مجلة الرسالة تنعى الشاعر الرصافي

مجلة الرسالة تنعى الشاعر الرصافي

احمد حسن الزيات

عندما توفي الشاعر الكبير معروف الرصافي في 16 آذار 1945، نعته جميع صحف ومجلات العالم العربي، وقد تبارت تلك المنشورات في بيان مآثر الرصافي ومواقفه الوطنية والشعرية والفكرية، الا ان مقالة الكاتب الكبير احمد حسن الزيات في الرصافي بعد وفاته بايام قليلة من اشهر تلك المقالات، وملحق (ذاكرة عراقية) يفخر بنشر هذا النص النفيس بمناسبة ذكرى رحيل الرصافي.

الرصافي 1875 ــ 1945

نعى العراق هذا الأسبوع شاعره الباقي، فوجمت لمنعاه ألسن، وجزعت لفقده نفوس! ثم قرأنا أن بغداد قد غسلت شاعرها الراحل بالدموع وشيعته بالحسرات، وكنا قرأنا من قبل أن الرصافي في أعقاب عمره كان يطلب الغذاء الكفِيّ فلا يجده، ويلتمس الدواء الضروري فلا يناله!

لفظ معروف الرصافي أنفاسه الأخيرة في حجرة مظلمة مقرورة لا يلطف جهومتها نور ولا نار، ولا يخفف وحشتها خليط ولا جار؛ ولم تقع عينه الشاخصة وهو في نزاع الروح إلا على ورقة هنا وكتاب هناك، أو على خادمه الأمين يتماسك لحظة ويتهالك أخرى، والدنيا التي صحبها الشاعر سبعين عاماً يدل على جمالها العيون، ويغري بمتاعها الأفئدة، لم تُجد عليه ساعة الوداع بيد رفيقة تغمض عينيه، ولا بعين حبيبة تذرف دمعة عليه!

كان الرصافي - أحسن الله إليه - لسان العراق الصادق، ينقل عن شعوره، ويترجم عن أمانيه، ويحدو لركبه المجاهد في سبيل استقلاله وعزته بالحداء الحماسي المطرب، ويصور خلجات نفسه ووساوس أحلامه بالشعر الصريح المعجب؛ وظل هو والزهاوي وشوقي وحافظ ومطران حقبة من الدهر يؤلفون الأوتار الخمسة لقيثارة الشعر العربي الخالص. ولكل وتر درجته في الرنين والجهارة والأثر.

والرصافي أشبه بحافظ من الزهاوي بشوقي. وإن شئت فقل كانا الوترين الرابع والخامس في القيثارة: صوت عريض ضخم، وذبذبة ضيقة محدودة.

كان هذان الشاعران يتشابهان في أسلوب العيش وأسلوب الفكر. كانا صدًى لهتاف الجمهور في السياسة والاجتماع، ورجعاً لأنين المساكين في الألم والشكوى. وكانا يتقاربان في جوانب من ضيق الثقافة وقلة الاطلاع وبوهيمية الحياة. ولكن الرصافي كان متميزاً على نظرائه جميعاً بالصراحة الجريئة والاستهتار البالغ. كان يعيش ليومه وينطلق على هواه ويستجيب لغريزته، فيفعل ما يشاء، ويقول ما يعتقد، ويطلب ما يشتهي، ثم لا يبالي أين يقع ذلك كله من رأي غيَره. ولا مراء في أن لهذه الحرية المطلقة أصلاً في مولده ونشأته. كان أبوه من بدو الكرد وأمه من بدو العرب. وكانا فقيرين فولداه ببغداد في مهد بدوي خشن. ثم نشَّآه على أخلاق البادية الأصيلة. ثم أرخيا له الحبل وتركاه يعدو ويروح على مقتضى فطرته. ثم تبناه بالروح عالم العراق الأستاذ محمود شكري الألوسي فلقنه في اثني عشر عاماً أصول المعقول والمنقول من علوم الدين واللغة والأدب. ثم حاول أن يقبسه أشعة من نور سلفيته وتقواه، ولقبه بالرصافي رجاة أن يخلف معروفا الكرخي في صوفيته وزهده. ولكن غرائز معروف كانت أقوى، ومطامحه كانت أبعد، فخرج من هذه الرياضة الطويلة مسلم اللسان جاهلي القلب.

ووجد الرصافي العراق على فترة من الشعراء ينتظر أبا نواسه المبعوث، فصدح على ضفاف الرافدين صدحاته المعروفة فأصغت إليه الأسماع واهتزت له القلوب. ورأى الناس في أمثال قصائده: (المطلقة) و (أم اليتيم) و (اليتيم في العيد) أسلوباً من الشعر لم يعرفوه فأكبروه. وحاول أن ينفض عن نفسه غبار المتربة فزاول التعليم في المدارس بغداد. ثم كان من الذين صارعوا استبداد عبد الحميد بقوافيه المسمومة؛ فلما خر الطاغية وأعلن الدستور تعاظمه النصر وازدهته الشهرة، فاعتقد كما كان يعتقد الشعراء أن له أن يقول وعلى الناس أن يفعلوا، وأن له أن ينفق وعليهم أن يبذلوا. فذهب إلى الأستانة يطلب المجد بواسطة شعره، فكان قصارى أمره أن يكون خوجة في مدرسة أو محرراً في صحيفة. ثم سما به الحظ درجة فانتخب نائباً في مجلس (المبعوثان) عن لواء المنتفق؛ وظل في عاصمة الخلافة مدة الحرب الماضية حتى أعلنت الهدنة. وكانت ثورة العرب على الترك يومئذ قد انجلت عن عرش أمية في دمشق يجلس عليه فيصل الأول، ومن حوله سيوف الثورة وألسنتها من أمثال ياسين ونوري وجعفر ورستم وساطع. وجاء الشاعر الطماح يبحث عن مكانه في الدولة العربية الجديدة فلم يجد. فانقلب بعد طول الصبر وإدمان السعي إلى فلسطين خائب الأمل كاسف البال يبتغي العيش فيها من طريق التعليم. فلما انتقل العرش الهاشمي من الشام إلى العراق سنة 1921، عاد الرصافي إلى وطنه ورجا أن ينال في بغداد ما لم ينله في دمشق. وتهيأ خليفة النواسي لينادم خليفة الأمين، وإذا الأمل الفسيح والطموح البعيد يسفران عن وظيفة في وزارة المعارف! حينئذ تفجر غيظه المكتوم على السلطان ورجاله فأعلنها شعواء بالهجاء المقذع والتهكم الفاحش. ووسعه (معاوية بني هاشم) بحلمه، وتغمد إساءته بإحسانه، ففتح له الطريق إلى مجلس النواب ثم عاد فأغلقه دونه.

ونال الخذلان والحرمان من نفس معروف ومن جسده ففتر نشاطه وتراجع شعره، ورضي من دهره بالمهلكات الثلاثة: شرب العرق ولعب الورق واستباحة الجمال!

وعلى هذه الحال المضنية أدركه الفقر والمرض والموت دون أن يجد آسيا من إيمانه، ولا مواسياً من إخوانه!

قلت لصاحبي ذات ليلة من لياليَّ في بغداد: أريد أن أزور الرصافي فقد زارني مراراً ولم أزره. فقال: أتشجع على أن تدخل حي البغايا؟ فقلت له: وما صلة هذا بذاك؟ فقال إنه يسكن بينهن، وقد تزوره واحدة أو أكثر منهن. فقلت له: هلم، فما يسع زواره من العذر يسعنا. ودخلنا البيت فإذا هو بيت الشاعر الأعزب المتلاف، لا أثاث ولا نظام ولا حرمة. وكلمة الشاعر هنا بدل الأديب تدلك على أن ليس بالمنزل مكتب ولا مكتبة؛ فقد كان الرجل لا يقرأ، وإنما كان يتكئ على شدة ذكائه وحدة فهمه، ويكتفي بما حصل في شبابه من أدبه وعلمه. كان في الردهة قوم يأكلون ويشربون، وفي حجرة النوم آخرون يسمرون ويلعبون، وكان الرصافي يتصدر هؤلاء، في يمناه كأس، وفي يسراه ورق. فلما رآني فض اللعب وأقبل بأنسه عليّ. ثم أخذ يشرب ويتحدث بالغة العارية عن الحقائق العارية في غير اكتراث ولا تحفظ. ويظلم الرصافي من يقيد عليه في مثل هذه الحال. ولكن نداماه يروون شعره أو يذيعون حديثه فيبلغ صاحب المُلك فيغضب، أو صاحب الحكم فيعجب، أو صاحب الدين فيصخب، أو صاحب الخلق فيثور. وكل أولئك يعادون الرصافي، ولكنهم يهابونه لشخصيته، ويحترمونه لعبقريته، ويتربصون به سوء المصير هذه صورة مصغرة لحياة الفقيد الكريم، أما عقيدته فالأمر فيها لله لا للناس، وأما شاعريته فالحكم عليها للناقد لا للمؤرخ. وقد يكون لنا إليها عودة...

مجلة (الرسالة) في 26/ 3 / 1945