التجارب الإنتخابية الأولى في العراق.. انتخابات الجمعية التأسيسية في العراق (1922-1924)

التجارب الإنتخابية الأولى في العراق.. انتخابات الجمعية التأسيسية في العراق (1922-1924)

د. علي البديري

بتاريخ 21حزيران 1920، أعلنت الادارة البريطانية في العراق، بأن السير برسي كوكس p. Cox الذي سيصبح المندوب السامي البريطاني، سيكون في بغداد الخريف القادم، حيث خول بتنصيب مجلس دولة برئاسة عربية، وجمعية عامة منتخبة من قبل سكان البلاد عبر أنتخابات حرة عامة. وبدا واضحاً، بأنه سيعهد الاعداد لقانون أساسي،

الى التشاور مع جمعية عامة منتخبة، وكما نصت شروط او بنود الانتداب، ومن جانبها، أصرت الحركة المناهضة للانتداب على دعوة فورية لانعقاد الجمعية وعارضت أي ارجاء حتى الخريف. وعلى أية حال، دعت الادارة البريطانية في 12تموز 1920، النواب العراقيون السابقون في المجلس العثماني (النواب) والاعيان السابقون في مجلس المبعوثان الى اللقاء في مجلس ومناقشة الاساس الانتخابي لانتخابات الجمعية العامة. في حين، شددت حركة مناهضة الانتداب على مطالبها السابقة، وحاولت اقناع النواب السابقين برفض الدعوة، غير انها فشلت في ذلك. وتقول غيرترود بل Gertrude Bell بهذا الصدد: ان فريق الوطنيون مال بوجه عن المشروع (الدعوة) لاعتقادهم بأنها محاولة من جانبنا لسحب البساط من تحت أقدامهم. وعليه، فأن ثلاثة من أصل خمسة اعضاء في اللجنة التنفيذية للمندوبين، وهم كل من: محمد الصدر، يوسف السويدي، وجعفر ابو التمن، رفضوا العضوية التي عرضتها عليهم لجنة المندوبين السابقين خلال اجتماعها الثاني. وتجدد الهياج الوطني في بغداد، غير ان سلطات الادارة البريطانية قمعته و سارعت الى اعلان الاحكام العرفية، وعد ذلك نهاية حرس الاستقلال كحزب.

واصلت لجنة الانتخابات عملها في تنقيح قانون الانتخابات العثماني، فيما اعلن السير برسي كوكس بتاريخ 11ت2 1920 عن تشكيل مجلس مؤقت للدولة برئاسة عبد الرحمن النقيب، فعرض امامه قانون الانتخابات العثماني المنقح بعيد تسلمه من لجنة الانتخابات في 4ت2 1920. مجلس الدولة، ومن جانبه، اقترح ان يكون التمثيل الخاص متوافقاً مع القبائل اضافة الى الطوائف غير المسلمة في البلاد، وقرر أيضاً، بأن يعرف القانون الانتخابي للجمعية العامة بأسم: النظام المؤقت لانتخابات الجمعية التأسيسية، وصادق على هذه المقترحات في 16ك1 1920.

غير ان انقضاء ثلاثة أشهر من دون افتتاح الجمعية العامة المنتخبة، ومن جانب اخر، شجع جريدة (الاستقلال) المناوئة للانتداب، لتصبح اكثر تبرماً حيال مجلس الدولة (الحكومة المؤقتة) والسياسة البريطانية معاً، وقاد الى تعليق صدورها في 10شباط 1921. وتصرف الزعماء المناوئين للانتداب، وبينهم عدداً من المندوبين على نحو غير فعال، رغم حدة المنشورات المناهضة للانتداب والتي ظهرت على الجدران في بغداد، وعلم ايضاً، ان عدداً من القبائل تعتزم الثورة ضد الحكومة. ان هذه الدلائل وغيرها، اقنعت على ما بدا، المندوب السامي ومؤتمر القاهرة الذي دعا اليه وزير المستعمرات البريطاني ونستون شرشل للتقرير ومن بين عدة اشياء مستقبل العراق، بتأجيل أنتخابات الجمعية التأسيسية. ومؤتمر القاهرة بدوره، سمى الامير فيصل بن الشريف حسين الذي اجبر على ترك سوريا، ليكون حاكماً على العراق، فعادت الحركة المناهضة للانتداب الى المطالبة بأنتخاب الامير فيصل ملكاً عبر الجمعية التأسيسية، فيما قرر مجلس الدولة اجراء استفتاءً شعبياً عاماً بدلاً من ذلك.

وعندما جرى الاستفتاء جعلت الحركة المناهضة للانتداب قبولها بفيصل ملكاً على العراق، مشروطاً بنظام الجمعية التأسيسية في غضون مدة امدها ثلاثة أشهر، تبدأ من تاريخ تسلم الامير فيصل مهامه الرسمية ملكاً على البلاد. وفي خطاب الجلوس على العرش بتاريخ 23اب 1921، وعد الملك فيصل بأن من اول مهامه مباشرة الانتخابات ودعوة الجمعية التأسيسية للانعقاد من اجل صياغة الدستور والتصديق على المعاهدة الانكليزية – العراقية.وفي اطار الملكية اصبح مجلس الدولة حكومة، ومهمتها الرئيسية مفاوضات المعاهدة. والمعاهدة في المنظور البريطاني، تضمين للتعهدات البريطانية كدولة منتدبة على العراق،وحماية مصالحها في البلاد، عبر اعادة صياغة شروط او بنود الانتداب بشكل معاهدة مع دولة العراق. في حين، وفي منظور العراق تعني انهاء الانتداب البغيض. التقاطع في الرؤيتين طال من امد المفاوضات حتى 25حزيران 1922، عندما قبلت الحكومة العراقية، وتحت تأثير الضغط البريطاني، المعاهدة، فيما أكتسب الاهتياج الكبير ضد الانتداب والمعاهدة، والذي قادته الحركة المناهضة للانتداب، زخم جديد، لان الملك فيصل الذي كان على تماس متواصل وتعاطف مع الحركة في البلاد، رفض الموافقة على قرار الحكومة. وأخبر المندوب السامي بأنه ان قبل بالمعاهدة، فأن سقوط سيكون مؤكداً. فقد كان مقتنعاً بأن الجمعية التأسيسية سوف تتنكر له وللمعاهدة معاً، فقرار قبول الحكومة بالمعاهدة يعني بأن على الجمعية التأسيسية الانعقاد حتى تتخذ قرارها.

وبعد استقالة جعفر ابو التمن، ممثل الحركة المناهضة للانتداب، من الحكومة أحتجاجاً على قبولها المعاهدة، تبين للحركة بأنه وفي اطار الظروف الراهنة، فأن من الصعب اجراءانتخابات حرة من دون تدخل الحكومة العراقية الواقعة تحت تأثير الهيمنة البريطانية. لذا، جرت الدعوة لعقد اجتماعاً في النجف الاشرف بتاريخ 27تموز 1922، حيث تضمن البيان الذي نتج عنه المطالبة بحل الحكومة، والتهديد بمقاطعة الانتخابات ان استمر الموقف السياسي على ما هو عليه. وفي بغداد، عبرت العريضة الموجهة الى الملك، بعد طوافها في ارجاء المدينة للتوقيع عليها، عن التصميم لنيل الاستقلال التام، معارضة المعاهدة، ومقاومة اجراء الانتخابات، التي نشرت ظوابطها في ايار 1922. وزادت حادثتي النجف وبغداد من تفاقم الازمة داخل الحكومة، حيث قدم أعضاؤها استقالتهم في 14اب 1922، بعد ان شعروا انهم لن ينالوا ثقة الملك فيصل الاول.

وفي غضون ذلك، تأسس الحزبان المناهضان للانتداب: الحزب الوطني العراقي بزعامة جعفر ابو التمن، وحزب النهضة بزعامة امين الجرجفجي، حيث كان السيد سعيد محمد الصدر المحرك الروحي لهما، قد استغاث الامة العراقية، بعد خمسة أيام من استقالة الحكومة،في جريدة (المفيد) لمعارضة الانتداب والمعاهدة،وطالب بتأجيل انتخابات الجمعية التأسيسية حتى يتحسن الموقف السياسي لدرجة تكفي لمنع الفساد في الانتخابات(14). وفي الذكرى السنوية الاولى لجلوس الملك فيصل الاول على عرش البلاد (23اب 1922) نظم الحزبان تجمعاً في فناء القصر الملكي للتعبير عن موقفهما الجديد، والقيت كلمة بحضور ممثل الملك، وفيها بين الحزبان اسباب المطالبة بأنتخابات الجمعية التأسيسية قبل عام، والمطالبة بتأجيلها اليوم، وسلم ممثلي الحزبين أحتجاجاً بذلك الى الملك، والذي جرى نشره في جريدتيهما في اليوم نفسه، فهاجم الاحتجاج السياسة البريطانية في العراق، ودعا الى أنهاء التأثير البريطاني في الادارة. وطالبا فيه ايضاً بتشكيل حكومي قوامه من الوطنيين المخلصين، وبالتالي فلا اقرار بالمعاهدة او الدخول في مفاوضات، حتى تجتمع الجمعية التأسيسية بعد أنتخاب أعضاؤها أنتخاباً حراً.

كان الملك فيصل الاول، وفي اليوم نفسه، يعاني من ألتهاب الزائدة الدودية، والتي تطلبت اجراء جراحة فورية له. وهذا، الى جانب الفراغ الحكومي، قد سمحا للمندوب السامي من الاستيلاء على السلطة في البلاد. فقام بالتضيق على حركة المعارضة عبر أعتقال ونفي قادتها، وقمع أعلامها وأحزابها، وأصدار أوامره الى الطيران الحربي بقصف الشيوخ وقبائلهم المناهضة للانتداب.

وبينما كان الملك فيصل يتماثل للشفاء، طلب ونستون شرشل بتاريخ 29اب 1922، من المندوب السامي برسي كوكس تكليف السيد عبد الرحمن النقيب بتشكيل حكومة جديدة، ظاهرها الاضطلاع بالعمل الروتيني للادارة، وهو الموضوع الذي صادق عليه الملك بالنتيجة. والحكومة ستعلن المعاهدة على الفور، وأن تبين للملك بأن على بريطانيا ان لا تسمح لسياستها لان تكون تخريبية عند غيابه. فبين الملك (قائلاً) اذا قررنا الذهاب الى الانتخابات، فأن حكومة النقيب ستعلم، بالطبع، جميع الموظفين الانكليز والعرب، بأستخدام نفوذهم لتأمين القبول بالمعاهدة. وفي 2أيلول 1922 سأل شرشل المندوب السامي كوكس، بأن يطلب من الملك فيصل الاقرار بالتدابير التي اقدم عليها (المندوب السامي) خلال مرض الملك، والاتفاق على مشاورة المندوب السامي والتصرف بناءً على مشورته في تشكيل الحكومة. وفي 14أيلول، شدد على ان الملك والحكومة سيعملان بحماسة من اجل تمرير المعاهدة عبر الجمعية التأسيسية.

ومن أجل الابقاء على سلامة عرشه، وشعوره بان الغاية تبرر الوسيلة، اذعن الملك فيصل الاول لشروط المندوب السامي، لذا، استغرق تشكيل الحكومة حتى 29أيلول 1922، فأقرت التصديق على المعاهدة في 10ت1 1922، وجرى نشرها في 13ت1، ثم صدرت الارادة الملكية بتاريخ 21ت1، والتي تحدد بمقتضاها يوم 24ت1 موعد البدء في انتخابات الجمعية التأسيسية.

عن ( مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية) ــ حزيران 2011.