المفكر د. جميل نصيف التكريتي وإرثه الفكري والثقافي

المفكر د. جميل نصيف التكريتي وإرثه الفكري والثقافي

هاتف الثلج

نعت الأوساط الثقافية في العراق والعالم العربي، المفكر والناقد الكبير والمترجم المقتدر والأكاديمي المعروف الدكتور جميل نصيف التكريتي، الذي رحل صباح هذا اليوم السبت 2-12-2023 عن عمر ناهز الرابعة والتسعين عاماً، مخلفاً وراءه إرثاً فكرياً وأدبياً وثقافيا في مختلف الاتجاهات الثقافية.

نعم، قد يكون الأستاذ جميل مات جسدياً وهو موت شكلي، فهو حي بما تركه من بحوث وتراجم ومنجزات أخرى تمثلت في ما كتبه في النقد الأدبي والنقد المسرحي والأدب المقارن والتراجم المختلفة، لاسيما تلك التي ترجمها عن اللغة الروسية والتي أشاد بها النقاد بوصفها من أفضل التراجم التي تقرب في ترجمتها من لغتها الام، وهو أمر غاية في الصعوبة لا يتأتى لأي كان، وهو يذكرنا بترجمة سامي الدروبي للأعمال الكاملة للروائي العظيم دستويفسكي.

ان إتقانه للغتين العربية والروسية مكنته من الاطلاع على عيون الثقافات والأفكار من مصادرها الرئيسة، كما ان خلفيته الإيديولوجية والفكرية والسياسية اعني الفلسفة الماركسية مكنته من ان يمتلك ناصية الترجمة المتكاملة التي تجمع بين النصوص وحال النص، حتى قال عنه معظم النقاد. (انه يكاد يتفوق بترجمته حتى على النص المترجم).

ان العمر الذي أستغرقه في الحياة والذي يقرب من قرن الزمان، كان عاملاً مؤثراً جعله شاهداً على الكثير من الأحداث المحلية والعربية والعالمية، كذلك ساهم في بعضها، ان خلفيته الماركسية قد انعكست على نمط كتاباته ومحاضراته، لكن هذا لم يمنع انه تأثر بالفكر العربي الإسلامي بحيث لا ينكر إعتزازه بكل ما ينتمي الى لغة وتراث العرب.

وهو قد عاشر الكثيرين من أدباء ومثقفي العالم، وشاهد عن كثب كيف أنهم يعتزون بوطنيتهم وانتماءاتهم القومية، فهو لم ينسلخ عن التراث، بل.. طبع هذا التراث من اجل أن يكون مواكباً حضارياً، ذلك انه يؤمن ان الحياة تطور لغوي وفكري وإنساني وحتى سياسي، لذلك هو لا يؤمن بالتفوق الإيديولوجي.

ان استقراره في لندن وقبلها في موسكو، كان له اثر فعال في خلق هذا المفكر الذي أطلق عليه أبواه اسم (جميل) والذي هو في الحقيقة يجب ان نطلق عليه اسم إنسان للكل.

ذلك ما نلاحظه كثيراً في منحاه الإنساني فهو يدرج في التصنيف الثقافي إضافة الى كونه مثقفاً في المفهوم العام، فهو كذلك مثقف عضوي لم تكن الثقافة بمعزل عن هموم شعبه والإنسانية جمعاء.

اراد من خلال تفكيره وانجازه ان يهب الحياة والإنسان شيئاً يجعلهما أكثر قيمة وأكثر نفعاً، قد نقول انه إضافة لكونه يؤمن بمقولة ان الأدب للأدب كذلك في نفس الوقت ان الأدب للحياة، انما نقصده انه فيما أبداه قد لايفهمه الا نخبة المثقفين والمختصين ولكنه في نفس الوقت طبع فكره حتى يفهمه عامة الناس، فهو من نوع السهل الممتنع.

بدأ الدكتور جميل نصيف التكريتي، حياته طالباً متميزاً ومتفوقاً على اقرانه عندما أطل على الحياة في العام الف وتسعمائة وتسعة وعشرون، اي انه ولد في الثلث الأول من القرن العشرين.. قرن عصر الشعوب المناضلة والثورات التحررية والحروب العالمية وتنامي حركات التحرر في العراق والوطن العربي والعالم.

هذه الولادة في مثل هذه الظروف صنعت منه مثقفا متمكناً من أدوات الثقافة، وعلى المستوى التعليمي فقد أكمل بتفوق دراسته في دار المعلمين العالية، وعمل في التدريس الثانوي ومن ثم معاون مدير معارف بغداد، وبعدها إتجه للدراسة في موسكو في أوائل الستينيات.. والستينيات وقتها بلغت ذروتها فيما يعرف بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية.. رافق ذلك إنجاز علمي مميز وهو هبوط الإنسان على سطح القمر.

ان هذا الصعود في المجال السياسي والعلمي إنعكس على منحى تفكير الكثير من المثقفين، ولكن من المفارقات ان هذا الماركسي النزعة والذي عاش فترة في ظل الستار الحديدي هيأت له الأقدار ان يتجه صوب قلعة من قلاع الرأسمالية المتنورة ونقصد بها لندن، التي كان كثير التردد عليها منذ السبعينيات، ان استقراره في لندن منذ العام ألفين وستة بعد أن تقدم بطلب إحالته على التقاعد، قد هيأ له الفرصة لدراسة طبيعة المجتمعات الغربية ونمط سلوكها، واعتقد شخصياً أن الجو الفكري السائد في لندن والمتنوع والذي يمتاز بتنوعه الشعبوي والعرقي، قد جعله على إطلاع مباشر لأهمية التزاوج الحضاري مابين الثقافات.

لقد ودع خالي العزيز الحياة وقد أنجز الكثير مما أغنى به المكتبة العراقية والعربية، ولو أمتد به العمر لاشك انه سيكون قد ضاعف من إثراء الفكر الإنساني، ولكن عمر الإنسان محدود في هذه الدنيا وهو الذي يتحكم بمنجزه.

وانه على المستوى العائلي قد أنجب أربعة من الأبناء، الصغيرة ودعت الحياة مبكراً عن عمر يناهز السابعة عشرة من عمرها متأثرة من مرض عضال، وقد ترك ذلك الأمر لديه جرحاً غائراً.. والكبيرة طبيبة يليها طبيب ثم مهندس، اي أنهم جميعاً وفقوا في حياتهم المهنية والاسرية نتيجة رعاية مثل هذا الأب إضافة إلى الأم وهي مدرسة ثانوية.

يرى العديد من النقاد العراقيين والعرب والأجانب، إن ما أنجزه الدكتور جميل يمثل نقله عربية في الفكر العربي، فالكثير من مؤلفاته تتصدر المكتبات العراقية والعربية.

الدكتور جميل يمثل رداً على ما يدعيه بعض العنصريين الأجانب من أن الفكر العربي قاصر وعاجز على ان ينجب مفكرين متميزين، وهو رأي يتسم بالعنصرية والانتقائية ويفتقر الى آليات النقد الموضوعي.

سوف تظل أجيال متعاقبة تذكر بفخر منجز الناقد الدكتور جميل نصيف التكريتي، بوصفه علماً ريادياً عراقياً وعربياً، بل.. وحتى إنسانياً.. لذلك فإن رحيله عن هذه الدنيا يمثل خسارة من الصعب تعويضها في مجال الفكر والثقافة والتطلع الإنساني..

كان يعدني بمثابة إبن خامس له، وتوسم بي منذ وقت مبكر من عمري مستقبلاً باهراً في مجال الفكر والثقافة والإعلام، وعندما بلغت ما بلغت قال لي:

-ألم أقل لك انك ستصبح ذا شأن؟

وأستطرد خالي يقول:

- رُد الجميل إلى جميل.. وذلك بأن ترثيني رثاءً ليس فيه ندب النادبات ولا بكاء الباكيات وإنما تضعني في الصورة التي عرفتها عني وبذلك تجعلني أسارع أن ابعث لك تهنئة من عالم الأموات عسى الله ان يطيل عمرك مثلي وهذا ما أتوقعه.

فلتنعم روحك بسلام أبدي كما تمنيت.. فنم مطمئناً لأنك تركت بصمة لاتمحى في تراث بلدك وأمتك وعالمك، ومثلك لا يتكررون بسهولة.. الا يكفيك لقد نلت الخلود.. خلود الكلمة والفكرة والزهو الإنساني.

لم يقتصر منجز الناقد الكبير الدكتور جميل نصيف التكريتي، على إرثه الفكري والثقافي، بل.. أصبح لديه الكثير من التلاميذ والمريدين الذين تأثروا بفكره عن قناعة تامة، كما ان الكثيرين من طلبة الدراسات العليا أصبح ما أنجزه من مؤلفات تمثل لهم مرجعا مهما وهم يستمدون منها الكثير مما يمنح طروحاتهم بعداً فكرياً وثقافياً.

ومن الطريف ان تلاميذه في كلية الآداب وكلية الفنون الجميلة، يذكرون بمحبة كيف انه كان حريصاً ومقتراً في منحه للدرجات.. هو لا يغبنهم وإنما يعطي لكل ذي حق حقه ولكن بصعوبة بالغة، فبعضهم يذكر انه لو حصل من الأستاذ جميل على درجة سبعة عشر من خمسة وعشرين فإنه يعد نفسه غاية في السعادة ومتميزاً على أقرانه من الطلبة.

ويوم إقترب الطالب وقتها الدكتور حاليا قريبي وصديقي العتيد عامر الحديثي من حاجز العشرين، عد ذلك بين الأساتذة والطلبة حدثاً غير عادي.

لا شك أنني ومنذ البدايات الأولى في حياتي قد تأثرت تأثراً شديداً ب خالي جميل، فقد كان يرشدني نحو الطريق الصحيح ويحثني دائما على ان استزيد من العلم والثقافة فهو يقول:

- مهما استزدت من علم وثقافات فإنك لن تبلغ النهاية أبداً، ذلك أن الثقافات ليس لها سوى طريق مفتوح ومتجدد ومستمر ومتزايد، فما تطرحه اليوم وتؤمن به قد يبدو لك في الغد غير صحيح، وعليك أن لا تستهين بأفكار الآخرين، وان تؤمن بالحوار فتعدد الحوارات يضفي عليك ويغنيك بالمزيد من المعلوماتية.

وانا أصغي لهذه النصائح تمثلت قول طاغور وهو يقول في مقدمة ديوانه (أناشيد الصباح):

(أنا لا أريد لبيتي أن يكون مسوراً.. أريد أن تكون نوافذ غرفتي مشرعة على كل الجوانب لأنهل من كل الحضارات والثقافات حتى أكون أنا الإنسان).

أن الناقد الرائد الدكتور جميل نصيف التكريتي، رجل ثقافة وعلم ومعرفة وغير متزمت في أرائه وأفكاره فهو رجل الحوار ورجل استلهم ثقافات وحضارات الشعوب بوصفها تزاوج إنساني نتج عنه الأفضل والأحسن والأجمل، ولم يعرف عنه في يوم من الأيام أي تعصب لرأي أو فكرة.. وعرف عنه حبه وتعصبه لوطنه.