها، والتي تعد احد مقومات أي اقتصاد في العالم، وهذا يضاف إلى انخفاض المستوى المعيشي لارتفاع نسبة الإعالة خاصة وإن الأرقام تشير إلى أن وزارة العمل تعيل أكثر من 85 الف أسرة ضمن شبكتها وهذه تشكل نسبة أكثر من 20% من مجموع الأسر في العراق والبالغة أكثر من أربعة ملايين أسرة، كما أن البطالة تفرز كماً غير قليل من الظواهر الاجتماعية الخطرة، والتي لا حاجة لتكرارها هنا، فالتأثير ليس أحادياً وإنما هو متعدد.