الكاظمية في النصف الأول من القرن التاسع عشر كما شاهدها الرحالة البريطانيون

الكاظمية في النصف الأول من القرن التاسع عشر كما شاهدها الرحالة البريطانيون

جعفر الخياط

تذكر الكاظمية في هذا الدور في رحلة الرحالة الانكليزي كيرپورتر، و هو عالم آثاري و رسام بارع، الذي مر ببغداد في طريقه الى أيران سنة 1818 (في عهد الوالي داود باشا) و نزل ضيفا على القنصلية الانكليزية فيها..

فقد ذكر نبذة قصيرة عنها في رحلته‏ المطبوعة سنة 1822، يقول فيها ان المدينة الجديدة الواقعة على الساحل الشرقي لدجلة (يقصد جانب الرصافة) توجد في مقابلها محلة تقع فيها قلعة الطيور (قوشلر قلعة سى)، و في شمالها مرقد الأمام موسى الكاظم أحد الأئمة الأثنى عشر الذي يعرف بكظمه للغيظ و قد استشهد بالسيف (كذا)، ثم دفن الى جنبه بعد ذلك حفيده الأمام التاسع محمد التقي.

و يقول كذلك ان الكاظمية سكنها عدد كبير من الشيعة، بعد ان نهب الوهابيون العتبات المقدسة في الفرات الأوسط سنة 1801، و اصبحت مدينة مقدسة كبيرة ترتفع في وسطها قباب جوامعها المذهبة و تلمع ما بين بساتين النخيل المحيطة بها، و يقصدها الزوار بأعداد كبيرة.

و حينما شق والي بغداد داود باشا عصا الطاعة على الدولة العثمانية، و تحداها في امور و أحوال كثيرة، قررت تنحيته بالقوة، و سيرت جيشا تأديبيا عليه سنة 1831 بقيادة علي رضا باشا (اللاظ) فأزاحته عن الولاية بعد مقاومة غير يسيره، فكان آخر الولاة المماليك في بغداد. و كان علي رضا باشا قد انتدب من الموصل قبل زحفه على بغداد متسلما عنه قاسم باشا العمري متصرف الموصل، فوقف هذا مع ثلة من الجيش في الكاظمية قبل ان يدخل بغداد. و يقول لونكريك‏ في (اربعة قرون..) ان الأخبار وصلت الى عاصمة الولاية المحاصرة تفيد بوصول قاسم باشا الى الكاظمية مع سليمان غنام العقيلي (الذي رافق علي رضا من استانبول) و الشيخ صفوك. و فيها قرئ الفرمان بعزل داود على الملأ و ركع الجميع لأوامر الپادشاه، ثم ارسل عشرون وكيلا الى بغداد. فحدث بنتيجة ذلك أول هياج قام به رعاع محلة باب الشيخ الذين ساروا الى السراي و أحرقوا بابا من أبوابه.

و على أثر النكبات المتتالية المفجعة التي حلت ببغداد سنة 1831، يوم داهمها الطاعون المبيد و أغرقها فيضان دجلة المخيف، في الوقت الذي كانت تحاصرها جيوش علي رضا باشا التي سيقت لتنحية داود باشا عن الحكم، زار بغداد قادما من أيران الرحالة الانكليزي جيمس بيلي فريزر، و كان ذلك في تشرين الثاني 1834.

و قد تسنى له أن يزور الكاظمية في يوم 17 كانون الأول فيذكر شيئا عنها في رحلته، و قد آثرنا ايراد ما ذكره عنها هنا برغم ما فيه من بعض الأغلاط التاريخية التي لا تخفى على القارئ. فهو يقول:.. و قد ركبنا في المساء الى الكاظمية، و هي قرية تقع على بعد أميال ثلاثة من شمال بغداد، حيث يوجد ضريح الأمام موسى الكاظم إمام الشيعة الذي قطع رأسه (كذا) هارون الرشيد على ما اعتقد. و كان قد حبس في جب لا يزال يرى الى يومنا هذا، و هرب منه بمعجزة على ما يقال. و يزعم آخرون ان رأسه قد قطع بأمر من الخليفة، و مع هذا يمكن ان يشاهد في بعض الأحيان حتى في هذه الأيام جالسا في مكانه القديم في الجب. و الظاهر ان هذا المزار واسع جدا، و له قبتان مطليتان بالذهب و اربع منارات رشيقة. و قد طليت القبتان من قبل نادر شاه (كذا)، الذي يبدو انه التجأ الى هذا الأسلوب في تزيين قبور الأئمة و الاولياء تكفيرا عن شناعاته. و هذا مزار عظيم يقصده الزوار المسلمون بكثرة-أي ان جميع الذين يزورون كربلا لا بد من ان يأتوا لزيارة هذا المكان أيضا. و هو مثل سائر الأماكن الشبيهة به يزدهر بما ينفقه هؤلاء الزوار فيه، و يمتلى‏ء بالمتشردين و المنبوذين الذين يلوذون بحمايته.

و لم أحاول الدخول فيه لأني قد رأيت الكفاية من مثل هذه الأشياء، و أريد ان أتحاشى اللغط الذي يثار حينما يحاول الأجانب زيارته أيضا.

فيلكس جونز في الكاظمية

و في ربيع سنة 1850 قام الكوماندر جيمس فيلكس جونز بسياحات جغرافية للمسح و الاستقصاء العلمي في المنطقة الواقعة غربي دجلة في شمال بغداد، و كتب عنها مذكرة بعنوان (تتبعات في جوار سور الميديين، و في المنطقة الواقعة على مجرى دجلة القديم، و تثبيت موقع أوييس القديمة).

فرفعت هذه المذكرة الى الحكومة البريطانية في الهند خلال شباط 1851.

و طبعت في سلسلة المختارات الجديدة من سجلات حكومة بومبي، المجلد الثالث و الأربعون لسنة 1857.

و في خلال هذه الأعمال مر جونز بالكاظمية فكتب يقول عنها:..

و بعد ان خرجنا من بغداد و اجتزنا اسوارها المتهدمة (في جانب الكرخ) سرنا في طريق لا بأس به مدة خمسين دقيقة فوصلنا الى الكاظمية. التي كانت قبابها المطلية بالذهب و منائرها الرشيقة تكون منظرا خلابا و هي ترتفع في الأفق البعيد، و تتلألأ ما بين بساتين النخيل الخاشعة من حولها.

على ان ذلك المنظر سرعان ما تبين حقيقته حينما يدنو الناظر اليه من البلدة فيجد ذلك المشهد الجميل محاطا بمجموعة متراصة من البيوت الحقيرة المتهدمة، المبنية بالطين و الطابوق المفتت. و يسكن البلدة سكانها العرب مع عدد غير يسير من الأيرانيين، و الهنود الشيعة المنفيين من بلادهم لاسباب سياسية او المقيمين للعبادة و التبرك. و يزور الضريح المقدس في هذه البلدة كل سنة عدد هائل من الزوار الذين يتواردون عليه من أنحاء العالم الأسلامي كله، و حيثما يقدس الأمام علي و ذريته. و لذلك يجتمع هنا خليط عجيب غريب يجمع بين مظاهر الثراء و الأبهة و مباذل الفقر و الشحاذة، كما يجمع بين ملابس الحرير و الأسمال أو الخرق البالية. و من المحظور على النصارى و اليهود التقرب من المشهد المقدس، غير اننا استطعنا أن نشاهد ما يعجب من الأشياء، و ما يجعل المرء يأسف على عدم مشاهدة الكثير من أمثال هذا المبنى الجميل الضخم في بلاد يمكن ان يبنى فيها على طرازه.

فقد وجدنا الصحن المربع المحيط بالحضرة مزدانا بزينة الموزاييك الغنية بالقيم الفنية، و الجدران مزوقة بالآيات القرانية و الجمل الدينية المكتوبة بالأحرف العربية الجميلة. و لما كنا و نحن نمرّ بالبلدة المقدسة في عشية يوم النوروز فقد كان من الممكن للمرء أن يشاهد في كل مكان امارات الفرح و الحبور ترتسم على وجوه الناس و تمتزج بتعابير العبادة و الخشوع الظاهرة عليهم. و قد كان ذلك يبدو على شي‏ء غير يسير من الروعة حينما كانت الشمس المائلة الى المغيب ترسل أشعتها الأخيرة الباهته على المنائر و القباب المذهبة فتلوح للرائي كالنجوم المتلألئة التي تجتذب الزوار اليها من بعيد.

هذا و قد مررنا في طريقنا بأناس قادمين من كل حدب وصوب، و منتمين الى كل عنصر و عرق، فمن سكان التيبت و كشمير و الأفغان و أيران، جانب من صحن الامامين الكاظمين اسكن

الى المغول و العرب المواطنين. و كانوا يغذون السير-و هم-راكبين أو راجلين ليصلوا الى مبتغاهم فيستطيعوا إداء الزيارة في صباح اليوم التالي من دون تأخير. كما مررنا بآخرين كانوا قد فرشوا سجادهم أو عباءاتهم.

على قارعة للطريق، و أخذوا يؤدون الصلاة بكل نشاط و أخلاص. و قد كانوا، و هم يستقبلون القبلة للقيام بهذا الواجب الديني المفروض، تبدو في وجوههم شتى المشاعر و الأحاسيس و مختلف المخائل و السمات. و من المكن ان يقال أنه لا يوجد أي مكان آخر في العالم يجتمع فيه مثل هذا الخليط من الناس و هذا الاختلاف في المشاعر و التعبير. على ان تقاسيم وجه العربي المعبرة، اذا ما ضمت الى لباسه الجذاب وحدة نظره و استقلال شخصيته، مع سلاحه المطروح الى جانبه، لتدل كلها على مخائل عرق ممتاز متفوق حتى عندما يلاحظ في حالات الانحناء و السجود.

و بعد ان يبتعد المرء قليلا عن البلدة تبدأ منطقة التاجي التي تمتد البادية من حولها الى جنب بساتين النخيل التي لا تمتد عن ساحل النهر الى أبعد من ثلاث مئة يارده. و تأتي بعد ذلك مستنقعات عقرقوف المتكونة من فيضان الفرات الذي يبعد عنها بمسافة خمسين ميلا، و يتصل بدجلة عن طريقها. فتحاط الكاظمية و بساتينها على هذه الشاكلة بالماء من جميع الأطراف، و تصبح و كأنها جزيرة في وسط بحر متلاطم بالأمواج.

موسوعة العتبات المقدسة ــ قسم الكاظمية