هل عرف العراقيون الحكومات المحلية في العهد العثماني الأخير؟

هل عرف العراقيون الحكومات المحلية في العهد العثماني الأخير؟

د. عدنان هرير الشجيري

تعد هذه المجالس الأدارية والبلدية، التي تقرر انشاؤها في مراكز الولايات والوحدات الاداريةالتابعة لها بموجب نظام أدارة الولايات لسنة 1864، أحد أهم أركان النظام الاداري العثماني، بغيه فسح المجال أمام مشاركة أهلية اوسع في أدارات الحكم، وبهذه المشاركة ستلقى الحكومة جزءاً من اعباء المسؤولية على عاتق الاهالي، واضفاء مسحة ديمقراطية على النظام السياسي القائم، واشتملت على:

مجلس أدارة الولاية:

تألف من أعضاء معينيين وأعضاء منتخبين، أما الأعضاء المعينون فهم كل من الوالي رئيسا للمجلس، وعضوية كل من القاضي، والدفتر دار، والمكتوبجي، والمفتي ونقيب الاشراف، وأحيانا معاون الوالي بعد أن أعيد العمل بهذا المنصب سنة 1907 والى نهاية الحكم العثماني، وتراوح عدد الاعضاء المتخبين من أربعة الى ستة نصفهم من المسلمين والنصف الاخر من غير المسلمين، يتم انتخابهم من أهالي الولاية الحائزين على ثقة المواطنين بواسطة لجان خاصة تسمى لجان التفريق. وتنعقد المجالس الادارية أربع مرات سنويا، برئاسة رئيس الوحدة الادارية، او من ينوب عنه قانونا وأشتملت أعمالها على تدقيق واردات الولاية ومصروفاتها، والنظر في الضرائب ومتابعة الخدمات العامة، وأجراء المبايعات والمقاولات الحكومية، ومتابعة الشكاوي التي يرفعها المواطنين ضد الموظفين، وتقرير العقوبة المناسبة بحق المسي باغلبية ثلثي أعضاء المجلس، ولكن هذه العقوبات لاتاخذ صفتها التنفيذية الاعند أقترانها بفرمان سلطاني.

مجلس ألولاية ألعمومي:

أقر نشاؤه بموجب المادة الخامسة والعشرين من نظام أدارة الولايات لسنة 1864 والتي نصت على انشاء مجلس عمومي في مركز كل ولاية من ولايات الدولة، وهو مجلس نيابي أستشاري تالف من أربعة أعضاء منتخبين من كل سنجق أثنان من المسلمين واثنان من غير المسلمين، وللمجلس دورة انعقاد سنوية أمدها أربعون يوما، برئاسة أحد أعضاء المجلس الذي يتولى رئاسة المجلس بالنيابة عن والي الولاية، ويبحث المجلس في الوسائل الكفيلة بترقية الحياة الأجتماعية والأقتصادية والثقافية، وعلى الرغم من أن وظيفة المجلس أستشارية، فأن الوالي مسؤول عن نقل توصياته الى الحكومة المركزية لاستحصال الموافقة عليها.

على الرغم من صدور قانون تشكيل المجلس المذكور في سنة 1864 لكنه لم يخرج الى حيز التنفيذ في جميع الولايات العثمانية باستثناء بغداد التي تشكل فيها أول مجلس من هذا النوع في 14 تشرين أول 1913، ولم تتوفر معلومات عن المجلس بعد هذا التاريخ، ويعتقد أن تعقد الاوضاع الدولية انذاك، ومن ثم اندلاع الحرب العالمية الاولى قد سرقت أضواء الاهتمام به.

المجلس البلدي:

أستناداً الى توصيات المجلس الاعلى للاصلاح في الدولة العثمانية في سنة 1857 اسست في ولاية بغداد في عالم 1868 أول بلدية عثمانية في العراق وعندما تولي مدحت باشا أمور الولاية في السنة التالية (1869) أمر بتاسيس بلدتيين احداهما في سنجق الموصل، والاخرى في سنجق البصرة وعلى الرغم من تاسيس هذه البلديات الا ان مجالس ادارتها بقيت غامضة حتى صدور قانون البلديات الاول في سنة 1877، الذي أوجب تاسيس دائرة بلدية ومجلس بلدي في مدن ولايات الدولة كافة، وبموجبه تألف المجلس من رئيس واعضاء، ويتم اختيار الرئيس من قبل السلطة المحلية للولاية أو السنجق أو القضاء من بين اعضائة المعينيين ولفترة رئاسية أمدها أربع سنوات قابلة للتجديد، أما الأعضاء فينقسمون الى قسمين أعضاء معينيون وأعضاء منتخبون، يتكون الأعضاء المعينون من رؤساء شعب البلدية، أما الأعضاء المنتخبون فيتم اختيارهم من وجهاء المدينة وميسوريها بين (6-12) عضوا ولفترة عضوية أمدها أربع سنوات، وأن عضوية المجلس عضوية شرفية (من دون راتب) باستثناء الرئيس الذي تتكفل البلدية بدفع راتبه من ميزانتها الخاصة، كما يضم المجلس معاونا للرئيس وكاتب وامين صندوق وعدد من الاستشاريين، وقد أنيطت بالمجالس البلدية مهام كثيرة اجتماعية واقتصادية وثقافية وعمرانية وأمنية، وتعتمد في تغطية نفقاتها على مخصصاتها من ميزانية الولاية وعلى الرسوم والضرائب المكلفة بجبايتها.

وقد تعرضت البلديات ومجالسها الى أهمال كبير وخصوصا في الجانب المالي مما حال دون قيامها بواجباتها الاساسية كتوفير مياه الشرب والنظافة والرعاية الصحية مما أدى الى أنتشار الامراض والاوبئة الفتاكة كالهيضة التي أجتاحت الولايات العراقية أربع مرات 1871، 1889، 1894، 1899 وتفشي الطاعون ثلاث مرات 1879، 1881، 1882.

الادارة المالية:

اقترنت الادارة المالية في الولايات العثمانية قبل حركة الاصلاح (التنظيمات) بمنصب الدفتردار، فهو أرفع مسؤول في الادارة المالية للولاية، الا أنه لم يكن الوحيد إذ تم استحداث مناصب أخرى كلما دعت الحاجة الى ذلك، مثل أمين الجزية وأغا الخراج والخزانة دار. وللدفتردارية دائرة خاصة تعرف بـ(الدفترخانة) مستقلة عن سراي الوالي،وعد الدفتردار ممثلا للسلطان في الشؤون المالية للولاية، وتتركز واجباته على ضبط حساباتها، ولهذا كان يحتفظ بسجلات وارادات ومصروفات الولاية،وعليه تقع مسؤولية أعداد ميزانتها وضبطها، ويساعده في أعماله عدد من الموظفيين والكتاب والملتزمين والمحصلين وعلى راسهم الروز نامجي المكلف بامانه سجلات الواردات والمصروفات.

اما الادارات المالية خارج حدود مراكز الولايات، فكانت تقتصر على عدد محدود من الموظفيين الذين يتخذون من مراكز السناجق والأقضية مقرات لأعمالهم، أو الذين كانوا يجوبون القرى والمناطق النائية ألريفية وألبدوية في مواسم الحصاد، أو في مواسم معينة لجمع الضرائب.

وقد شهد عهد التنظيمات-صدور العديد من التشريعات المنظمة للادارة المالية، وفي طليعتها نظام أدارة الولايات لعام 1864 الذي شكلت نصوصه أساساً للبناء الاداري المالي اللاحق في الولايات العثمانية وبموجبه عد الدفتردار أكبر موظف في الادارة المالية للولاية. ومسؤولا عن دوائرها واعمالها أمام نظارة المالية، و خاضع في الوقت نفسه الى سلطة الوالي واشرافه، وهو أحد موظفي الولاية البارزين الذين أطلق عليهم لقب (أركان الولاية) كالقاضي والمكتوبجي لذلك كان يعين من قبل الحكومة المركزية، وله عضوية دائمة في مجلس أدارة الولاية.

كانت الدوائر المالية العثمانية تستحصل وارداتها المالية من الضرائب والرسوم بطريقتين، الاولى المبااشرة وتسمى بطريقة " ألأمانة "، وفيها يتم أستحصال الواردات عن طريق موظفين حكوميين متخصصين يسمون بالمحصلين، والثانية غير المباشرة، وتسمى بطريقة "الألتزام" وفيها يتم استحصال الواردات بواسطة متعهدين يقومون باعمالهم بموجب نظام خاص سمي(بنظام الالتزام) صدر في العام 1860، وتناول قواعد وشروط الالتزام.

عن رسالة (النظام الإداري في العراق)