تسمية و تاريخ مدينة خانقين

تسمية و تاريخ مدينة خانقين

صلاح الدين أنور قيتولي

أولا:- في أصل تسميتها: -

ورد أقدم ذكر لخانقين في المدونات اليونانية القديمة بإسم(خالونيتوتيس)بعد إحتلال القائد(الاسكندر ألمقدوني)للمنطقة عام(332)ق،م ثم تبعتها اراء وتأويلات متعددة عبر العصور التاريخية من بينها إسم خانقين حسب الاستاذ والمحامي الراحل(جمال بابان)في منشوره القيم(أسماء المدن والمواقع العراقية)

ويقول بأن التسمية من إحدى الخانات التي كان يملكها شخص إسمه(نقي)فسميت المنطقة بـ(خان نقي)أو(خانة قي)كما يلفظها سكانها الكورد، وجاء في كتاب(مدن كوردية قديمة)للمؤرخ الشهيد(محمد جميل رؤزبياني)بأن كلمة خانقين هي من مقطعين(خانه)و(كين)وتعني خان او مكان الاسر الوجيهة والنبيلة،ويذكر الدكتور خالد استاذ مادة تاريخ العراق القديم في جامعة بغداد بأن اللفظة متكونة من مقطعين الاول(خان)والثاني (قين)وهي تسمية كوردية تعني(خان الغضب)وتأويله أن الملك الساساني(كسرى)غضب من(النعمان بن المنذر)لسبب ما فأمر بسجنه في إحدى خانات خانقين وقتذاك،لذا سميت المدينة منذ ذلك الـوقت والى الان بـ(خانةقين)أي المكان الذي يسجن فيه المغضوب عليهم..ويقول البروفيسور(محمد عبداللة عمر)الاستاذ في جامعة(صلاح الدين)في كتابه(مباحث كوردية فيلية) بأن الصيغة الاقدم للكلمة هي(خانة كيؤ)ويكون معنى الإسم(النزل)أو(الخان)الجبلي)أو(خانك)، لإن المدينة تقع على حافة الجبال الكوردية العالية،ويعتقد المرحوم(حسن محمد الزهاوي)بأن خانقين تسمية كانت تقتصر فقط على الجزء الصغير من المدينة أو(الصوب الصغير)والمعروفة ب(ئةوبةر)أي منطقتي(جليل بك)و(اغاو خليفة)الحاليتين أي من دون صوبها الكبير والمعروف الان ب(ئةوبةر)...

ثانيا-أحداث تاريخية شهدتها: -

تشير المصــادر التاريخية إلى إستيطان الإنسان في المــنطقة قبل حوالي(5000)سنة ق.م،ففي الألف الثالث قبل الميلاد كانت خانقين ضمن سيطرة الدولة الكوتية أثناء حكم أميرها(ناورا تيوم)وفي حدود عام(1185)قبل الميلاد خضعت خانقين لسيطرة المملكة الإيلامية القديمة في عهد الملك(شوشتر ناكون تي)ثم الت عموم المنطقة ومنها خانقين الى حكم الميديين،ونظرا لإهمية موقعها فقد سلك طريقها الملك الأخميني(كورش)كمنطلق للهجوم على بابل القديمة،وفي حدود عام(331-127)ق.م أصبحت خانقين ضمن سيطرة الحكم اليوناني وعرفت حينها بـ(ارتميتاس)والتي تعني الموقع الصحي المفيد وبعد إنحسار الحكم السلوقي اليوناني وزواله أصبحت خانقين عام(247)ق.م ضمن ممتلكات الفرثيين(الاشكانيون)،ثم آلت بعدها إلى السيطرة الساسانية في حدود (537-637)م حيث إزدادت أهميتها وأصبحت مركزا وممرا لمرورالجيش بعد أن بنيت فيها قلعة عسكرية محكمة وجسرا، وكانت من الناحية الادارية تابعة الى إيالة(شا فيروز)وفي سنة(637)م..

وجاء في كتاب المؤرخ(لونكريك)(أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث)بأن خانقين وقعت في القرن ال(7)الهجري تحت هيمنة الحكم العربي بعد معركة(جلولاء)حيث إنسحب الساسانيون منها،وفي عهد الخليفة(عمر بن الخطاب)إنتفض أهالي خانقين وإمتنعوا عن دفع الجزية و الضرائب التي أثقلت كاهلهم وإستمرت تلك الثورات الى عهد الخليفة(عثمان)أيضا ومن بعدها فترة حروب(الامام علي)مع جماعة الخوارج ومن ثم النزاعات على السلطة في العصر الأموي سنة (748)م.

وفي العهد العباسي إزدادت أهمية خانقين بحكم موقعها الاداري والعسكري والذي أصبح حلقة وصل بين بغداد وباقي أجزاء إيران والمشرق الإسلامي ومع بقية الولايات التابعة للخلافة العباسية في أرمينيا وبلاد ماوراء النهر،وفي سنة(1015)م خضعت خانقين لسيطرة أمير عشيرة(زةنكان)الكوردية،وفي عام(116)م تعرضت إلى هجوم عساكر(خوارزم شا)الذي أرسل جيشا مؤلفا من خمسة عشر ألف مقاتل للأستيلاء على بغداد، وفي عام(1258)م توجه أمير المغول(هولاكو)عن طريق خانقين نحو بغداد وقتل العديد من سكانها،وفي عام(1535)م خضعت المنطقة لسيطرة الاميـر الكوردي(ذوالفقارخان كلهر)..وبعد توقيع معاهدة(زهاو)بين العثمانيين والصفويين عام(1639)م خضعت بموجبها خانقين لسيادة الدولة العثمانية المحتلة، وفي عام(1730)م شهدت المنطقة تحركات وصدامات عسكرية بين العثمانيين بقيادة(داود باشا)وقوات(نادر شاه)الصفوي،وفي سنة(1778)م خضعت خانقين وتوابعها الادارية(علي آوا)و(قزربات)لسيطرة إمارة بابان بعد أن سيطر عليها الأمير(حسن باشا بابان)أثناء نزاعه مع أخيه،وإستمر الحكم الباباني للمنطقة حتى عام(1819)بعد أن تدخل العثمانيين لعزل الأمير(مجيدبك بابان)من منصبه شهدت قزربات التي كانت في حوزة شقيقه وشهدت خانقين صدامات مسلحة دامية مع قوات والي بغداد العثماني(داود باشا)الذي أراد مهاجمة السليمانية وإنهزمت قواته،وفي عام(1831)م أعاد الأمير الباباني(محمد باشا)السيطرة على خانقين.

وفي القرن التاسع عشر كانت خانقين تابعة إلى متصرفيه(درنة وباجلان)أو(سنجق باجلان) الذي كان مركزه(درتنك)أي مدينة زهاو الحالية،وفي سنة(1851)م أعاد العثمانيون سيطرتهم المباشرة على خانقين،وفي سنة(1863)جاء إسم خانقين في المدونات الرسمية العثمانية بصيغة لواء اداري،وفي عام(189)م قامت قوة من عشيرة الهماوند الضاربة بالأستيلاء على خانقين وخسرو اباد(قزربات)لكن العثمانيين أعادو السيطرة عليها,وفي عام1895م عاود الهماوند الهجوم على العثمانيين في مركز مدينة خانقين وقتلوا عددامن الجنود،وبعد إندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م وإمتداد نيرانها إلى المناطق الكوردية تعرضت خانقين إلى هجوم الروس حيث ركزت قيادة الفيلق الروسي بقيادة(باراتوف)على جبهة خانقين في ربيع عام 1916 م بإعتبارها أسهل الطرق وأقربها للوصول إلى بغداد وشهدت المنطقة معركة ضارية في حزيران من نفس العام، لم يفلح خلالها الروس في تحقيق هدفهم بشكل كامل وقاوم سكان(علي آوه)ببسالة وأوقفوا هجوم الروس على مناطقهم،وفي صيف عام 1917 تقدمت قطعات أخرى من الجيش الروسي بإتجاه خانقين وإحتلوها وقتلوا العديد من العثمانيون واصلوا زحفهم حتى ناحية(خسرو اباد).

وتشير البريطانية(المس بيل)في مذكراتها إلى أن الروس أخطأوا بغزوهم لخانقين الذي تسبب بقلب الموقف السياسي في كوردستان الجنوبية ضدها حيث كانوا أشد قسوة ونهبا من الأتراك فقتلوا النساء والأطفال ونهبوا ممتلكات سكان المدينة، وبعد إنسحاب الروس عـــاد العثمانيون إليها ليكملوا تدميرهم لها تاركين حقدهم الاسود عليها،وفي هذا الصدد تقول(مس بيل):-((لا ترى في العراق كلمة تعاسة وتهلكة كتعاسة خانقين ومأساتها وماخلفتها الحروب والإحتلال من جوع ومرض)).

وفي آذار عام 1917 م على أثر سقوط بغداد بيد الجنرال البريطاني(ستانلي مود) جرت إتصالات بين الكورد وبريطانيا لأول مرة ووردت رسائل من رؤساء عشائر الباجلان والجاف والشرفبياني والطالباني ومن وجهاء(خسرو اباد)أعلنوا إستنكارهم الشديد لسلوك الجنود الروس وأن(مصطفى بك باجلان)أحد أبرز أعيان المدينة ذهب بنفسه إلى بغداد نهاية نيسان من نفس العام للتباحث مع السلطات البريطانية حول إنتهاكات الروس وأوضح بأن تعاملهم مع السكان أشد وطأة من حكم الاتراك العثمانيين،وفي كانون الأول من عام 1917م وصل الجنرال(ستانلي مود)إلى المنطقة وإحتل خانقين من دون مقاومة،حيث عين(الميجرسون)حاكما سياسيا عليها،وبغية أستتباب الوضع وتنظيم الأمور الإدارية شكل(سون)لحماية المنطقة بإمرة زعماء كورد مثل(محمود بك دلو)و(محمد بك سورةمةيلى)و(إبراهيم بك دلو)و(قادر آغا باجلان)،وعقب إندلاع ثورة العشرين في العراق وكوردستان الجنوبية شهدت المنطقة مواجهات عديدة ضد القوات البريطانية،ففي 14من شهر آب من ذلك العام وجه الثوار الكورد أولى ضرباتهم عندما حرروا(خسرو اباد-قزربات،وأحرقوا مقر الحكومة في مركز خـــانقين بعد أن هاجموا مؤسسات شركة(الإنكلو-إيرانية)في منطقة(نفط خانة)وقطعوا خط السكك الحديدي الواصل بين بعقوبةو خانقين من جهة ومع ايران من جهة اخرى وأحرقوا محطة قورتو ونصبوا(خورشيدبك جاف)حاكما عليها لكن البريطانيين إستعادوا خانقين بقيادة الكولونيل(لاكين)بعد خوضه معركة فاصلة ضاريةمع الثوار في محطة(باشاكوبري).

وبعد أن هدأت الأوضاع إتصلت بريطانيا برؤساء العشائر الكوردية في المنطقة لتسيير الأمور من بينهم(مصطفى باشا)كأحد الزعماء الكورد في خانقين،وبعد تأسيس المملكة العراقية عام(1921)م ألحقت خانقين كغيرها من مناطق كوردستان بشكل قسري كقضاء في لواء ديالى وإستحدثت فيها دائرة البلدية عام 1926،وخلال سنوات الحرب العالمية الثانية(1940-1945)شهدت خانقين تحركات لقوات الحلفاء التي تدفقت على كوردستان عام(1941)بهدف تموين روسيا السوفيتية عبر طريق(كجل كجل)وتمركزت قطاعات من القوات البولندية في خانقين،وبعد إعلان الثورة التحررية الكوردية في أيلول عام 1961 ساهم أبناء خانقين بالمشاركة وشكلت مسألة إنضمام خانقين إلى منطقة الحكم الذاتي عام 1970 إحدى نقاط الخلاف مع الحكومة المركزية التي سعت كثيرا لتغيير واقعها القومي وقامت بترحل وتسفير واسع لقراها وتعريبها على نحو واسع،وفي بداية الثمانينات سفرت السلطات الحكومية من جديد المئات من العوائل الكوردية الفيلية الى ايران واعتبرتهم من التبعية،وفي عام 1982 إنتفض أبناء خانقين بوجه السلطة الحكومية بسبب إستخفاف دائرة التجنيد بهم وعرفت هذه الوقفة بإنتفاضة(رفض العكال)بعدما إشتبك أبناء خانقين مع السكان العرب المستوطنين،وخلال حرب الثمان سنوات مع إيران تعرضت خانقين إلى دمار هائل نتيجة القصف المدفعي والصاروخي اليومي وتسببت في إستشهاد وجرح العديد من مواطنيها فضلا عن تدمير مجمل بنيتها الخدمية والإدارية والإقتصادية الحيوية،الأمر الذي تسبب في هجرة الكثير من سكانها، وفي عام 1991 وكغيرها من مدن كوردستان إنتفض أبناء خانقين وتحررت المدينة في(1991/3/11)إلا أن النظام البائد إستخدم إسلوب القسوة والتنكيل الوحشي لإستعادة المدينة من سيطرة الاهالي وقوات البيشمركة وتعرضت إلى القصف الصاروخي والمدفعي العنيف و بالطائرات السمتية،إستشهد على أثرها العديد من المواطنين مما حدا بالثوار الإنسحاب الى خارج المدينة وعادت إليها السلطة المركزية اليها لكن ناحيتي قورتو وميدان بقيتا متحررتين وبعد عمليات تحرير العراق عام(2003)شكلت فيها حكومة الإقليم الهياكل الإدارية لقضاء خانقين وللسعي لإسترداد هذه المنطقة وضمها إلى ادارة حكومة الإقليم وهي تمثل جزء من الشريط الذي ورد في المادة(140)الدستورية والتي لاتزال عالقة التطبيق..