د. جميل نصيف الأستاذُ ذو الرسالة

د. جميل نصيف الأستاذُ ذو الرسالة

ناظم عودة

عندما التقيتُ أستاذي الكبير الدكتور جميل نصيّف التكريتي في لندن، وجدتُهُ متلهّفاً لمواصلة الأحاديث السابقة في كلية الآداب وكأنها أحاديثُ منقطعةٌ يريدُ تكملتَها. فتحدثنا، لكنّ الأحاديثَ لم تنتهِ، فأحببتُ أنْ أُكملَ بعضاً منها لأنّ التكملةَ حقٌّ لتاريخ الثقافة العراقية، أو هي إرشيفٌ مهمّ من إرشيفات كلية الآداب الذي ينبغي أنْ يُحفظَ في ذاكرتها. فما أذكرُهُ هنا في هذه المقالة، هو مجرد اعتصارات لذاكرتي لاستعادة أفق محاضرات هذا الأستاذ الناقد المترجم في هذه النبذة المختصرة:

أنْ يُعيدَ أستاذٌ جامعيّ، عَبْرَ محاضراته، تمثيلَ الصراع الثوريّ الذي دارَ في حقبة ذهبية للثقافة الروسية؛ الصراع الفكريّ والاجتماعيّ والأدبيّ حولَ مفاهيم: التقدّم، التحديث، الثورة، والواقعية النقدية التي مارستْ نقداً قاسياً للسلطة الاستبدادية وأنظمة العبودية في المجتمع الروسي، فإنّ هذا يبدو عملاً ينطوي على مغامرة حقيقية في مرحلة النظام السياسيّ الاستبداديّ بالعراق في الثمانينيات.

عندما تبدأ محاضرةُ الدكتور جميل نصيّف التكريتي، كان الصمتُ يخيّمُ على جميع الطلاب وكأنّ على رؤوسهم الطيرَ مهابةً لهذا الأستاذ الذي كان يسرحُ بفكره بعيداً وكأنه يُحلّقُ في عالم من الأفكار والحكايات التي تدورُ بينها صراعاتٌ وحواراتٌ. المحاضرةُ، إذن، كانت تحاكي مسرحيةً تنطوي على حبكةٍ وأحداثٍ وفعْلٍ يبلغُ ذروتَهُ عَبْرَ صراعاتٍ وحواراتٍ شتى، ثم تأتي لحظةُ التفسيرات والتأويلات التي تربطُ ربطاً جدلياً بين كلّ ذلك.

التاريخُ، إذن، ليس حيادياً في الأدب والفكر، ولا يمكنُ أنْ يكونَ كذلك في رؤية جميل نصيّف ومنهجه لتناول هذه الموضوعات الشديدة الأهمية في تاريخ الأدب. لقد ذكرَ، وهو يُلقي سلسلةَ محاضرات عن العلاقة بين "التاريخ العام" و"تاريخ الأدب" أنّ "التطور" هو المفصلُ الأساس في تاريخ الأدب وليس " التعاقب" التاريخيّ. وكان تناولُهُ الرائعُ العميقُ بالاقتباسات والشواهد يُغني فكرةَ رينيه ويليك ويطورُها استناداً إلى جماليات الواقعية النقدية الروسية. وهنا، ينبغي أنْ نتذكرَ ترجمتَهُ لموسوعة "نظرية الأدب" التي اشتركَ كوكبةٌ من الباحثين السوفييت في تأليفها. كلُّ هذا يجعلُ الخلفيةَ النظريةَ والفكريةَ التي يتكئُ عليها جميل نصيّف أكثرَ غنىً وثراءً في تناول هذه الفكرة.

كانَ هذا الأستاذُ، يبذلُ جهداً وكأنه ممثلٌ يعيشُ الدورَ ويتفاعلُ معه لتبليغ رسالة معينة، فصوتُهُ بتموجاته ومحاكاته كان يعبّرُ خيرَ تعبيرٍ عن هذه الفكرة. كنتُ أشعرُ أنّ هذا الأستاذَ لا يُلقي محاضرةً، أو أنّ غايةَ المحاضرة عنده ليست تعليميةً ووعظيةً، إنما لها رسالةٌ تخاطبُ عقولَنا الخاملةَ، لأنه يتعدّى المعلومةَ إلى ما بعدَها، إلى ما يترتّبُ عليها من مضمون يستفزُّ عقولَنا. فهو لا يتناولُ قضيةَ الصراع الأدبيّ على أنها مجرد قضيةٍ تتعلقُ بالشكل والمضمون، وإنما باعتبارها ثورةً على كل ما هو قديمٌ ومتحجّرٌ وثابتٌ رافضٌ للتجديد والتحديث. ولو استعدنا شريطَ التفاصيل الذي يتضمنُ محتوى محاضرته في ضوء السياق الاجتماعيّ والتاريخيّ والثقافيّ والسياسيّ والدينيّ المتشكّل بالعراق في تلك المرحلة، سنفهمُ أنّ المحاضرةَ كانت تطمحُ إلى ما هو أبعدُ من الصراع المحصور في نطاقَيْ: الفكر أو الأدب. وبذلك تتحولُ المحاضرةُ حول الصراع بين الكلاسيكية والرومانتيكية إلى رغبةٍ دفينةٍ عند جميل نصيّف، ذي الخلفية الماركسية، للتغيير الثوريّ الشامل لتقويض البُنى المتحجّرة في هذا الإرث. وتبدو هذه الرسالةُ التي يحملُها على قدرٍ كبيرٍ من المغامرة في وضْعٍ سياسيّ استبداديّ، لكنه كان يتمتّعُ بالشجاعة الكافية ليتطرقَ إلى استعمال بعض المفاهيم خارجَ نطاق أدبيات النظام السياسيّ. فمفهومُ الثورة بالمعنى البيلنسكي مثلاً، هو استعمالٌ لا يمكنُ قبولُه في تلك المرحلة، ويتعارضُ تماماً مع دلالتها في القاموس السياسيّ للنظام. لكنّ هذا الأستاذَ ضربَ كلَّ هذه الاعتبارات التي وضعتْها السلطةُ لينطلقَ في ترسيخ مفهوم الصراع من أجل التغيير الثوريّ الديمقراطي الذي لا يدعُ مِفْصلاً متكلّساً على حاله. تغييرٌ جذريّ يُجدّدُ المجتمعَ والفكر والوعي تجديداً كلياً كما يُجدّدُ الهواءُ النقيُّ المكانَ المخنوقَ بانغلاقه. وهنا، ينبغي أنْ نفهمَ موقفَ جميل نصيّف من البنيوية التي استندتْ إلى دراسات الشكلانيين الروس وإلى علم اللغة السوسيريّ وأبحاث مدرسة براغ في علم الأصوات ودراسات رومان ياكوبسون وإميل بنفينيست وكلود ليفي شتراوس وغيرها من الدراسات، لتُبلورَ رؤيةً "محايثة" لتفسير الأدب بمنأى عن التاريخ. فالمخيلةُ الـمُخصَّبةُ بالأعمال الأدبية العظيمة لدى جميل نصيّف، والتي درّبتْ حساسيتَه وذائقتَه الجماليةَ على الفهْم في ضوء العلاقة الجدلية بين الأدب والتاريخ، لا يمكنُها قبولُ الطريقةِ البنيوية في فَهْم الأدب وتفسيره. ولم تكنْ الفلسفةُ البنيويةُ في حَصْرِ القيمةِ الأدبيةِ في الشكل والعلاقات اللغوية واعتبارها بنيةً محايثةً، لَتَحْظى بالقبول النقديّ لدى جميل نصيّف الذي ينظرُ إلى التاريخ بوصفه جدليةً وروحاً تتمتّعُ بحيويةٍ تمنحُ العملَ الأدبيّ حركيّةً وتُضفي عليه طراوةَ الديمومةَ الزمانية والمكانية.

في تلك المرحلة الاستبدادية، كنتُ قد قرأتُ العديدَ من الدراسات النقدية العراقية، وكان بعضها ينتمي إلى النقد الأكاديميّ، فلم أعثرْ على نقدٍ تحليليّ يربطُ ربطاً "جدلياً" بين "التاريخ" و"جماليات الأدب" بل كان التاريخُ يسيرُ في جهةٍ، والعملُ الأدبيّ في جهةٍ ثانيةٍ. لكنّ هذه الطريقةَ، أو هذا المنهجَ الذي يميطُ اللثامَ عن التماهي بين الأدب وتحولات التاريخ، قد أَسَرَني واستولى على مجامع لُبّي، فكنتُ، في أثناء المحاضرة، لا أمسكُ قلماً ولا أدوّن شيئاً، بل إنني أتركُ لذهني ومخيلتي الاندماج بتلك الرحلة الفكرية التي لا يمكنُ تدوينُها في ورقة. إنها رحلةُ حوارات ومواقف وصراعات وتمثيلات واقتباسات صعوداً نحوَ بُنى أدبية معينة وهبوطاً نحو التاريخ في مفصل معيّن من مفاصله. النقدُ الذي أسّسَ مفاهيمَه ونظرياته واصطلاحاته على الشعر وحدَه، لا تجدُ له حيّزاً في محاضرات جميل نصيّف، فعَظَمَةُ النثر في روائعه الروائية والمسرحية، تتجلّى صافيةً ومثيرةً وغنيةً فكرياً وجمالياً وتاريخياً في تلكم المحاضرات. لا يبدو، هذا، شيئاً غريباً على أستاذٍ متمرّسٍ كان قد ألّفَ وترجمَ سابقاً كتابَيْه: قراءة وتأملات في المسرح الإغريقيّ، وترجمَ كتابَ برتولد بريخت: نظرية المسرح الملحميّ.

كلُّ ما كنتُ قد قرأتُهُ سابقاً قراءةً نظريةً حول "الجدل الماركسي" و"الصيرورة" و"صراع الطبقات" و"البرجوازية" و"النبلاء" و"الارستقراطية" وسوى ذلك من مفاهيم مجردة، أضحى الآنَ يتحركُ متمتعاً بحيويةٍ باذخةٍ عَبْرَ شخوصٍ وأفعالٍ يؤدّون أدواراً معينةً في هذه الحياة، وتوجّهُهم رؤيةُ المؤلف من وراء حجاب شفيف. جميل نصيّف كان يُمسكُ بخيوط كلّ ذلك ويحرّكُه ببراعةٍ في محاضرة "المذاهب الأدبية" وله كتابٌ قيّمٌ بهذا العنوان.

هكذا، تجعلُكَ هذه المحاضرات تبلغُ منزلةَ اليقين أنّ الأدبَ ليس مجرّدَ حشوٍ لكلمات اللغة. وليس مجرّدَ حرفةٍ أو مهارةٍ وإنما يؤدي وظيفةً جوهريةً في الحياة والوجود والواقع الاجتماعيّ. وأنّ سُموَّهُ يكمنُ في قدرته على تغيير الواقع وفضْح أنماط السيطرة السلطوية بجميع أشكالها وليس مجرد انعكاسٍ للواقع على سطح اللغة. وبالتالي فإنّ الأدبَ ليس فرعاً مُلحقاً باللغة وتابعاً لها، بل إنه إنه تمثيلٌ للحركة والصيرورة الجدلية التي تحرّكُ التاريخَ، وعدا ذلك يصبحُ الأدبُ مجرّدَ عبثٍ غير وظيفيّ لا طائلَ من ورائه.

عندما تكونُ الأمثلةُ والاقتباساتُ من إبسن وشكسبير وغوته وراسين ومولير وكورنيه ودوستويفسكي وتشيخوف وغوغل وبوشكين وتورجينيف فإنّ الحركةَ الدراميةَ في قاعة المحاضرة كانت حركةً في عُمْق التاريخ والميثولوجيا والجماليات. الدراما، هذه الكلمةُ التي تختزنُ حركةَ الحياة وجدلَ الواقع وتحولات الفكر، خصّصَ لها جميل نصيّف عدّةَ محاضرات لتفيها حقَّها. فاصطحبَنا معه إلى الأصول والجذور الأولى، إلى المآسي الإغريقية، إلى مسرحيات سوفوكليس ويوربيدس وأسخيلوس، إلى أوديب ملكاً وأنتيغون وطيبة وبروميثيوس وغيرها من التراجيديات الإغريقية. ولم يكتفِ بذلك، وإنما أرادَ أنْ يُبيّنَ لنا النَّسَقَ النظريَّ الذي يتحرّكُ بمقتضاهُ الفعلُ المسرحيُّ، فقام بتدريسنا كتابَ أرسطوطاليس "فن الشعر" بترجمة شكري عياد، وترجمة وتحقيق: عبد الرحمن بدوي. وبالنسبة لي، قرأتُهُ على نسخة عبد الرحمن بدوي، وما زلتُ أعيدُ قراءتَهُ على تلك النسخة محتفظاً بها في مكتبتي أينما رحلتُ وحللْتُ. محاضراتٌ في أصول الشعرية، التي توّجَها بترجمة كتاب باختين: شعرية دوستويفسكي. لم يرغب بدءاً في استعمال مفهوم الشعرية Poetics الذي ينتمي إلى قاموس الاصطلاحات البنيوية، فنشرَهُ بعنوان: قضايا الفنّ الإبداعي عند دوستويفسكي، لكنّهُ اقتنعَ لاحقاً في استعمال مفهوم الشعرية في الطبعة الثانية الصادرة عن دار توبقال نتيجةً لانتشار استعماله وتداوله بين النقاد. كانت ترجمةُ الكتاب عن اللغة الروسية بلغةٍ بعيدةٍ عن المعاضلة والتعقيد، تَجعلُها ترجمةً مرجعيةً.

كتابُ أرسطو، كتابٌ مرجعيّ، غنيٌّ بالأفكار والنظريات المؤسِّسَة في النقد والجماليات، فكان حديثُه العميق عن جوهر الشعر وعلاقته بالتاريخ، وعن الشعر الدراميّ والشعر الغنائيّ والشعر الملحميّ، حديثاً يفتحُ أبوابَ المعرفة على إدراك الأدب والتاريخ والجماليات. وبمناسبة الحديث عن الملحمة، وُلِدَ الحديثُ عن نشأة الرواية وعلاقة ذلك بالملحمة ومناقشة آراء مؤرخي الأدب والنقاد ونظرياتهم بهذا الخصوص. وهنا ينبغي أنْ نعرفَ أنه ترجمَ كتاب كوزينوف: الرواية ملحمة العصر الحديث، ضمن موسوعة نظرية الأدب التي نقلَها عن اللغة الروسية. وكانت هذه موضوعةٌ على قدرٍ كبيرٍ من الإثارة لما تتضمنُهُ من شواهدَ واقتباساتٍ ومعرفةٍ موسوعيةٍ تَـمَيَّزَ بها جميل نصيّف دون سواه.

في حديثه عن قوانين المسرح على النحو الذي سنّها فيه أرسطو، وعن نظرية المحاكاة، كان يستغلُ ذلك ليُعرّجَ على هوراس الناقد الروماني الشهير الذي حاول اتّباع طريقَ سُنن المحاكاة الأرسطية، وكيفية تطور مفهوم المحاكاة عَبْرَ التاريخ وصولاً إلى الفيلسوف والناقد والـمُنظّر والمسرحيّ الألمانيّ ليسنج Gothold Ephraim Lessing أحد مفكّري التنوير الألمانيّ في القرن الثامن عشر. ويبدو أنّ اهتمامَ جميل نصيّف بليسنج لكونه كان خصماً قوياً للإقطاعية وكان يعملُ على تطوير فكرة الديمقراطية ونَشْرها في المجتمع الألماني وثقافته من خلال كتابه: "تربية الجنس البشري" 1780. وهو الكتابُ الذي يُبشّرُ فيه بمستقبلٍ يتحرّرُ فيه المجتمعُ الألمانيّ من العبوديات. وعلى الرغم من فلسفته المثالية إلا أنها كانتْ تنطوي على نظراتٍ ومضامينَ ماديةٍ. وكان يدعو إلى الواقعية في الأدب. وهنا نفهم لماذا عادَ جميل نصيّف إلى هذا الناقد الفيلسوف. فخلفيتُةُ الفكريةُ والنظريةُ قد اغتنتْ بفكر الواقعية النقدية والنقد الثوريّ الديمقراطيّ عند بيلنسكي وتشيرنيفيسكي ودوبروليوبوف وغيرهم، فأصبح ذلك الفكرُ أساساً متيناً لها ومنبعاً لمعاييرها. بعدَ أنْ وَضُحَتْ صورةُ القوانين الكلاسيكية للأدب، انسَلَّ جميل نصيّف إلى حقلٍ أكثر شموليةً يعالجُ المسائلَ الكليةَ، ويَعْبُرُ الأدبَ إلى الفنّ بشكلٍ عام، وهو حقلُ علم الجمال، فكانَ أستاذاً محنّكاً في تدريس كتاب أحد أتباع الهيغلية الجديدة وهو كروتشه وكتابه الرائد في علم الجمال: المجمل في علم الجمال. فقد كان لآراء كروتشه الجمالية التأثيرُ البالغ على النقد الفني البورجوازي عندما اعتبرَ، استناداً إلى مرجعيته الهيغلية، الفنَّ جوهراً روحياً. ثم انتقلَ جميل نصيّف إلى مرحلة مناقشة الصراع الفكريّ، فناقشَ مسألةَ الصراع بين القيم الكلاسيكية والقيم الحديثة المتمثلة في المذهب الرومانتيكي، ولاسيما في المجتمع الفرنسيّ الذي كان يكافحُ قبلَ الثورة للانتقال إلى العصر الحديث. فكان ثمةَ حديثٌ موسّعٌ عن عصر الأنوار (روسو، مونتيسكيو، وديدرو). وحديثٌ عن مركزية السلطة الملكية والوزير الفرنسي الماردينال روشليو الذي كان يدعو إلى تقوية نفوذ مركزية السلطة وحصرها بيد الملك. ومساندة هذه المركزية السياسية للقيم الكلاسيكية المحافظة ووضْع القواعد الصارمة التي تجلّتْ في تأسيس الأكاديمية الفرنسية في سنة 1635 في عهد لويس الثالث عشر. وحديثٌ عن المحاولات الفرنسية المبشّرة بالروح الحديثة والطامحة للتغيير، فكانت مدامُ دي ستال هي إحدى رموز هذا التغيير. في مقابل بوالو المتزمّت والمتزلّف للسلطة التي ساعدتْهُ على اكتساب القوة والثقة لوضع القواعد الصارمة ومهاجمة الأدباء الطامحين للتحديث والحرية. فكان قبولُهُ في الأكاديمية الفرنسية بمثابة السيف المسلَّط على رقاب الأدباء.

بعدَ هذه السياحة الفكرية والأدبية، كان الحديثُ عن مدارس الأدب المقارن يخرجُ عن النمطية المعتادة فيه. ذلك أنّ الحديثَ عن الأدب المقارن ومدارسه: الفرنسية، والأمريكية، والسلافية، لم يمنعْ من الحديث عن أصوله في الأدب العربيّ، وجميل نصيّف أحدُ المشاركين الناشطين في مؤتمراته.

كتبَ جميل نصيّف أطروحتَهُ عن: مفهوم الرومانتيكية عند بيلنسكي. وانطلقَ من معالجة مشكلة معروفة لدى النقاد وهي أنّ بيلنسكي كان متناقضاً في تبنّي هذا المفهومِ وطرْحِهِ. وأرادَ جميل نصيّف أنْ يُفنّدَ ذلك، ويُثبتَ أنّ القراءات السابقة لفكر بيلنسكي كانت مبتسرةً، وبالتالي فإنّ فهمَ هذا الفكر كان فهماً مبتسراً. فعادَ إلى قراءة القرن السابع عشر ليتابعَ نشأةَ هذا المفهوم وتطوره، وكيف وصلَ إلى بيلنسكي الناقد التقدميّ الذي اتخذه وسيلةً لنقد السلطة والعبودية ونظام القنانة، ثم اتّخذَهُ وسيلةً لنيل الحرية والمطالبة بالتغييرات الثورية التقدمية. في أثناء جلسة مناقشة الأطروحة، عقّبَ أحدُ المناقشين: إنّ ما قدّمَهُ جميل نصيّف يُعَدُّ إضافةً لما نعرفُهُ عن بيلنسكي.

عاش بيلنسكي حياةً قصيرة ما بين (1811-1848) وماتَ بمرض السلّ. وعلى الرغم من هذه الحياة القصيرة (37) سنةً، إلا أنه تركَ تأثيراً بالغاً في الفكر الروسيّ الحديث. فهو مؤسِّسُ علم الجمال الروسيّ الذي اعتبرَ الواقعيةَ قيمةً جماليةً مطلقةً. كان بيلنسكي جزءاً من الحراك الفكريّ والثقافيّ الذي كان بدايةً حقيقيةً لتقويض طبقة النبلاء على أيدي الطبقة الوسطى الروسية. فهو ناقدٌ نضجَ فكرُهُ النقديّ والجماليّ في ضوء تطور الواقعية النقدية الروسية ونضالها ضدّ الحكم الأوتوقراطيّ ونظام الإقطاع والقنانة والعبودية، وبلورتها لفكرة الديمقراطية الثورية التي تعبّرُ عن طبقة الفلاحين. هذه المعاني والأفكارُ، تعرفُ مدى خصوبتها حينما تعرفُ أنّ هذا الأستاذَ كان قد ترجمَ كتابَ: في سبيل الواقعية، الذي يتحدّثُ عن فكر بيلنسكي وتشيرنيشيفسكي ودوبرليوبوف، وهو كتابٌ غنيٌّ وقيّمٌ ضخمٌ من تأليف البروفيسور: لافريتسكي.

وهكذا، كان درْسُ الدراما والمسرح يمرُّ بتحولات المسرح وتطوره منذُ أنْ كان فناً أغريقياً مقترناً بالقواعد الصارمة وبفلسفة تغليب العقل على العاطفة، والموضوع على الذات. ثم بتقويض الأسس والمبادئ الكلاسيكية بتغليب الذات على الموضوع والعاطفة على العقل والنزعة الفردية على الجماعية. ثمّ الانتقال إلى مسرح شكسبير، وانتهاءً بالمسرح الملحميّ البريختيّ الذي دشّنَ رؤيةً جديدةً وعصراً جديداً للمسرح. وهنا ينبغي أنْ نعرفَ أنّ تجديدَ المسرح البريختيّ كان تجديداً جذرياً للمسرح الأرسطيّ. ولا يمكنُ أنْ يرضى به جميل نصيّف لولا حساسيته الجمالية التي تشكّلتْ في نطاق الواقعية النقدية الروسية، ولولا الطريقة الثورية التي اتبعَها برتولد بريخت في جَعْل المسرح مسرحاً ديالكتيكياً وجزءاً من المهمة التغييرية التي يتطلّعُ إليها بريخت عندما دمجَ المتفرّجَ في اللعبة المسرحية وأشركَه في سياق دهشتها وغرابتها. وهكذا، قلبَ وظيفةَ المسرح من التطهير الأرسطيّ إلى وظيفة تغييرية، تعبّئُ المتفرّجَ ليكونَ أداةَ التغيير الجذريّ.