جسر المسيّب.. تاريخ وذكرى ما قصة اغنية (على جسر المسيب سيبوني)؟

جسر المسيّب.. تاريخ وذكرى ما قصة اغنية (على جسر المسيب سيبوني)؟

جواد عبد الكاظم محسن

ما اشتهر جسر في التراث الشعبي العراقي كالشهرة التي بلغها جسر المسيّب الخشبي القديم، ولعل أغنية (على جسر المسيّب سيّبوني) هي التي تقف وراء هذه الشهرة الواسعة بعد أن تلقفها الكثيرون معجبين ومرددين حتى صارت كناية شعبية ومثلاً من الأمثال المتداولة بين الناس.

تقول المصادر التي أرخت لمدينة المسيّب أن أول جسر أقيم فيها على نهر الفرات كان أيام الوالي العثماني عمر باشا (1763-1775م)، وقد أنشأه للتخفيف من عناء الزوار والمسافرين بين بغداد وكربلاء بعد أن تضاعفت أعدادهم واشتد ازدحامهم، ولم تعد السفن والقفف والزوارق الصغيرة كافية لنقلهم من جانب إلى جانب آخر خاصة في مواسم الزيارات، وعلى هذا الجسر عبر الرحالة كارستن نيبور سنة 1768م كما جاء في رحلته، ووصفه بأنه"مشيد على العوامات".

ولما تقادم الزمن بهذا الجسر، واختفى من الوجود أثره أنشأ الوالي العثماني داود باشا سنة 1824م جسراً جديداً لتلبية احتياجات قرية المسيّب آنذاك، وقد أصبحت في عهده من القرى الزراعية المهمة التابعة مباشرة لمقر الولاية في بغداد.

وكان هذا الجسر خشبياً متحركاً، ويتألف من ألواح خشبية مرصوفة فوق الجساريات العائمة والممتدة بين الضفتين، وقد ربطت بالسلاسل الحديدية والحبال المتينة، ورغم ذلك فإن بعض أجزاء الجسر كان ينفلت من موضعه في كثير من الأحيان وعلى الأخص في أيام الفيضانات الجارفة والعواصف العاتية، وقد اعتاد الأهالي على تسمية هذه الحالة المتكررة بـ (هروب الجسر)، وعينوا طبالاً للمراقبة، فما إن يبدأ الجسر بالهروب حتى يباشر الطبال بالقرع المتواصل على طبله، فيفهم الناس الإشارة، ويهرع الرجال للحاق بالجزء الهارب، ومسكه ثم إعادته إلى مكانه، وقد تستغرق هذه العملية وقتاً ليس بالقليل، وتتطلب جهداً غير يسير، وهنا يلجأ الرجال للترويح عن أنفسهم والتخفيف من عنائهم وشدة تعبهم إلى ترديد الهوسات والأغاني الشعبية أثناء عودتهم بالجزء الهارب من الجسر، فكان يُخيّل لمن يراهم أنهم في زفة عرس.

هناك روايتان شائعتان في المسيّب عن أصل أغنية (على جسر المسيّب سيبوني)؛ الأولى وهي الأشهر وقد ذكرها الأديب المسيّبي الراحل مهدي علي شويخ في أوراقه المخطوطة، تقول إن عاصفة هوجاء هبت فجأة واقتلعت أجزاءً من الجسر وتسببت في غرق عروس شابة شاء لها سوء الحظ أن تكون على الجسر في تلك اللحظة المشؤومة، وحين يئس الجميع من العثور عليها جزع زوجها وتفجرت دموعه وأحزانه، وراح يصرخ ويولول (على جسر المسيّب سيّبوني – هلي واحباب كلبي سيّبوني)، ثم جاء شاعر مرهف أكملها بأبيات رقيقة وقواف عذبة، أضاف لها ما شاء من نفسه، وحولها إلى أغنية شجية ذاعت عند أهل الفن وتلقفتها المحافل. أما الرواية الثانية فتقول إن مريضاً ميؤوساً من شفائه تركه أهله في المسيّب، وهربوا منه، فردد الكلمات السابقة أسى ولوعة، وجاء بعده من تبرع بإكمالها شعراً ثم جعلها أغنية شائعة.

وفي الثورة العراقية الكبرى سنة 1920م قام الثوار بإحراق الجسر لعرقلة وإيقاف عبور الجيش الإنكليزي المحتل إلى الجانب الصغير من المدينة بعد انسحابهم إليه وتجحفلهم فيه، وقد تحقق ذلك لهم لفترة من الزمن قبل أن يتمكن الإنكليز من إعادة إصلاحه ومرور قواتهم عليه فيما بعد لاستكمال احتلال الجانب الثاني من المدينة في الأيام الأخيرة من الثورة.

وانتقل هذا الجسر الخشبي القديم سنة 1939م إلى مدينة الكفل بعد افتتاح جسر حديدي مازال قائماً إلى يومنا الحاضر، وقد ورث عن سابقه كل القصص والحكايات الطريفة، وأضاف لها لغزاً جديداً حول وجود اعوجاجين غريبين فيه، وهي حالة لا مثيل لها في الجسور الأخرى، وقد أثارت موجة من الأقوال والتقولات لم تتوقف إلى الآن، وحقيقة الأمر أن وجود عائلتين متنفذتين في بداية الجسر ونهايته كان السبب في إنشائه بهذين الاعوجاجين المثيرين للتساؤل.

وللجسر الحديدي في الوقت الحاضر أثر كبير في حياة المدينة واعتزاز أهلها به، فهو قطعة ثمينة من تراثهم الأصيل، ومحور مهم من محاور اهتمامهم وأحاديثهم، وهناك أكثر من رسام تشكيلي قامت ريشته برسمه، كما خصه أكثر من شاعر بقصيدة من شعره، ومازال مصدر إلهام دائم لفناني المدينة رغم إضافة جسر جديد للمدينة سنة 1979م يقع شمالها، وتمر عليه سيارات بغداد- كربلاء دون اختراق مركز مدينة المسيّب كما هو الحال في الجسر الحديدي السابق، وقد أنجز حديثاً ممر ثان لهذا الجسر.