رفعة الجادرجي يتحدث عن نشأته الأولى

رفعة الجادرجي يتحدث عن نشأته الأولى

نشأتي الأولى تعود إلى نحو ثمانين عامًا. لذا ما أتذكره منها هو ليس بالكثير، بل أتذكر عموميات حقبة الطفولة. كان والدي هو المؤثر الأول في نشأتي. كان لا يستعمل اللغة الدينيّة الدارجة أبدًا، وأنا لم أسمع منه ولا مرّة في حياتي كلمة "الله". فهو لم يكن يصلّي ولا يصوم ولا يقرأ القرآن. أمّا بالنّسبة للوالدة، فكانت تقوم ببعض الطقوس الدينيّة، لكنّي لم أسمعها تستعمل لغة دينية، بالرغم من أنّها كانت مؤمنة إلى حدّ ما.

أمّا أنا فكنت منذ طفولتي ثائرًا على تقاليد المجتمع. إذ إنني لا أؤمن بوجود قوى غيبيّة خارجة عن منطق العقل. لذا حينما كانوا يبلغونني أنّ هناك عفاريت أو شيطانًا في سراديب البيوت الكبيرة (وهي غرف تحت الدار لخزن المؤن وتستخدم كملجأ بارد من حرّ بغداد)، كنت أذهب إلى تلك الأماكن المظلمة كي أبرهن للعاملين في تلك الدور، أنّه لا يوجد عفاريت فيها ولا يؤمّها الشيطان. ربّما ساعدتني كثيرًا في ألّا أتأثّر باللغة الدينيّة، دراستي الابتدائيّة التي كانت في مدرسة الأميركان، وهي مدرسة بروتستانتيّة علمانيّة.

عشت في بيوت عدّة، والسبب في ذلك كان وفاة جدّي في عام 1927، فتمّ تقسيم دار جدّي التي كانت تتضمن داخلها بيوتًا عدّة. واستورث عمّي رؤوف الجادرجي أحد البيوت وجعله سكناً له، أما البيوت الأخرى فصارت من حصّة والدي وعمّتي. وعندما باعها والدي، اضطررنا إلى استئجار بيت في الكرّادة الشرقية مطلّ على نهر دجلة. ولم نبقَ أكثر من عام

في هذا البيت الذي كان عبارة عن مشتمل (وهو بيت ملتصق بحائط الجيران) لكن أمامه حديقة واسعة.

بعد عام انتقلنا إلى حي باب الشيخ وعشنا في دار كبيرة، في داخلها حوش واسع بعدد من الغرف. وكانت غرفة الوالد واسعة، استخدمها في استقبال ضيوفه. كانت الغرفة تحتوي على مكتبة كبيرة. قضينا في هذه الدار ثلاث أو أربع سنوات، أيّ حتى عام 1932.

أمّا سبب التنقل، فهو أنّ الوالد قرّر أن يبني بيتًا لا أن يرث واحدًا، واشترى قطعة أرض كبيرة في شارع طه لهذه الغاية.

ان بدري قدح معماريًّا سوريًّا تخرّج في جامعة السوربون في فرنسا. هو لم يصمّم ربما أكثر من ثلاثة أو أربعة بيوت في بغداد، منها بيت محمد حديد، وبيت كامل الجادرجي، وبيت أحد الأشخاص من عائلة القصّاب.

لاعلم لي بمعماريين آخرين في العراق في تلك الحقبة. لكن حسبما أعلم أن أول المعماريين الذين دخلوا العراق، هم معماريّون بريطانيّون جاؤوا مع الجيش البريطاني في مطلع العشرينيّات من القرن الماضي. أمّا في الثلاثينيّات فكان هنالك مهندسون أجانب وليس معماريين.

ربّما لأنّ تفكيركامل الجادرجي كان تفكيرًا علميًّا. كان الوالد منتظمًا في معيشه ودقيقًا في حفظ الوثائق، كما كان يمارس هواية التصوير. عندما انتقلنا إلى شارع طه وضع في مدخل الدار، تحديدًا على باب المدخل الخارجي الخاص به، جهاز ميزان للحرارة، فكان يرصد التحوّلات المناخيّة في العراق من عام إلى آخر.

كان البيت مقسومًا إلى قسمين، قسم خاص به مع حمّام ومطبمخصّصين به وبالضيوف. كان الوالد مهتمًّا بتصميم الدار وبعلاقات الغرف من حيث الحركة والوظائف المعيشيّة. عندما كانت تقام بعض الشعائر والاحتفالات الدينيّة في الدار، كان لا يتدخّل إنّ لم تؤثّر على معيشه.

كان الوالد يجيبني بطريقةٍ علميّة عندما أسأله عن ظاهرة ما ويُقنعني. كان يفسّر لي المبادئ العلميّة لتلك الظاهرة. كان مهتمًّا بالقضايا العلميّة والأبحاث الأنثروبولوجيّة، فاشترك بعدد من المجلّات الأجنبيّة، العلميّة والاجتماعيّة، باللغة الإنكليزيّة.

كنت أراقب التفاصيل التي يتناقش بها الوالد مع الحرفيين وذلك عندما انتقلنا إلى بيت شارع طه. حينها كان يزوره المعماري أحمد مختار إبراهيم، وهو أوّل المعماريين العراقيين الذين درسوا في إنكلترا، وأوّل معماري في العراق.

كما التقيت في تلك الفترة بالطيّار جواد حسين، وهو الذي قصف بغداد في انقلاب 1936، وحُكم عليه بعد الانقلاب بالسجن المؤبّد. وخلال حركة 1941 التي قام بها رشيد عالي الكيلاني، طلب الوالد إصدار عفو بحقّه وقد لُبّي الطلب. لكن بعد فشل الحركة، وخوفًا من إلقاء القبض عليه ثانية، إلتجأ إلى دارنا لمدّة قصيرة. كنت أتحدّث معه عن الموسيقى الغربيّة الكلاسيكيّة، وكان مُلمًّا بالأوبرا، فترك لي مجموعة من الأسطوانات لسماع الأوبرا الإيطاليّة. كانت هي المرّة الأولى التي أتعرّض فيها لسماع الأوبرا. قبلها كنت أستمع إلى السمفونيّات وذلك بتأثير من قبل بعض أصدقائي في شارع طه، خصوصًا قحطان عوني الذي كان له تأثير عليّ لجهة الإطّلاع على الحركات الفنّيّة في أوروبا. أمّا الوالد فلم يكن له هواية في سماع الموسيقى الغربيّة الكلاسيكيّة.

في فترة الأربعينيّات باشرت في قراءة الأدب العالمي عن طريق الترجمات، ومنها الترجمات العلميّة التي كانت تصدر من قبل دار الترجمة والنشر في القاهرة.

لقد درس معماريو الجيل الأول في إنكلترا، وعادوا إلى العراق يمارسون مهنتهم تحت ظروف المجتمع العراقي آنذاك. كان المجتمع العراقي يحيا في ذلك الوقت مرحلة تأسيس الدولة، ساعيًا إلى الحداثة والخروج من المجتمع العثماني التقليديّ المُتديّن. علّمت الرسم الهندسي في مكتب المعماري مدحت علي مظلوم، كما تعرفت بحكم العمل معه على بعض كتب العمارة وعلى أعمال الشاعر الإنكليزي تي أس أليوت.

كان بيتنا في شارع طه، تكوّن هذا الشارع جرّاء عامل الصدفة. فقد انتقلت العائلات، ومن دون تخطيط مُسبق، من بغداد القديمة إلى ما كان يُعتبر خارج بغداد، مثل منطقة العيواضيّة وشارع الزهاوي وشارع طه. وصودف أن اختارت شريحة من الشباب، تشغلها هموم الحداثة والثقافة المتنوّعة كالأدب الإنكليزي والرسم الحديث والموسيقى، المجيء للسكن في هذا الشارع ومحيطه.

كان تأثير جواد سليم عرضيًا، لأنّه كان أكبر عمرًا مِنّا، ومع ذلك لم يكن هو الوحيد، بل كان هناك القاص عبد الملك نوري، الذي فتح أمامنا الباب للاطّلاع على الحركات الفنّيّة الحديثة في أوروبا.

دام غيابي عن العراق ست سنوات من 1946 إلى 1952، وكان العراق إذ ذاك يشهد تكوّن طبقة وسطى برجوازيّة ويسعى لقيام نهضة صناعيّة وزراعية في أنحائه. تلك السنوات الستّ التي غبتها للدّراسة في بريطانيا تزامنت مع هذه الحقبة. لم ألاحظ عندما عدت فارقًا كبيرًا جدًّا، بل وجدت بعض التطوّر في إطار النهضة الفكريّة العامّة، خصوصًا في الأدب والفن، وبعض التطوّر القليل أيضًا في قطاع الخدمات. لكنّي وجدتُ السلطة أكثر استبدادية، وذلك مع سيطرة نوري السعيد والوصيّ عبد الإله على الممارسة السياسيّة عامة، واستخدام العنف ضدّ المعارضة. إلّا أنّني كمعماريّ لاحظت أن موقع ممارسة العمارة تحسّن كثيرًا، وتمثّل الأمر بإقبال الناس على المعماريين لتصميم وإنشاء عمائرهم بدلاً من اعتمادهم، كما في السابق، على المهندسين المدنيين والبنّائين الحِرَفيين. والفضل في هذا يعود إلى الممارسة المهنيّة التي حقّقها كلّ من المعماريين مدحت علي مظلوم وجعفر علاوي ومحمّد مكّيّة.

من لقاء مطول اجراه الصحفي اللبناني فادي طفيلي مع الجادرجي ونشرته العديد من المواقع، ومنها موقع (درج).